****
"للذاكرة موهبة خارقة في استدعاء الرؤى. إنها تشبه بيتاً مسكوناً بالأرواح، حيث تهيمن في الجدران أصداء خطوات خفيّة، وفي النوافذ المحطّمة تتراءى ظلال الموتى، وبالجوار تجوس أشباح ’أناي‘ الفانية" جيروم جيروم

1

الاستطلاع الرؤيوي يقود بالضرورة إلى ميتافيزيقا أحجية عصيّة، هي رأسمال وجودنا في هذا الوجود، كما الحال مع: الذاكرة!

فعندما نلجأ لحيَلنا الطفولية في شأن العلاقة مع ما ننوي أن نسقطه من حساب نشاطنا العمليّ، لا نستسمح هذا السادن الحكيم، ولكننا نناور، نتخابث، نتظاهر بوجود نيّة للتحرّر من هذه الحمولة، التي نريد أن ننفيها بتحريض من العقل، الذي يرفض الاعتراف بشطحات الخيال، الذي يتفنّن في إبداع الأساطير، ليدسّ في ثناياها تلك الشفرات السخيّة، التي علينا أن نكتشف بعد فوات الأوان كم هي مثالٌ في الدهاء، لأنها لم تكن في الأصل سوى ما أسميناه استعارةً، أو مجازاً، أو رموزاً تحتاج لمواهب عرّافين لاستجلاء خفاياها. وعقلنا الباطن يدرك قيمتها، لهذا السبب لا يستجيب لنداء العقل الصريح، المحرّض على التخلّص منها، فنستجير بتلابيب صفقة ماكرة، نستطيع بموجبها أن نُرضي هذا الطاغية، الدخيل على الفطرة، المسمّى عقلاً، فنتنازل عن استعمال حُجّتنا، استعمال شطحتنا، أو ما يُسوّقه لنا سيّد الموقف الدخيل شطحاً، بسحبها من قبضة الذاكرة، واستيداعها خزنة بالجوار، هي بمثابة سلّة مهملات، لا لتسليمها لسعلاة هي النسيان، ولكن للاحتفاظ بها وقتيّاً، بهدف الرجوع إليها كدسيسة، أو كوصيّة، عند الحاجة، يقيناً باطنياً منّا بحقيقتها الخفيّة، التي نجهلها حرفاً، ولكننا ندركها حدَساً. فالحدس هنا وحده الفارس الذي ينازل شبح الخصم، شبح عقال هو العقل، العقل الذي لم يوجد إلّا لكي يقمع في هذا الوليد الطريّ، هذا الجنين البريء، الشغوف بالشطح، بالوَجد، بارتياد اللا محدود، ليغدو نعت "البريء" في منطق اللغة، اسما لهويّة جديرة بالتأمّل هي: "البرّي"، لا ترجمةً لمبدأ البراءة وحسب، ولكن تأكيداً علي دور الفطرة، كقاسم مشترك أعظم في مفهوم العفويّة، عفويّة إنسان الطبيعة، في علاقته بطفولة وجودٍ في طور التكوين، عندما كان الواقع فردوساً بتولاً محبوكاً من نسيج البكارة، وزند الذاكرة يقدح فيه نار الفضول، توقاً للاستكشاف، وهوَساً بتحقيق الامتلاء. فليس حجر حكمة، كالفطرة، هو التميمة الوحيدة التي أشعلت في إنسان البريّة فتيل الذاكرة، ولكن الحضور في واقع الصحراء، المفوّض باسم الحرية، هو صاحب الفضل في اختراع هذه الأحجية، التي كان لها شرف تتويج الإنسان وصيّاً على عرش الوجود. فهذه الداهية، التي كان لها الفضل في تلفيق طينة الدهاء (الصحراء) لم تكتفِ بأن تجود على سليلها بحرية الحدود القصوى، ولكنها تغلغلت في وجدان السليل، لتتسلّل إلى الجوهر، فتصقل فيه الذاكرة، فلا تبقى خالية، خاوية، نقيّة، نقاوة دمع المكلوم، ولكنها تصفو وتصفو حتى تسطع بشهوة الظمآن لاستيعاب الذخيرة، لتعتنق بفضلها دين الحقيقة، التي برهنت أن الإنسان لم يكن ليكون إنساناً، لولا وجوده في الذاكرة.

حرية هذا النموذج أعظم شأناً من حرية الواقع المفروض بحرف الحضور في بيئة سخيّة، الحرية فيها تفيض عن الحاجة، كما الصحراء، ولكن النموذج هنا مشفوع بحرية من جنس خاص، لأنها حرية الباطن. حرية الروح هي التي تستنزل في الذاكرة قيمةً غيبيّة، لتستعير من هذا البُعد تلك الموهبة السحرية، التي تمكّنها من بطولة استيعاب ثروةً من إبداع المنطق، جرت أنشودةً في عضلة اللسان، لتستودعها خزنتها، ملقيةً بقفاز التحدّي، في وجه طاغية الطغاة وهو: الزمن؛ الزمن الذي لم يكن لينال كل هذا السلطان على واقع ماردٍ اسمه الإنسان لو لم يفلح في حبك نسيج النسيان!

فالإنسان البرّي، الصحراوي تحديداً، أوتي عبقرية الحفظ عند التلقّي، لا بوسيط هو التلقين، ولكن بنقاء الذاكرة، وسلطة استيعاب النصّ الشفاهي، بحيث يفلح في اقتناص الأمواج الصوتية، المنطوقة شفاهاً، حال سماعها، ويختزنها دسيسةً في الذاكرة، سيّما في صيغتها الملحونة، أي الموزونة في أنساق شعرية. والتاريخ يروي لنا سيراً ممتعةً، عن قدرة أناسٍ عوامّ، لم يؤتوا من علم المنطق إلّا ما وهبته الفطرة، على حفظ قصائد من عشرات الأبيات، بمجرّد سماعها لأوّل وهلة. ليس هذا وحسب، ولكن صحف الحوليّات تحدّثنا عن شعراء اعتادوا أن يروّضوا أشعاراً ملحميّة، تزيد على المائة بيت، في خلوة ليلة، ليحفظوها عن ظهر قلب، ليحاججوا بها الخصوم في اليوم التالي، كما فعل جرير في ملحمة هجائه في حقّ النّميري!

كما تروي لنا وصايا أخرى، من واقع الصحراء الكبرى، كيف روّض أحد فرسان إحدى القبائل قصيدةً ذات روح ملحميّة في ذروة احتدام الحرب، لتكون الحجّة التي حقّقت النّصر!

استمرّت الذاكرة البريّة جمرةً متّقدةً طوال حضور النموذج في فردوس الحريّة؛ ولكن الذاكرة ما لبثت أن اغتربت ما أن خان النموذج متون العهد، المبرم مع أرجوحة الحرية (الصحراء)، بلجوئه إلى عالم الحضر، ليصيب الذاكرة ورم النسيان، فلا يجد بطل مهزلتنا سوى التدوين، للاستعانة على هذا العطب. ليس هذا وحسب، ولكن صخب العمران، وبلبلة واقع الحضر، ما لبث أن شوّش ذاكرة النموذج، ليضطر إلى المضيّ في سبيل الاغتراب عن ذاكرة الفطرة شوطاً أبعد، باختراع ذاكرة اصطناعيّة، تنيب عنه في تسجيل سيول المعلومات، التي عصفت بواقعه العمرانيّ، لتنسف فيه الذاكرة الطبيعية، وتمسخ فيه هويّته الانسانية. فالإنسان، في زمن هيمنة تقنية المعلومة، بلا ذاكرة.

وأن يكون الإنسان بلا ذاكرة فسوف يعني أنه إنسانٌ بلا روح.

فهذه الجنّية (التقنية) هي ما لا يعوّل عليه، لأنها تستدرجنا باختزال مراحل التحصيل تدويناً وتسجيلاً وصوناً، فتوهمَ بأنها تدُلّنا، بل وتدلّلنا، في حين أنها تمارس في حقّنا ما من شأنه أن يضلّلنا، لأن الرهان على سلطان الضوء، الذي تراهن عليه في لعبتها، غير محصّن من التّلف، ومعرّضٌ للسّطو من قبل عدوّ الذاكرة الأبديّ: النسيان!

فرهان الذاكرة، في صيغتها الصحراوية، ليس مجرد الحرص على صون الوصيّة، المطروحة في منطوق الجُود الصوتي المترجَم في عضلة لسان، ولكن في اليقظة لاقتناص الدلالة في هذه الهبة المجانية، لتحصيل الامتلاء، الذي يسكن قيمة القول، المغتنمة بشَركٍ، محكم الصنع، هو حاسّة السّمع. وهي القيمة التي اعتدنا أن نسميها في معجما: الحكمة!

فكم تلقّينا من رسائل شفاهية، بفضل الذاكرة البرية، لعبت في وجودنا دور الرسول إلى الحقيقة، لمجرّد قوّة حدس، لعب فيها اللسان، كوسيط حسّ، دور الترجمان لتهرع الذاكرة، لنجدة الحكمة باستيعابها، واختزانها للأجيال، في تلك الأقوال المأثورة، التي جاد بها عقل الأوائل، وورثناها في عبارة حوّلها التكرار تقليداً حميداً وهو: "…. فذهبت مثلاً"، كأنّ حُجّة "المثل"، شهادة على القيمة، الجديرة بالحفظ جيّداً، لأنها سفير هؤلاء لنا كأخلاف، وهو ما لم يكن ليتحقق لولا سلطة الذاكرة، في بُعدها البرّي النقيّ، أي الطبيعيّ، لا الحضري، المشوّه بفعل آفات الوجود العمرانيّ.

هذا الانضباط، في التعامل مع عطايا اللسان، باستخدام الذاكرة كحصن حصين، هو ما أنتج الحرص على صون ثمار هذه العضلة العاتية حتّى لو كانت شططاً، أو شطحاً من صنع المخيال، كما الحال مع كل ما متّ بصلة للسخاء الميثولوجي، الذي لم يكن ليغترب من واقع الذاكرة الحرفية، لولا اكتشاف ذاكرة أخرى، موازية للذاكرة الحرفية، وهي الذاكرة الحدسيّة، أي قيعان ما يسمّيه علم النفس باللاوعي، لاستيداع هذا الجبّ كلّ المحاصيل الرؤيوية، المرفوضة بحكم طاغية، ما لبث أن تولّى الأمر تالياً، وهو العقل، لترتضي هذا المنفى وطناً، قصاصاً لها على ما اعتُبر تجديفاً في حقّ واقع المنطق السائد، المستهجن لشطحات التحليق على أجنحة الخيال أبعد ممّا يجب!

وهو اليقين الذي استنزل في الأسطورة تهمة بوصفها عملاً مشبوهاً مسبقاً، وورثناه في موقفنا من الثروة الميثولوجية الذي نعتنقه إلى يومنا هذا.

فأفضليّة الذاكرة الطبيعية، الصحراوية، على ذاكرة الحداثة التقنيّة، في التفوّق، الذي يختزل منازل الرحلة الرسالية، منذ لحظة ميلادها منطوقاً يسري في خلايا العضلة الحسيّة، إلى أن تستوي الوصيّة في حكمة تتداولها ألسنة أجيال، لتشمل ثالوث المراحل التقليدية، بدايةً بالمقروء، الذي يتولّى أمره التدوين، ثم المسموع، الذي يلعب فيه التسجيل دور الترجمان، ثم المحفوظ، الذي يتكتّم على روح أمّة، الوصيّ في شأنها سدنة، دورهم حراسة الكنز، الذي تقع على عاتقهم مسئولية نقله إلى الأجيال، تماماً كما كان كهنة معابد مصر القديمة، أوصياء على وصايا الأسلاف، المسمّاة "هيروغليف"، المركّبة من "هور"، الدالّة على الحراسة، و"يغلف" الدالّة على الصون، أي "الوصايا المصونة"، لتستعير اللغة المصرية حُجّتها من هذا الاسم، لتتبنّاه في منطقها ناموساً.

فمبدأ الصون، أو إتقان الحفظ، يكتسب، في هذا المقام، هوية اللغة، أو يستنزل ماهيّته، ليكون البرهان الذي تحاجج به اللغة، ويعتنقه اللسان ديناً، بحيث يتجاوز هذا المستوى، ليغدو العلامة الفارقة في وجود الأمّة برمّتها، كنوع امتنان في حقّ الذاكرة، التي ابتكرت التذكّر، ليكون حبل سرّة في تواصل الأجيال، لتصدق وصيّة أفلاطون القائلة بأننا لا نتعلّم في الواقع عندما نتعلّم، ولكننا نتذكّر. أي أننا نستعيد ما فقدناه بالنسيان، نسترجعه بالاستغراق العميق، وبشحذ زند الحسّ، كي نستخرج من قيعان الباطن وديعتنا المغتربة هناك، فنغتنم ما نسيناه. وهو تدخّل جراحيّ شجاع، مجبول بنزيف روحي سخيّ، عندما ندمنه كي ننقذ به ذخائرنا الميثولوجية، التي نفاها طاغية اسمه العقل من واقعنا يوماً.

فالنسيان شبح عدمٍ حتّى لو لم يكن فاصلاً بين حياة فانية، وأخرى سارية؛ أي بين كينونتين، عشنا أولاهما يوماً، ويستهوينا أن نستعيد ذكرى سالفتهما دوماً، ولكن الذاكرة في واقع الحسّ هو ما يخذلنا في تحقيق هذه الأمنية، فلا نملك إلّا أن نحتكم إلى ساحة باطننا، كشاهد وحيد على وقائع رحلتنا الفانية، لنستجديه الخلاص، متوّجاً ببشرى، نغتنم بموجبها، وصايا الزمن الضائع.

ولكن التذكّر الأفلاطوني يحيل إلى أبعد من مجرّد استعادة لزمن ضاع، لأنه يبرهن على وجود سابق، منسيّ، لواقع مفقود، واقع لوجود اغترب باغترابنا عن أنفسنا، عن إحساسنا بالحضور في الحرف، باغترابنا عن وجودنا قيد الوجود، لننزل بُعداً لا دليل فيه غير الحدَس.

الحدس بمستوياته، بمنازله، بمجاهله، التي تلهمنا نبوآت الحاسّة المعادية للحسّ، عندما تداهمنا في الصوت الغيبي، مشفوعةً بلحنٍ ناءٍ، كطنين نحلة في عمق الوادي، الذي اعتاد شاعر في مقام شيلّلر أن يقتنص في رزّه ميلاد قصيدة، كما اعتاد أهل الصحراء الكبرى أن يقرؤوا في ذلك الطنين نذيراً يبشّر بالنبوءة، في طقس النوم فوق أضرحة الأسلاف، ويسوّقها إمام الحكمة (أفلاطون) كحجّة للإطاحة بسدّ المحال، الفاصل بين ما نسمّيه كينونةً وبين خصمها الخالد: العدم! ليضع بذلك حجر الأساس لأحجية ورثناها في مصطلح "تناسخ الأرواح"، لأننا نجهل عمّا إذا لم يكن وجودنا في واقع هذا الوجود هو الميتة، أمّا وجودنا المجهول هو الحياة، كما يتغنّى إيروبيدس في أحد أبيات مسرحياته الضائعة. وهو اليقين الذي يمنح الحدس تفويضاً قوياً، بوصفه الناطق المؤهّل باسم الديمومة، لأن كيانه كلّه غنيمة القيعان الغيابية، وشعفته وحدها تطل من العدم، لكي توحي لنا إيماءً، بالحقيقة التي اغتربنا عنها!

هل كنّا سنهتدي إلى ملكوت الله بدون وساطة من قرون استشعار هي الحدس؟

الحدس كرهان للتدليل على صواب الإيمان برأس الحكمة، الذي حرّضت عليه كل فلسفات اللاهوت، وهو: خلود الروح!

2

ولكن أيّة برّية نحاور؟ ليست البرية المروية بسلسبيل الغمر بالطبع، لأن الرطوبة عدوّ الوحي منذ الأزل، بل هي قرين البلادة يقيناً. وهيراقليط لم يخطيء عندما أعلن: "الروح الإلهيّة في الجرم اليابس". ذلك أن اليبوسة حدثٌ تحمّم بسعير مراسم طقس، طقس مستنزف بحرف حريق، تلعب فيه الطبيعة الأمّ دور البطولة، عندما تصلي الأرض ناراً موقدة، فتجرّد الأجسام من الرطوبة، وتقطع دابر المياه في الأوردة والشرايين، حتى يستحيل البدن يبيساً مثيلاً لحطبة!

هذه الممارسة بمثابة معراج تطهيري لتحرير الطينة الفانية من مفعول الفساد، لحقن الصنم بالطاقة الضرورية لإشعال فتيل الروح. أي أن الطقس هو جنس من تعميد، بتغليب اللغز الخالد، على سلطان المعجون الزائل، ليشتعل موضوع الصفقة بسطوة الشعلة، مما ينزّه الكيان من أوحال الأحاضيض، ليقطع شوطاً أبعد بالسموّ إلى أعلى. وهو ما من شأنه أن يشحذ جذوة الذّهن، ليسطع في ظلمة المستودع جوهر هو: الذاكرة! وبسبب هذا التدخّل الجراحي العصيّ، لا تعود الذاكرة تقنع بماهيّتها البرية، ولكنها تأبى إلّا أن تستعير بُعدها الأنبل، الأكثر حميمية، والأنقى حجّة، وهو: الصحراوي، بوصفه البرزخ البيئيّ الأكثر قسوةً، المنذور للامتحان الأفدح قصاصاً، الموقوف حكراً على المصطفين، الذين لا يضيرهم أن يُبعثوا أحياء من ميتة، إذا كانت التجربة ستضمن لهم ميلاداً ثانياً، يكون لهم الشهادة على دخول ملكوت الربّ!

الموقف من هول الحريق هو ما جعل النبوّة ذاتها بطولة، بطولة هي حكرٌ على الصحراء وحدها، من دون كل أركان المسكونة. فشَرر النبوّة، الذي تجود به الذاكرة الصحراوية، رهين ذخيرة الطاقة الروحية، المستنزلة بحرف طبيعة، تسري في فيوض الأشعّة الشمسيّة.

فالقياس في تجربة العلاقة مع الطبيعة كمكان هو عمق المكان ميثولوجيّاً، المستعار من سجيّته كترجمان لكيمياء، بُعْده الغيبيّ. فالتصحّر نزيفٌ عصيّ، طقسٌ تحريري. مخاضٌ دمويّ. مراسم محوٍ ملحميّ، لاستئصال ورم الباطل، انتصاراً لجوهرٍ باطن. حملة بطش في حقّ المستظهر، لإعادة الاعتبار للجوهر. حرق لأوراق اعتماد المبدأ الوقتيّ، لتحرير المبدأ الأبديّ. تخليص لذاكرة الحدس، من طغيان ذاكرة الحسّ، فلا تبقى الصحراء مجرد سفير لطبيعة، ولكنها تعود وصيّاً على الطبيعة. تستوي الصحراء في منزلة الوصيّ على أمٍّ هي الطبيعة، عندما تستعيد فردوسها، لتمارس صلاحياتها، كضميرٍ للطبيعة، فلا يعود يضيرها أن تحتجب، أو تعتزل، أو تدمن الصمت، لأنها لا تفعل إلّا تيمّناً بالربوبية، التي اعتمدت ناموس هذا الثالوث، برهاناً على وجود الحقيقة.

هذا التيمّن هو ما وهب الصحراء الحُجّة، لكي تتبوّأ منزلة: وطن الله!

وطن الله هو الاسم، الذي يليق بجودِ ذاكرةٍ عصيّة كالحدس.

فلولا الطبيعة الحدسيّة للذاكرة الصحراوية، لما اصطفتها النبوّة، لتكون لها مسقط رأس.