بعد عقود من قيام حكومات العالم بتفكيك مخزوناتها الغذائية، ووضع ثقتها في التجارة العالمية، بدأ بعض الدول بتطبيق خطط جديدة، لإعادة بناء مخزوناتها الغذائية المخصصة لحالات الطوارئ، تماماً كما كانت تفعل فنلندا منذ عام 1726.
فمن السويد مروراً بالنرويج وصولاً إلى الهند وإندونيسيا، تُخزّن الدول كميات متزايدة من الأرز والقمح وغيرهما من المواد الغذائية الأساسية، كضمانة ضد عالمٍ بات يُنظر إليه على نحو متزايد على أنه غير مستقر.
وتعكس عودة ظاهرة تخزين المواد الغذائية، تراكم سلسلة من الصدمات المتزامنة، من اضطرابات سلاسل الإمداد التي خلّفتها جائحة كوفيد-19، إلى القلق العالمي المتصاعد حيال الحرب في أوكرانيا والنزاعات الأخيرة في غزة وفنزويلا وإيران، مروراً بتقلبات المناخ، ووصولاً إلى تجدد توظيف التجارة كأداة للضغط السياسي، ما يكشف عن وجود خلل عميق في التفكير الاقتصادي العالمي.
وتُجادل الحكومات بأنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على الأسواق في أوقات الأزمات، وأن الغذاء، شأنه شأن الطاقة، يجب التعامل معه كأصل استراتيجي. في المقابل، يُعارض الاقتصاديون ومسؤولو التجارة هذا الرأي، مُحذرين من أن تكديس العديد من الدول للموارد الغذائية في وقت واحد يُعرّض الإمدادات العالمية للخطر، ويرفع الأسعار، ويُلحق الضرر بأفقر الدول المُستوردة.
حقبة "المخازن الفارغة"
وبحسب تقرير أعدّته "فايننشال تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإنه على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت الاحتياطيات الغذائية العامة، تراجعاً في معظم أنحاء العالم، حيث أدى انفتاح التجارة، وتنوع سلاسل التوريد، وتطور الخدمات اللوجستية إلى جعل المخزونات الوطنية تبدو غير ضرورية في الاقتصادات المتقدمة.
وفي إطار السياسة الزراعية المشتركة، فككت أوروبا نظام الشراء التدخلي، في حين خفضت دول الشمال مخزونات الحبوب التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، وحتى الدول التي كانت تعاني من انعدام الأمن الغذائي اعتمدت بشكل متزايد على الأسواق العالمية.
ولكن هذه الثقة تراجعت بشكل حاد منذ عام 2020، عندما كشفت جائحة كوفيد-19 عن هشاشة سلاسل التوريد القائمة على نظام "التوريد في الوقت المناسب"، كما ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية في تآكل الثقة أيضاً، إذ أدركت الدول أن أي صراع جيوسياسي يمكن أن يوقف الإمدادات.
وإضافة إلى ذلك، لعبت الصدمات المناخية كالجفاف والفيضانات وموجات الحر، التي أصبحت أكثر تواتراً وأصعب في التنبؤ، دوراً في دفع الدول إلى تخزين الغذاء مجدداً.
لماذا تعيد الدول تخزين الغذاء؟
وبالنسبة للعديد من الحكومات، فإن الخلاصة بسيطة، إذ قد تستمر الأسواق في العمل في معظم الأوقات، ولكن في بعض الحالات الطارئة، لا يمكن الوثوق بها لتوفير الغذاء، ولذلك فقد بدأت النرويج، إحدى أغنى اقتصادات العالم وأكثرها اعتماداً على التجارة، في إعادة بناء مخزونات الحبوب الطارئة لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة.
وخلال عامي 2024 و2025، تعاقدت الحكومة النرويجية مع شركات خاصة لتخزين ما يقارب 30 ألف طن من القمح، في حين ذهبت السويد أبعد من ذلك، ففي ميزانيتها لعام 2026، خصصت ستوكهولم 575 مليون كرونة سويدية (63 مليون دولار أميركي) لإعادة بناء مخزونات الطوارئ الغذائية كجزء من استراتيجيتها "الدفاعية الشاملة".
وبينما تستعد السويد لتخزين ما يكفي من الطعام لتوفير 3000 سعرة حرارية يومياً لكل مواطن من مواطنيها البالغ عددهم 10.6 مليون نسمة لمدة عام، اتخذ المسؤولون الفنلنديون خطواتٍ لزيادة مخزون الحبوب الاحتياطي من ستة أشهر إلى تسعة أشهر، مُؤكدين على ضرورة تعزيز الاستعداد في عالم يزداد اضطراباً.
بدورها أعلنت ألمانيا في شهر أغسطس 2025، أنها تُراجع مخزونها الغذائي الاحتياطي القائم منذ فترة طويلة، ليشمل المزيد من المواد الغذائية الجاهزة للأكل، حيث تُنفق ألمانيا بالفعل 25 مليون يورو سنوياً على مخزون غذائي يبلغ 100 ألف طن.
مخزونات قياسية في آسيا
وفي أماكن أخرى من العالم، ولا سيما في آسيا، أصبح التخزين أداةً للإدارة الاقتصادية والسياسية، بتداعيات تتجاوز الحدود الوطنية، فالهند أكبر مُصدِّر للأرز في العالم، باتت تمتلك بعضاً من أكبر مخزونات الحبوب في تاريخها، حيث أنه بحلول ديسمبر 2025، بلغت احتياطياتها من الأرز نحو 58 مليون طن، أي بزيادة قدرها 12 في المئة تقريباً عن العام السابق، بينما تجاوزت مخزونات القمح أيضاً المعايير الرسمية للاحتياطيات.
وقد سلكت إندونيسيا مساراً مماثلاً، حيث رفعت جاكرتا مخزونات الأرز الحكومية بشكل حاد إلى 4 ملايين طن بحلول سبتمبر 2025، أما في الصين، فتكديس المخزونات أكبر بكثير، حيث أنه وبحسب وثائق الميزانية الرسمية، رفعت بكين ميزانيتها لعام 2025 لتخزين الحبوب والزيوت الصالحة للأكل وغيرها من السلع الزراعية بنحو 6.1 في المئة عن العام 2024، لتصل إلى حوالي 132 مليار يوان (18 مليار دولار).
وجاءت هذه الزيادة بالتزامن مع تأكيد الصين تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب، وما تصفه السلطات بـ"الأمن المطلق" للإمدادات، في سعي من الحكومة لحماية البلاد من الصدمات الخارجية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.
المناخ محرّك التخزين
وبحسب "فايننشال تايمز"، فإن تآكل الثقة في الأسواق ليس مجرد مشكلة جيوسياسية، إذ أصبح تغيّر المناخ محركاً أكثر إلحاحاً لسياسات تخزين الغذاء بالنسبة لعدد من الحكومات، ففي مصر، على سبيل المثال، أدت سلسلة من موجات الحر وعدم انتظام هطول الأمطار إلى انخفاض متكرر في إنتاج القمح المحلي على مدى العقد الماضي، مما زاد من الاعتماد على الواردات في الوقت الذي أصبحت فيه الأسواق العالمية أكثر تقلباً.
وقد رفعت القاهرة سعة التخزين الحكومية إلى نحو 6 ملايين طن، وحافظت على احتياطيات تكفي لأكثر من ستة أشهر من الاستهلاك، وذلك تحديداً للتخفيف من آثار الصدمات في الإمدادات وارتفاع الأسعار الناجمة عن تغير المناخ.
وبالمثل، فعلت بنغلاديش بعد أن ألحقت الفيضانات أضراراً بمحاصيل الأرز في عامي 2024 و2025، حيث شكلت الحكومة فريق عمل أوصى بتوسيع نطاق الاحتياطيات الطارئة لتشمل، بالإضافة إلى الحبوب الغذائية، الأسمدة والديزل والزيوت الصالحة للأكل. وقد زادت حكومة بنغلاديش في ميزانية 2025-2026 التمويل المخصص للاحتياطيات الاستراتيجية، على الرغم من استقرار توافرها عالمياً.
وفي البرازيل، أنفقت الحكومة نحو 100 مليون دولار على تخزين الغذاء في عام 2025، حيث اشترت بشكل رئيسي الذرة والأرز.
ويرى بعض المراقبين أن تخزين الحبوب على نطاق واسع عملية مكلفة وصعبة، إذ تتدهور جودتها مع مرور الوقت، ما قد يحوّلها في نهاية المطاف إلى علف للحيوانات أو للاستخدامات الصناعية. وتعتبر تجربة الصين في هذا المجال بمثابة تحذير ملموس، إذ أدت المخزونات الضخمة من الذرة المتراكمة بين عامي 2008 و2016 إلى فقدان صلاحيتها للاستخدام الغذائي، ما اضطر السلطات إلى توجيهها نحو إنتاج الإيثانول والتطبيقات الصناعية.
كما يشير الخبراء إلى أن الإنتاج الزراعي العالمي لا يزال كافياً لتلبية احتياجات البشر، إلا أن التهافت على تخزين الغذاء يؤدي إلى دفع الأسعار نحو الارتفاع. وقد أظهرت دراسات أن حظر التصدير وتكوين المخزونات الاحترازية ساهم بشكل كبير في موجة ارتفاع أسعار الغذاء العالمية خلال الفترة 2007-2008، حتى في ظل وفرة المحاصيل عالمياً نسبيّاً.
الخوف من السيناريو الأسوأ
وتقول المهندسة الزراعية ريان رحال، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن عودة الدول إلى سياسات تخزين الغذاء تعكس تحولاً في فلسفة إدارة المخاطر لدى الحكومات نتيجة تآكل الثقة في قدرة الأسواق العالمية على تأمين الإمدادات في أوقات الأزمات، وهذا التحوّل لم ينشأ من جراء عامل واحد، بل من تراكم مخاطر كانت نادرة الحدوث في السابق، ولكنها باتت اليوم جزءاً من المشهد الدائم، فما بين الأوبئة والصدمات المناخية غير القابلة للتنبؤ، واستخدام التجارة كسلاح سياسي، أصبح "السيناريو الأسوأ" احتمالاً حاضراً في الخطط المستقبلية للحكومات.
وترى رحال أن ما يحدث اليوم في ملف تخزين الغذاء، يعكس في جوهره نهاية مرحلة "العولمة المطمئنة"، حيث لم يعد يُنظر للغذاء كسلعة اقتصادية فقط، بل كعنصر من عناصر الأمن القومي يخضع للحسابات ذاتها التي تحكم القرارات العسكرية والطاقة وحتى أشباه الموصلات، مشيرةً إلى أن الملفت في هذا السياق، هو أن التحول الحاصل لا يقتصر على الدول النامية أو تلك التي تعاني من هشاشة غذائية، بل يشمل اقتصادات متقدمة لطالما دعت للاعتماد على الأسواق في أوقات الأزمات، وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة لم تعد في توافر الغذاء، بل في موثوقية الوصول إليه عند الأزمات.
انعدام جماعي للأمن
وتعتبر رحال أن السياسات التي تتبناها الدول بشكل فردي، لتعزيز أمنها الغذائي قد تتسبب بنتائج عكسية، فعندما تقوم عدة دول في وقت واحد بسحب كميات كبيرة من السلع من السوق، تتقلّص المعروضات المتاحة للتجارة وترتفع الأسعار عالمياً وتتضاعف حدة التقلبات، ما يفاقم هشاشة الدول الفقيرة التي تعتمد على الاستيراد، ويحوّل إجراءات الحماية الوطنية إلى مصدر عدم استقرار للنظام الغذائي العالمي ككل، في مفارقة تُظهر كيف يمكن لسعي الدول إلى الأمان أن يُنتج انعداماً جماعياً للأمن.
وحذّرت رحال من أنّ التخزين الواسع النطاق للغذاء لا يخلو من كلفة خفية، وتحديداً تلك المتعلقة بالإدارة والهدر، إضافة إلى مخاطر سوء التوقيت، إذ قد تجد الحكومات نفسها مجبرة على الافراج عن مخزوناتها في ذروة تراجع الأسعار، أو أنها مضطرة لإتلافها عند تغير الأنماط الاستهلاكية، ولذلك فإنه في ظل عدم وجود أطر عالمية واضحة لإدارة المخزونات الغذائية وكيفية استخدامها، تتحول هذه السياسات إلى مصدر عدم يقين إضافي في السوق العالمية، بدلاً من أن تكون صمام أمان.
بيئة دولية أكثر انقساماً
من جهته يقول الأستاذ الجامعي في مادة الاقتصاد محمد طه، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن عودة تخزين الغذاء تدل على ان الدول باتت تتوقع بيئة دولية أكثر انقساماً، حيث يمكن استخدام سلاسل الإمداد كورقة تفاوض أو أداة ضغط سياسي، ولذلك يصبح تعزيز القدرة على الصمود الداخلي أولوية قصوى، وحتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة الاقتصادية التقليدية، مشدداً على أنّ هذا المنطق ليس خالياً من المخاطر، فهو يحمل تهديداً مزدوجاً، فمن جهة يعزز النزاعات الحمائية ويقوّض حرية التجارة، ومن جهة أخرى يضعف الثقة المتبادلة بين الدول، ما قد يؤدي إلى دوامة تصاعدية من التدابير الوقائية والإجراءات المتبادلة.
نظام جديد للأمن الغذائي
وبحسب طه فإنه لا يمكن القول ببساطة إن على الدول أن تتوقف عن تخزين الغذاء، خصوصاً في ظل حالة عدم اليقين التي يمر بها العالم في الوقت الراهن، ومع ذلك فإن الحل لا يكمن في العودة الكاملة إلى نماذج التخزين القديمة، التي تعتمد على كميات هائلة مخزنة محلياً، بل في إعادة تصميم سلاسل الإمداد لتكون أكثر تنوعاً جغرافياً وأقل تركّزاً، مع استثمارات أكبر في الإنتاج الإقليمي والاحتياطيات المشتركة بين الدول، معتبراً أن الخيار الأمثل يتجسد في بناء نظام دولي جديد للأمن الغذائي، يقوم على التعاون بين الدول ومرونة الأسواق، وقدرة الحكومات على الاستجابة السريعة للصدمات.