سقط أوّل مكوّن ثقافي في ليبيا، بوجوده في واقع السكّان الأصليين، على يد أناسٍ استمرأوا التطفّل على العروبة، لأنهم في الواقع لم يكونوا سوى بربر استعربوا، بعد حملات «الفتوحات»، كما تبَربَرَ كل العرب، الذين استوطنوا الوطن بعد هذه الحملات. سقطت الأقليّة العبرانية ضحيّة الأفيون الأيديولوجي في بُعده العروبي، لينفرط العقد المقدّس، المبرم مع هذه الجالية الأقدم من بين كل الجاليات المستوطنة، في أوّل امتحان لتجربة الاستقلال، عن استعمارين عاتيين هما: الإيطالي، ثمّ العثماني، ذلك الكابوس الذي كتم أنفاس الوجدان الليبي لخمسة قرون كاملة. وجدان كان نقيّاً، كان فطريّاً، مسكوناً بعفويّة الإنسان المهاجر، الانسان البرّي، المجبول بروح الشعر، كما يليق بكل مريد حريّة، وإلّا لما اختار المقام في أقصى صحاري العالم، وأكبرها مساحةً، ولكن الأكثر حميميّةً وجمالاً وكمالاً، كما يتغنّى عاشق الصحاري العلّامة الفرنسي «مانو».

كانت تلك النازلة المأساويّة أوّل شهادة على إفلاس الواقع الأخلاقيّ، قبل أن تكون وصمة عار في جبين النظام الملكي في بُعده السياسي، وهو الذي راهن على تحقيق الوحدة الوطنيّة بين الأقاليم التاريخيّة الثلاثة (طرابلس الغرب، وبرقة الشرق، وفزّان الجنوب)، ووضعها حُجّة استقطاب زعماء القبائل، للقبول بالملكيّة أساساً لتعزيز سلطان الدولة الوليدة من رحم العدم.

إذْ كيف تبيح نخبة سياسية لنفسها الدعوة إلى الوحدة العربية، إذا كانت لم تفلح في صون وديعة في عهدتها هي الوحدة الوطنية؟

ولكن الواقع في ليبيا برهن دوماً على أن الدعوة إلى تحقيق الوحدة العربية كانت على حساب الاحتفاظ بالوحدة الوطنية. والعروبيّون كانوا دوماً فرسان هذه المفارقة العبثيّة، لأن المنطق في نهجهم كان دائماً كعب أخيلوس: وهم الذين رأوا في وجود الوحدة الوطنيّة تهديداً لوجود الوحدة العربية المزعومة؛ وعبثاً محاولة إقناعهم بأن هذه الأخيرة وَهْمٌ لم يُكتب له أن يتحقّق يوماً، لم يتحقق حتى في أزمنة الخلافة، التي يتغنّون بها، ليسوّقوها في أدبيّاتهم كمثال في سيرة الحلم الذي سيأتي للأمّة بالخلاص؛ حتى أنهم لم يتردّدوا بأن يتشدّقوا بالتعويذة الشريرة التي تقول أن تحقيق حلم الوحدة العربية، رهين محو هويّات الأقليّات، التي لم يعترفوا بوجودها أصلاً كمكوّنات وطنيّة. والدليل على الظمأ إلى هذا المحو هو ما حدث للمكوّن الثاني، الإيطالي، بعد الانقلاب العروبي، الذي نفّذه العسكر في حقّ الوطن الواحد عام  1969، ليتمّ شطب هذا الآخر أيضاً من واقع الخارطة الاستقلالية الشقيّة، بجرّة قلم، حتّى لا نسمّي الأشياء بأسمائها، فنقول بـ«فوهة بندقيّة»!

لقد تمّ طرد الأقليّة اليهودية. عام 1967، ليجري طرد «الجالية الإيطالية»، بعدها بأربعة أعوام فقط، بدعوى الانتماء إلى هوية المستعمر الإيطالي. ففي حين تقوم اللغة بفضح مخطط الأغلبيّة العربية، أو المستعربة، في حقّ المكوّن الوطني الطلياني، من خلال تعبيرٍ كان شائعاً هو «الجالية»، اشتقاقاً من الإجلاء، المستنزل في شأنها مسبقاً، يتهافت الادعاء الوارد في حيثيّات قرار الدياسبورا الصادر من «مجلس قيادة الثورة»، المنتدب لتبرير التهجير القسري، القائل بانتماء هذا المكوّن إلى الاستعمار، لأن وجود حاملي الهوية الإيطاليّة لم يُقبلوا على ليبيا في ركاب المستعمر الإيطالي عام 1911 ، ولكنّهم كانوا يقيمون في ربوع هذا الوطن في أزمان سبقت الحملة الاستعمارية الإيطالية على البلاد، أي أنها ذات تاريخ يعود إلى أزمنة الرومان، الذين استقرّوا في هذه الأرض منذ ما قبل التاريخ، وإرجاع حضورهم في واقعنا إلى مرحلة الهيمنة الاستعمارية مغالطة متعمّدة لذرّ الرماد في العيون. وعلّ المدهش هو قيام سلطات الانقلاب بإجراء في حقّ هذا النفي الجمعي المهول لم يكتفِ بمصادرة كافة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة، ولكنه فرض حظر الدخول على تلك الفئة من القوم، التي كانت لها ليبيا مسقط رأس.

وأذكر كيف حدثتني السيّدة ماريّا افينو، الترجمان لأحد أعمالي الروائية إلى الإيطالية، بسيرة هذا البند في قانون التهجير، فحرمها من زيارة المكان الذي لم يكن لها مجرد وطن، ولكنه كان لها أرجوحة مهد، بصفته مسقط رأس.

انتهى النظام السياسي المغتصب لسلطة بمشيئة سلاح من وجود مكوّنين ثقافيّين عريقين، ليتفرّغ للمكوّن الأصلي، الأحقّ بالكينونة بسبب هذه الأصالة بالذّات وهو الأمازيغي. وبدل أن تكون له الماهية الأصليّة شفيعاً في استمراره للبقاء قيد الحياة، صارت له هذه الماهيّة ذريعة للاختفاء من ساحة الوجود في رحاب الوطن، سيّما إذا اكتشفنا أنه أغلبيّة في الواقع، وليس أقليّة، في حال حكّمنا في شأنه منطق العِرق، لأن حتى الفريق المتعصّب للدّم العربي كقياس للحقّ في المواطنة، إنّما هو في الاصل أمازيغي، كلّ ما هنالك أنه استعرب في ذلك الزمن الذي كان فيه اعتناق دين الفئة الدخيلة سبباً كافٍ للتنازل عن الهوية الثقافية، في بُعدها اللغوي أوّلاً، ثمّ التنصّل من شقّها العرقيّ ثانياً.

وهكذا بدأت فصول جديدة في الحملة الشرهة ضدّ المعقل الأخير في قائمة الأقليّات، التي حثّت البعثة الأممية على مراعاة حقوقها في تقريرها مطلع ميلاد الدولة الفتيّة، في محاولة عدميّة لاجتثاث عرقها من تربة الوطن، الذي كانت له أرومة، بل عرقاً، في مفهوم العرق كجذر لنبتة غيبيّة هي: الإنسان!

لم تكتفِ السلطات باقتراف صنوف التضييق في حقّ هذا المكوّن الشقيّ، بدايةً بحرمان أبنائها من حقّ تقلّد المناصب القيادية (ولا نقول السياديّة) لا في المجالات العسكرية وحسب، ولكن في الوظائف المدنيّة أيضاً، مروراً باستهجان التخاطب بلغة الأقليّة تمهيداً لمنع استخدامها بحرف العُرف، لتيسير الإجهاز عليها بحرف القانون. وها هي دراما الروح العدميّة تبلغ ذروتها عندما هدهَدَتْ الأوساط الثوريّة فكرة التخلّص من المكوّن بتهجير أمازيغ الجنوب إلى دواخل القارّة الافريقيّة، ولولا الخوف من ردود الفعل الدوليّة لما نجت الضحيّة من القصاص الجسيم، الذي حذّرت الديانة الثاويّة من نتائجه، عندما أوصت بوجوب عمل المستحيل، كي لا يهجر الناس مسقط رأسهم.

من الطبيعي أن يؤدّي هذا الموقف المعادي للأقليّات إلى تحديد الموقف من الآخر عموماً، سيّما الآخر، الحامل لثقافة أخرى، ودين آخر، وقناعات أخرى، القادم من عوالم ما وراء البحار، الذي كان في الأدبيّات المهيمنة عدوّاً بانتمائه إلى التجربة الاستعمارية الفجيعة، ليلعب دور المشجب الجدير باحتمال كل خطايا الواقع المتخلّف، فتُسَنّ القوانين العقابيّة لتجريده من كل مؤهّلاته، بدايةً بالماديّة أو الاقتصادية، ونهايةً بمؤهّلاته الثقافية أو الروحية، ظنّاً من القوى المهيمنة أن قطع دابره من واقع الحاضر، هو الضمان الوحيد للخلاص، من مشاكله، والأمل الوحيد في الرهان على الفوز بالفردوس في المستقبل. وليس للسلطة وحدها أن تتحمّل وزر هذه الآثام في حقّ حضور الآخر في رحاب الوطن، ولكن المجتمع المصادر، الموبوء بروح الأيديولوجيا الدخيلة، يتحمّل نصيباً من المسئولية الأخلاقيّة، وهو الذي لم يكلّف نفسه عناء الاكتشاف، لا في مفهوم الدخلاء الأجانب وحدهم، ولكن في العلاقة مع الآخر الشريك في الهويّة الوطنيّة، الذي أطلقنا عليه إسم «الأقليّة». فمن منّا يستطيع أن يتباهى بأنه حاول يوماً أن يفهم هذا الآخر، هذا الشريك في مبدأ المواطنة، ليستفهم عن حقيقة ثقافته، أو حاول أن يتعلّم لغته، أو يتأمّل قيَمه، أو يرصد عاداته، أو يقرأ ميوله الأخلاقيّة، أو يستوعب آدابه أو فنونه، إدراكاً منه أن هذا الإنسان المنتمي إلى الأقليّة، ليس أقليّة في الواقع، بل أكبر كيفاً حتّى من الأغلبيّة التي ينتمي هو إليها ويفخر بالانتساب لها، ولكنه حاوية تُخفي عالماً كاملاً مجهولاً، واستطلاع حقيقته المجهولة رهين نصيب كافٍ من فضول.

 المفارقة أن المجتمع الليبي لم يهنأ بحربه على الآخر، لا في بُعده كأقليّة وطنية، ولا في بُعده كأغراب يرى فيهم أعداءً يتحيّنون الفرص للانقضاض على ثرواته؛ ففي السنوات العجاف التالية، التي خلا فيها واقع هذا الوطن من الآخر في صيغته الوطنية، والآخر في صيغته الأجنبيّة، سقط إنسان المكان فريسة كآبة، فريسة سويداء، ليست سويداء الماليخوليا، ذلك الدّاء الذي نصّبه أرسطو تاجاً على رؤوس العباقرة، ولكنها سويداء من جنس آخر، ماليخوليا من طراز خاص، أدرك بمقتضاها إنسان المكان أن هذا الآخر، الذي ناصبه العداء، ليس عدوّاً، ليس حتّى خصماً، ولكن الحضور في حضرته ثراء، الحضور في حضرته سعادة، الحضور في فردوسه خلاص. أمّا غيابه من واقعه فكان مفتتحاً للعنة، واغترابه عن الواقع الإنساني كان سبباً لشقاء، سبباً لاغتراب.

فالجحيم ليس في حضور الآخر، ولكن الجحيم في غياب الآخر.

الجحيم في الاغتراب عن فردوسٍ اسمه: الآخر!

لم يكن الآخر ليغدو في واقعنا المعبود، لو لم يكن وحده، العزاء في وجودٍ، الهمّ الكينوني فيه، وَرَمُ أبُودٍ.

وهو ما لن يتحقق بدون العمل على محو عقبة عصيّة هي ورمٌ يفترس مبدأ العلاقة في عالمنا، وهي: الاغتراب. اغترابنا عن الآخر، الذي لم يكن ليستشرس لو لم يكتسب في واقعنا سلطةً مستعارة من اغترابنا عن أنفسنا. الإغتراب الذي نكفّ فيه عن طرح سؤال معنى وجودنا في الواقع الفاني فيما لو غاب منه آخرنا. فيما لو غاب منه هذا الطّيف، الذي استودعته الغيوب، لا العزاء في محنتنا وحسب، ولكنها أبت إلّا أن تستودعه حقيقتنا أيضاً. تلك الحقيقة التي لا تتردّد في أن ترى في هذا الآخر خلاصاً، ما أن تنتدبه في واقعنا مشروعاً جديراً بالإدمان، لأنه، عندما نروّض أنفسنا على إدمانه، فإنه سيستعير ماهيّة ذلك النموذج، الذي نصّبه إمام الحكمة أفلاطون وصيّاً على السعادة، في حال استدرجناه من قمقم قوقعته، ليدلي لنا بشهادة الصديق، الذي لا يعود يقنع بهويّة القرين، ولكنه يتحوّل «آخرنا»، يتحوّل في واقعنا الـ«أنا» الثانية.