تتحرك أسواق العملات المشفّرة على إيقاع متقلب، بين آمال بعودة الزخم الصعودي ومخاوف من تكرار موجات التصحيح الحاد، في ظل بيئة عالمية تتسم بارتفاع عدم اليقين الاقتصادي وتزايد حساسية المستثمرين تجاه المخاطر.
وبينما يترقب المستثمرون ملامح المرحلة المقبلة، يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا السوق قادرًا على استعادة بريقه من جديد.
تزداد حدة الجدل مع تباين التقديرات بشأن مستقبل الأصول الرقمية، في وقت تتقاطع فيه عوامل متعددة تشمل السياسات النقدية، والتحولات الجيوسياسية، ومستويات السيولة العالمية، فضلًا عن تطورات المشهد التنظيمي في الاقتصادات الكبرى.
وتجعل هذه المتغيرات مسار العملات المشفرة مفتوحًا على أكثر من سيناريو، ما بين التفاؤل الحذر والقلق المشروع.
وفي ظل هذا المشهد المركب، تتجه الأنظار إلى العام 2026 باعتباره محطة مفصلية قد تحدد اتجاه السوق على المدى المتوسط، خاصة مع عودة الحديث عن محفزات محتملة قد تعيد تشكيل شهية المخاطرة لدى المستثمرين. فهل يحمل القادم فرصًا لصعود جديد، أم أن التقلبات ستبقى العنوان الأبرز في أسواق الكريبتو؟
ويشير تقرير لشبكة "سي إن بي سي"، إلى أنه:
- بعد تسجيل بتكوين مستوى تاريخيًا غير مسبوق ثم تعرضها لتراجع حاد العام الماضي، يقول مسؤولون تنفيذيون ومستثمرون في القطاع إن العملة المشفرة قد تصل إلى قمم جديدة في عام 2026، لكن مع احتمالات عالية لتقلبات كبيرة.
- في الاستطلاع السنوي الذي تجريه الشبكة لتوقعات بتكوين، توقّع عدد من المعلقين نطاقًا واسعًا لأسعار العملة خلال عام 2026، إذ قد تهبط إلى نحو 75 ألف دولار، أو ترتفع إلى ما يصل إلى 225 ألف دولار.
- بحسب بيانات CoinMetrics، بلغت بتكوين في أكتوبر الماضي مستوى قياسيًا تجاوز 126 ألف دولار قبل أن تتراجع لاحقًا خلال العام إلى مستويات تقارب 80 ألف دولار، لتتداول حاليًا عند مستوى يقل بنحو 30 بالمئة عن ذروتها التاريخية.
كانت سوق العملات المشفرة العام الماضي مدعومة بما اعتُبر بيئة تنظيمية أكثر ملاءمة في الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب تزايد اهتمام المستثمرين المؤسسيين الكبار واللاعبين التقليديين في القطاع المالي، مثل البنوك.
وفي الوقت نفسه، شهدت السوق طفرة في ما يُعرف بشركات خزينة الأصول الرقمية (Digital Asset Treasury – DAT)، التي تقوم بتجميع كميات كبيرة من بتكوين وغيرها من العملات الرقمية.
يأتي ذلك في وقت يتواصل فيه الجدل حول تقييمات أسهم التكنولوجيا، وما إذا كانت طفرة الذكاء الاصطناعي ستتحول إلى فقاعة.
جاءت موجة البيع في سوق العملات المشفرة في نهاية العام الماضي 2025 على خلفية هذه الأجواء، إذ أعاد المستثمرون تقييم الأصول عالية المخاطر، وقام حاملو العملات المشفرة ببيع أصولهم الرقمية، ما أدى إلى عمليات تصفية قسرية فاقمت ضغوط البيع، وهو ما خلق بيئة صعبة مع دخول عام 2026.
أداء إيجابي في 2026
في حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق:
- سوق العملات المشفّرة، وعلى رأسها البتكوين، مرشّحة لتسجيل أداء إيجابي خلال العام 2026، وذلك بعد الانخفاضات والأداء السلبي الذي شهده القطاع في العام 2025.
- هناك عدة عوامل داعمة لعودة الزخم الصعودي، أبرزها ارتفاع شهية المخاطر لدى المستثمرين، إضافة إلى التطورات الجيوسياسية المتسارعة التي تدفع شريحة متزايدة من المستثمرين إلى اللجوء للعملات المشفّرة كأداة تحوّط، ولا سيما في ظل تزايد المخاوف من ضعف الدولار الأميركي.
- هذه المستجدات تشكّل سببًا إضافيًا لتعزيز الإقبال على البتكوين.
ويلفت إلى أنه رغم التخارجات التي شهدتها السوق من بعض المستثمرين والمؤسسين خلال 2025، فإن الصورة بدأت تتغير مع عودة الاهتمام الاستثماري تدريجيًا.
ويشدد على أنه لا يستبعد تسجيل مستويات قياسية جديدة للبتكوين خلال عام 2026، في حال استمرت العوامل الداعمة الحالية وتحسّن المزاج العام في الأسواق العالمية.
من 2025 إلى 2026
وبدأ البتكوين عام 2025 بداية قوية، مسجلاً مستويات قياسية، ووصل في النهاية إلى ذروة تجاوزت 126 ألف دولار. ولكن بحلول نهاية العام، انخفض بنحو 5 بالمئة، متخلفاً عن أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي ارتفع بأكثر من 16 بالمئة.
فيما كانت الأيام الأولى من عام 2026 مشجعة حتى الآن بالنسبة لأهم عملة مشفرة، حيث شهدت ارتفاعاً وتجاوزت 90 ألف دولار. ولكن هل يستطيع البتكوين العودة إلى مستوياته السابقة وربما تحقيق مستويات جديدة في عام 2026؟
بحسب تقرير لـ "ياهو فاينناس"، فإنه:
- لم يكن العام الماضي سيئًا إلى هذا الحد، ولكنه مع ذلك كان مؤشرًا على أن المستثمرين قد بدأوا يشعرون بالقلق حيال التقييم المرتفع للبتكوين .
- الخبر السار هو أن كل ما يتطلبه الأمر هو عامل محفز واحد لإعطاء العملة المشفرة دفعة قوية.
- على سبيل المثال، قد يكون الإعلان عن رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في وقت لاحق من هذا العام، والذي يتطلع إلى خفض أسعار الفائدة، هو ما يلزم لجذب المستثمرين إلى تبني نظرة أكثر تفاؤلاً تجاه البتكوين في المستقبل القريب.
- في نهاية المطاف، كان موقف الرئيس دونالد ترامب الداعم للبتكوين والسياسات الحكومية المواتية هما ما ساعدا العملة الرقمية على بلوغ مستويات قياسية العام الماضي. وقد أعلن البيت الأبيض عن إنشاء احتياطي للبتكوين العام الماضي، وإذا ما تراكمت فيه كميات من البتكوين، فقد يكون ذلك أحد السبل التي تُسهم في دعم العملة الرقمية مجدداً هذا العام.
- لكن حتى مع وجود سياسات حكومية داعمة لسوق العملات الرقمية في عام 2026، لا تزال هناك مخاوف تتعلق بالاقتصاد وسوق الأسهم بشكل عام، مما قد يؤثر سلبًا على المستثمرين الأفراد وإقبالهم على الاستثمارات عالية المخاطر، مثل البتكوين. وقد بلغ معدل البطالة 4.6 بالمئة في نوفمبر، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2021.
تقلبات
بدورها، تشير خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، لدى حديثها مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إلى أن:
- أداءعملة البتكوين خلال عام 2025 لم يكن إيجابيًا.
- يعود ذلك إلى تراجع الاهتمام بالتداولات، إلى جانب وجود ممارسات غير موثوقة في بعض أنشطة التداول بالعملات المشفرة، فضلًا عن ضغوط بيعية قوية من قبل المتعاملين على هذا الأصل الرقمي.
لكنها تعتقد بأن تحركات الولايات المتحدة الأخيرة في فنزويلا قد تشكل عامل دعم لعودة البتكوين إلى الارتفاع مجددًا، خاصة في ظل وجود سيولة هائلة داخل سوق البتكوين، مشيرةً إلى أن الولايات المتحدة قد تتجه خلال الفترة المقبلة إلى تنشيط الاستثمار في العملات المشفرة.
وتوضح أن البتكوين قد يتحول إلى أداة ذات طابع استراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة، ما قد يفتح المجال أمام اكتتابات واستثمارات جديدة في سوق الأصول الرقمية، وهو ما يدعم عودة العملة المشفرة إلى الواجهة بقوة خلال المرحلة المقبلة.
وتؤكد أن هذا الصعود المحتمل يرتبط بعودة شهية المخاطرة والاستثمار في البتكوين، بعد فترة من التشاؤم سادت الأسواق نتيجة الخسائر الشهرية المتتالية، والتي دفعت العديد من المستثمرين إلى تفعيل أوامر وقف الخسائر والخروج التدريجي من السوق.
وتلفت غلى أن هيمنة الولايات المتحدة على استثمارات البتكوين خلال الفترة المقبلة قد تكون المحرك الرئيسي لموجة صعود قوية، مرجحةً أن تتراوح الأسعار بين 93 ألفًا و120 ألف دولار للوحدة، مع استمرار الارتفاعات.