إنه الجنرال البروسي "كارل فون كلاوزفيتز" (1780-1831)، الذي رفض ببصيرة مبكرة تعاون بلاده مع نابليون، رافضا ما كان يتعارض مع قناعاته في عدم الانصياع لطموحات وأطماع القائد الفرنسي، مما كبده النفي إلى روسيا، ومن هناك ساهم في حملة روسيا القيصرية، ولعب دورا بارزا بعد انضوائه في جيشها، وكان لمشاركة كلاوزفيتز وزنا كبيرا في مسار المعارك التي خاضها مع الروس، وبما أسهم به فيما بعد أيضا أثناء المعارك الكبرى التي تخللتها الحقبة النابليونية، ومنها معركة "واترلو" التي شهدت هزيمة نابليون.

اهتم كلاوزفيتز بتحليل الصراعات التي عاصرها، واستخلص منها أن القصد من الحرب هو فرض الإرادة التي تحددها الأهداف السياسية على الآخر، منوها أن غاية الصراع دحر العدو أو المنافس حتى تستقر هذه الأهداف من خلال استراتيجية تتمثل في وسائل مختلفة، مثل هزيمة القوات المسلحة للخصم باستخدام القوة العسكرية المباشرة، وإضعاف هذا الخصم قبل الحرب بالوسائل غير العسكرية، مثل العقوبات الاقتصادية، الضغوط السياسية، والحملات الدعائية ومن ثم تصبح الأدوات المادية والمعنوية وسائل تحقيق الهدف المراد.

لم يحظ كلاوزفيتز بمكانته لكونه ضابطا وقائدا صاغ ملاحظاته خلال حروب كثيرة خاض غمار الجانب الأكبر منها خلال الحروب النابليونية، ولكنه حقق منزلته لأنه أيضا قرأ بنهم في التاريخين العسكري والعام، والسياسة، والفلسفة، مما أسفر عن رؤى متجاوزة لعصره، نظرا لاستعانته بميادين معرفية كانت تبدو وقتها بعيدة عن موضوع الحرب، وهذا ما أسبغ على مؤلفاته سعة وعمقا.

في فضاء الفكر العسكري كان كلاوزفيتز أول من تنبه إلى أهمية البعد الاجتماعي في الحرب الحديثة، مؤكدا على دور الشعب كعنصر فاعل بالنسبة لتماهى الحرب مع الوجود الاجتماعي والتقاطه لبروز العلاقة بينهما في زمنه، وكان سباقا في تبنى الرأي بأن الجيش أصبح من مؤسسات الدولة الرائدة التي استوعبت انخراط الشعوب في العمل الوطني، لأنه في فترة كلاوزفيتز تبلورت مع نابليون وفى مواجهته الحرب الشعبية، التي عكست علاقة وطيدة بين الجيش والمواطنين مع تكثيف التحاق الأفراد بالجيوش، ولم يفته الإشارة إلى جانب آخر في المضمار الاجتماعي هو الأسباب الاجتماعية للحروب نتيجة الاختلافات بين المجموعات البشرية عرقيا وثقافيا وفكريا ودينيا.

ترك كلاوزفيتز أثرا عميقا في الفكر الاستراتيجي في الفترة التي تلت كتاباته، ورغم أن طبيعة الحرب اختلفت تحديدا من الحرب العالمية الثانية بظهور أساليب ومفاهيم جديدة مثل معركة الأسلحة المشتركة والحرب الخاطفة والقصف الاستراتيجي وصولا إلى استخدام السلاح النووي، إلا أن آراء وأفكار كلاوزفيتز استمرت فاعلة بعد هذه الحرب، وظلت مكانته أعمق وجودا، ويتبدى تواصل أثره، على سبيل المثال لا الحصر، من نموذج التحليل الذى كتبه عام 1982 العقيد الأميركي "هاري سمرز" في كتاب تحت عنوان "في الاستراتيجية: تحليل دقيق لحرب فيتنام"، مستعينا في تسويغ نظريته بتوجيهات كلاوزفيتز في شرح الكيفية التي استطاعت بها فيتنام الشمالية، البلد الزراعي الصغير الفقير، مواجهة الولايات المتحدة، من خلال استدعاء أحد مفاهيم كلاوزفيتز، موضحا كيف كان الاستهداف الاجتماعي الذى تبنته لقيادة الفيتنامية بتأجيج الدعم الشعبي للحرب دون الاعتماد على الجيش فقط في الميدان هو مناط القوة، وبهذا النهج نجح الفيتناميون في كسب الحرب.

من الجوانب بالغة الأهمية التي نبه لها كلاوزفيتز المقومات التي تشكل مسار الحرب وتنزعها من القواعد الساكنة التي كانت متوارثة من قبل، لأنها في حقيقة الأمر شديدة التغير والتقلب، نتيجة ثلاثة عوامل:

  • أولها: اقترانها بالعنف المتأصل والكراهية ومن هنا تصبح الحرب قوة طبيعية عمياء
  • ثانيها: هو التعرض المستمر للصدف والاحتمالات غير المتوقعة التي تتطلب مزيج من حرية التصرف والقرارات الخلاقة
  • وثالثها: هو عامل الارتباط بالسياسة وهذا ما يجعل الحرب خاضعة لاعتبارات وحسابات عقلانية صحيحة أو رعناء خاطئة، أول هذه العوامل يتعلق بالشعب، والثاني يعود للقيادة العسكرية، أما الثالث فإنه يرتبط بالحكومة.

استراتيجيا باستثناء المفكر الصيني القديم "صن تسو" لم ينل مفكر عسكري في العصر الحديث مكانة مثل التي حظي بها كلاوزفيتز، باعتباره حجر الزاوية في الفكر الاستراتيجي الحديث، ويعد كتابة "عن الحرب" الذي استغرق في كتابته 12 عاما من أهم المراجع الكلاسيكية في موضوعه، مما جعله يحرز موقعا فريدا لدى الزعماء السياسيين والقادة العسكريين من الشرق والغرب على السواء.