فالملف الفلسطيني يفرض نفسه على كل الأطراف العربية سواء من باب العروبة أو المصلحة المباشرة لدول عديدة.

وفلسطين أيضا كانت حصان طروادة عبر تاريخها لدول وقادة عرب، أرادوا أن يكونوا زعماء أمة، أو أرادوا صناعة حضور لدولهم الصغيرة، أو لمن أرادوا أن يحولوا صورهم إلى مناضلين وزعماء للمقاومة، حتى إن كانت مسارات دولهم باتجاه معاكس.

لكن محاولات المصالحة، التي تمت خلال عقد من الزمن، كانت تحظى بدعم ورعاية من دول عربية مهمة، مثل اتفاق مكة وغيره.

وحين كان المناضلون والمجاهدون يعودون إلى مناطقهم، كانت النوايا تظهر وتعود الحروب الإعلامية والسياسية بين الطرفين، ويبقى كل طرف على الكراسي الوزارية التي غنمها، حتى لو كان هذا الشقاق يخدم من يسمى نظريا منهم بـ"العدو الصهيوني".

مصر تعمل اليوم بجدية لإنجاز محاولة جديدة، وحماس تحت قيادة جديدة أعلنت قبل أشهر قليلة عن وثيقة سياسية جديدة.

وبعد الأزمة الخليجية مع قطر ثبت لحماس أنها دخلت في تحالفات خلال السنوات الماضية أفقدتها دولا عربية مهمه منها مصر والسعودية.

هذه القيادة التي تمثل الداخل أكثر مما تمثل قيادات الخارج، أخذت خطوات عقلانية تجاه مصر، بحيث تفهمت كل مخاوف ومآخذ القاهرة، وبدأت خطوات عملية للعودة إلى المعسكر العربي الجار لحماس في غزة، وليس من يقود قيادة الخارج.

وبذات المنطق الواقعي ذهبت إلى فتح باب المصالحة مع السلطة، وفتحت أبواب غزة لعوده حكومة السلطة لإدارة القطاع.

ورغم أهمية كل ما سبق، فإن تجربة عقد من الزمان مع اتفاقات المصالحة يبقي المخاوف حاضرة، فالقضية ليست في قدوم الحكومة الفلسطينية إلى غزة، بل من يحكم غزة؟ ونتحدث هنا عن القرار الأمني والسياسي وإدارة علاقات غزة مع جيرانها.

فحماس في غزة لديها قوة عسكرية هي كتائب القسام، ولديها أجهزه أمنية قامت ببنائها وتفعيلها خلال السنوات الماضية، ولديها كوادر وظيفية من أعضاء الحركة ومناصريها هم من أصبحوا موظفي الدولة هناك، ولهذا فحكم غزة ليس سهلا، وتلاحقه أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات صعبة، قد تكون أصعب بكثير من سؤال العلاقة مع إسرائيل.

ندرك أن انتخابات يفترض أن تجري بعد حين، لكن إلى أن يحدث هذا، فهل ستسلم حماس كل المقاليد للحكومة، أم أن المطلوب إسناد الواجبات المالية والمشكلات الإدارية إلى حكومة عباس لتمرير المرحلة وتجاوز ضغوطها؟!

المصالحة ضرورية لأنها تعبير جاد عن أن العدو هو إسرائيل وليس الشقيق، لكن الوصول إلى المصالحة ليس قرارا إداريا، بل هو القدرة على أن يكون الجميع فلسطينيين، وليسوا أبناء حماس أو فتح، فاليوم مازال التنظيم هو الأولوية، بغض النظر عن الشعارات الأخرى.