يذكر موقع دائرة الزراعة الأمريكية USDA أن أبرز استخدامات محاصيل الذرة في الولايات المتحدة – البلد الأكثر إنتاجاً لها – هي خامات الأعلاف ووقود الإيثانول والنشاء والمحليات والزيوت وكحول المشروبات والكحول الصناعية، وتليها في المحاصيل الصين والبرازيل تباعاً، وهما دولتان من تحالف BRICS، وهذا تمهيد له ما بعده.
الصين في نزاع تجاري سياسي مزمن مع أمريكا، والبرازيل فاقت الإنتاج الأمريكي المتوقع في الذرة منذ أيام بواقع 52 مقابل 49 مليون طن، وإذا اجتمع إنتاجها مع محصول الصين، فسيؤدي إلى صدارة عالمية تسبب تهاوي قيمة كل منتج قائم على مشتقات الذرة تنفرد أمريكا بوفرته أو جودته، ويتضاعف وقع التأثير المحتمل لهذه التطورات إذا ما أضفنا إلى المعادلة كون المركز الرابع في محصول الذرة للأرجنتين التي طلبت الإنضمام إلى حلف BRICS، تليها أوكرانيا المعطلة أو المقننة روسياً، وأخيراً الهند، وهي عضو آخر في التحالف ذاته.
يزداد التعقيد أكثر إذا ما احتسبنا التعهدات الأوروبية المعلنة مؤخراً باعتماد الإحلال التدريجي لوقود الطيران المستدام SAF بواقع 2% في 2025، و6% في 2030، و20% في 2035، و70% في 2050. هذا الوقود جله من الإيثانول ومصدره الذرة، مع نسبة قليلة من الوقود المصنع مخبرياً (التخليقي) تبدأ بنسبة 1.2% من 2030، وتصل إلى 35% في 2050. سوف يؤثر ذلك على تكاليف الطيران والشحن الجوي إذا لم تبلغ المخزونات حينئذ الوفرة الكافية وبالتوزيع الكافي توقيتاً وموقعاً لإعادة التزود، وكل ذلك سيكون لصالح الأطراف الأكثر إنتاجاً وتسويقاً لهذا الوقود الجديد، وعلى فرضية أن الهيدروجين بعيد المنال أو خارج الحسبان.
للتفاهم حول التسويات، والإرخاء المتبادل للقيود التجارية، قد تعمد الولايات المتحدة – وأستبعد ذلك – إلى تخفيف قيود واردات التكنولوجيا المفروضة على شركات التقنية والبرمجيات الصينية، لتخفف الصين وحلفائها في BRICS من تسارع زراعة وتصنيع وتصدير محاصيل الذرة ومشتقاتها وصناعاتها أسفل المصب. لكن الأمر ينطوي على هواجس في الأمنين القومي والاقتصادي للقطب الأوحد الحالي، وتراجع الأرباح محرّم في معقل الرأسمالية، لذا يبدو أن اتجاه الطريق واحد ومؤداه إلى مستوى جديد وأشد من النزاع التجاري، سيكون جلّه استباقي برحلات مكوكية وتهديدات وتحذيرات بالعقوبات والإغراق، الذي قد يعجل بدوره في اعتماد سلال العملات المتنوعة لتحييد وقع العقوبات الأمريكية والغربية والمتحالفة معها.
سؤالان جديران بالتأمل: كيف ترتب الدول العربية التموضع المقبول والمربح لصادراتها من النفط والغاز والهيدروجين والأمونيا في مزيج الطاقة مستقبلاً أمام الإيثانول والـSAF؟ وكيف سينظر أحدنا بعد ما تقدم إلى أبسط مشتقات الذرة – الفُشار – عند تناوله من الآن فصاعداً؟!