يُعد النظام السياسي راسخاً وفعالاً على نحو عام، عندما يكون متسقاً عموماً مع الثقافة السياسية في المجتمع ومعبراً عنها على هيئة قوانين وأنظمة وسياسات وتقاليد يشعرها المجتمع في حياته اليومية.

فمثلاً تهيمن في الأنظمة السياسية التعددية الليبرالية الطابع اعتبارات رئيسية تتخذ شكل القيم العامة، قانونية وسياسية وأخلاقية، كالمساواة القانونية بين الأفراد وتداول السلطة دورياً في إطار انتخابات نزيهة وسعي الدولة لتطبيق العدالة الاجتماعية إنصافاً للفئات الأضعف في المجتمع من أجل تمكينها والالتزام بمنح الفرص المتساوية للجميع في سياق التنافس الاقتصادي والسياسي وسواها من القيم الليبرالية. هذه القيم نفسها تستند على إيمانات وتوجهات شعبية سائدة وعميقة في المجتمع داعمة لمثل هذه الاعتبارات وحامية لها انتخابياً وسياسياً في الوقت ذاته. بسبب هذا الاتساق بين النظام السياسي والثقافة السياسية، تعتبر هذه الدول مستقرة، بمؤسسات رصينة وقدرة عالية على استيعاب الصدمات والتعاطي مع المتغيرات.

لا يعني هذا أن هذه الدول لا تمر بأزمات بسبب التنافر أحياناً بين بعض قيم الثقافة السياسية في مجتمعاتها وأنظمتها السياسية نفسها. فعلى مدى السنوات الماضية، وفي ظل صعوبات اقتصادية وقلق اجتماعي عاشتها الكثير من مجتمعات تلك الدول، خصوصاً الغربية منها كالولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي، صعدت حكومات ذات طابع شعبوي إلى سدة الحكم. قاد هذا الصعود إلى بروز سياسات وتوجهات تمييزية تقوم على الارتياب بالمهاجرين ومعاداتهم عبر تحميلهم أسباب الصعوبات الاقتصادية بوصفهم أغراباً "يسرقون" فرص العمل من أيادي أبناء البلد "الأصليين" وبالتالي المساهمة في تسعير الكراهية والانقسام في المجتمع. رافق هذا الارتياب المتصاعد بالمهاجرين والأقليات لجوء الدولة إلى سياسات حمائية اقتصادية عن طريق فرض المزيد من الضرائب على المنتجات الأجنبية حمايةً للمنتجين المحليين فيما يبدو خروجاً على قيم التنافس الاقتصادي وتأكيداً لنزوع قومي بخصوص معنى الهوية والنشاط الاقتصادي.

عكست هذه السياسات الشعبوية والتمييزية على مستوى النظام السياسي تبدلاً قلقاً في الثقافة السياسية لدى قسم كبير من المجتمع. يكشف هذا التبدل أن الثقافة السياسية نفسها ليست ثابتة في مجمل قيمها ولا في تناسقها أو في مقدار انتظامها وتبني كل الجمهور أو المجتمع لها على نحو مشابه. فحتى في ظل الإيمان الراسخ في هذه المجتمعات بالفردانية والمساواة القانونية والتنافس الاقتصادي باعتبارها قيماً اساسية، ثمة قيم أخرى لم تتجذر اجتماعياً لدى كل الجمهور على نحو متساو أو متناسق بسبب التباين في المستويات الثقافية والتعليمية والاقتصادية، مثل القبول بالأجانب والمهاجرين والأقليات كشركاء انسانيين متساوين والاحتكام إلى الموضوعية في تفسير الظواهر على أساس معلومات رصينة، بدلاً من الوقوع في فخاخ التبسيط والمؤامراتية. يعني هذا أن بعض هذه القيم "الثانوية" خاضعة للتحول على نحو يؤثر على تمثل القيم الأساسية المتعلقة بالمساواة والتنافس والعدالة. تختبر الأزمنة الاقتصادية الصعبة حين يتعرض الأمان الاقتصادي لشرائح اجتماعية واسعة للخطر وتبرز المخاوف والتفسيرات المشوهة القائمة على الاختزال المعرفي ولوم الضعفاء، تختبر، صلابةَ الإيمانات الاجتماعية بهذه القيم الأساسية والمؤسسات التي تمثلها.

من حسن الحظ، صمدت المؤسسات في هذه الدول بإزاء صعود هذه السياسات والمروجين لها في النظام السياسي نفسه والداعمين لها في المجتمع. كما قاد هذا الصعود او الترويج لمثل هذه السياسات الإشكالية إلى استنفار الشرائح الأخرى في المجتمع المترسخة لديها ثقافة سياسية ليبرالية تقوم على الإيمان بالمساواة والتنوع والعدالة الاجتماعية والدفاع عن هذه القيم في الحيز العام وبالتالي ضمان فوز النخب السياسية التقليدية التي تمثل هذه القيم في النظام السياسي. على هذا الاساس مثلاً، كانت الهزيمة الانتخابية للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أمام منافسه الديموقراطي، الرئيس الحالي جو بايدن، في انتخابات 2020 الرئاسية الأميركية. لم يأت هذا الفوز بسبب قوة برنامج المرشح الديموقراطي أو شدة تصويت المنتمين للحزب الديموقراطي لصالحه، بل أساسا بسبب المشاركة الانتخابية الواسعة لمن يعتبرون خاملين انتخابياً، أي الذين لا يصوتون في الانتخابات، فضلاً عن المستقلين الذي لم يثرهم برنامج الحزب الديموقراطي أو مرشحه، بل استفزهم أكثر احتمال تولي دونالد ترامب بسياساته اليمينية وتوجهاته الشعبوية، الرئاسة مرة أخرى.

مشهد شبيه نسبياً حدث في الانتخابات الفرنسية في ربيع العام الفائت، حين حصل الرئيس ايمانويل ماكرون على تجديد رئاسي سهل في الجولة الثانية ضد منافسته اليمينية مارين لوبان. لم يكن هامش الفوز الانتخابي العالي الذي حصل عليه ماكرون (59% مقابل 41 % لمنافسته) دعماً شخصياً له ولسياساته وإنما قلقاً من احتمالات فوز اليمين بالرئاسة وبالتالي إدارته النظام السياسي الفرنسي. في الحالين، يمثل هذا التصويت قدرة الثقافة السياسية في المجتمع على تصحيح أخطاء النظام السياسي وضبط اندفاعاته المحتملة التي تناقض قيم هذه الثقافة. فرنسياً، ثمة ما يدعو للقلق بهذا الصدد في ظل تصاعد التصويت الانتخابي لصالح قوى اليمين المتشدد، إذ يُعتبر حصول لوبان على 40 بالمئة من التصويت العام نسبة عالية في بلد كفرنسا معروف تأريخياً بتصدره القيم الليبرالية ونشرها.

في سياق الانظمة الاستبدادية، يصعب الحديث عن ثقافة سياسية مستقلة نشأت من المجتمع وتجاربه، لتجد تعبيرها من خلال النظام السياسي الذي يمثل قيم هذه الثقافة. في العادة، تُلحق الأنظمة الاستبدادية، خصوصاً الشمولية منها كما في نظام صدام حسين العراقي أو نظام معمر القذافي الليبي او النظام الشيوعي السوفياتي في ظل حكم جوزيف ستالين وسواها، المجتمع بالسلطة الحاكمة بقوة الدعاية الموجهة والمركزة التي تروج لأفكار سلطوية تخدم النظام السياسي وبإمكانات القسر الأمني التي تعاقب على الأفكار الممنوعة والمحرمة المناقضة للنظام السياسي. في هذا السياق الذي تغيب فيه حرية الوصول إلى المعارف والتجارب المختلفة والتفاعل معها والتعبير عنها، تهيمن ثقافة النظام السياسي على المجتمع ليصبح الأخير تابعاً للأول ومدافعاً أعمى عنه. لذلك تزدهر المسيرات الشعبية "الحاشدة" تأييداً للنظام السياسي وانواع التأييد السياسي الأوتوماتيكي المختلفة إثباتاً لحكمة "القادة الضرورة" وإيماناً بأدوارهم البطولية والاستثنائية التي "تنقذ" المجتمع من الأعداء والمؤامرات والكوارث. في سياق كل هذا، تُمسخ القدرات الإبداعية والإنسانية الكامنة في المجتمع وتتراجع إمكاناته على التفكير والتحليل الموضوعي والمستقل لصالح شعاراتية جاهزة ومهيمنة أمنياً واعلامياً وتعليمياً تضيع فيها قيمة الفرد لصالح المجموعة كما تمثلها السلطة الحاكمة.

لذلك يصب تحول المجتمعات التي عاشت تجارب استبدادية طويلة وقاسية إلى مجتمعات تؤمن بالتعددية والفردانية والمساواة عند تغير النظام السياسي الاستبدادي إلى آخر تداولي وديموقراطي. يحتاج مثل هذا التحول إلى فترة انتقالية طويلة نسبياً يستعيد فيها المجتمع قدراته على التفكير المستقل وثقته بنفسه، وبالتالي يتعافى تدريجياً من التشوهات البنيوية التي أحدثها النظام القمعي السابق فيه. هذه واحدة من أشد التحديات العراقية منذ 2003، وهي التحديات التي تتصاعد، لسوء الحظ، في ظل نظام سياسي جديد، يُفترض أنه ديموقراطي، يتوقف كثيراً عند انتهاكات النظام السابق بحق التفكير المستقل وحرية التعبير، فيما لا يمنع نفسه من ارتكاب انتهاكاته هو بحق المجتمع ومعاقبته على حرية التعبير باستخدام القوانين القمعية للنظام السابق الذي يدين توحشه باستمرار!!!