ما لن يكون معتاداً هذه المرة بعد نجاح تشكيل هذه الحكومة، بخلاف الحكومات السابقة، هو حيز المناورة المُتاح لها وللكتلة البرلمانية الرئيسية الراعية لها، الإطار التنسيقي. لن تكون هناك هذه المرة الكثير من المساحة لارتكاب الأخطاء الفادحة والتنصل منها تالياً باسم الطبيعة المعقدة للنظام التوافقي والمحاصصاتي التي عادة ما تسمح بتضييع المسؤولية عن الأخطاء والخطايا لصالح تقاسم الغنائم بين الأقوياء وتقديم مصلحة الطبقة السياسية على مصلحة المجتمع. في السابق كان المجتمع يسكت على الأخطاء والخطايا لأسباب ثلاثة رئيسية. الأول هو ضعف الوعي السياسي الشعبي بخصوص طريقة عمل هذا النظام السياسي وتغول الطبقة السياسية المتحكمة فيه على الموارد والنفوذ. والثاني هو شدة الولاء الهوياتي للجماعات الشعبية الكبرى، من الشيعة والسنة والأكراد العاديين، للأحزاب السياسية التي يُفترض أنها تمثلهم في السلطة. أما الثالث فهو وجود تهديدات خارجية جدية للنظام السياسي تستهدفه وتشغل المجتمع عن أخطاء هذا النظام كما كان الأمر في تهديدات تنظيمي القاعدة وداعش.

لم تعد هذه العوامل، التي كانت الطبقة السياسية تحتمي بها وتتذرع بها، فاعلة أو مؤثرة اليوم، فالمجتمع استيقظ تدريجياً وعلى نحو متسارع، منذ عام 2014 عند سقوط الموصل بيد داعش فصعوداً، على الطبيعة الأنانية والاستغلالية للطبقة السياسية القائمة على التخادم والتضامن الانتهازيين. برز رد الفعل ضد تضافر هذه العوامل الثلاثة على أشده شيعياً، مقارنةً بالجماعات الشعبية الأخرى، عبر وعي سياسي جديد عابر للجماعات مضاد للطائفية السياسية باعتبارها الهوية الأيديولوجية لنظام ما بعد 2003. كانت حركة احتجاج تشرين في 2019 تمثلاً وتأطيراً وطنياً وليس مذهبياً، لهذا الوعي. ما تزال تشرين بعيدةً عن التبلور سياسياً على نحو يمكنها من إبراز قوتها الشعبية، إذ هي منشغلةً أحياناً بصراعاتها الداخلية، وأحياناً أخرى بكيفية إعادة موضعة نفسها في سياق التطورات الجديدة المهمة التي حصلت بين انتخابات أكتوبر 2012، واللحظة الحالية حيث البلد على أعتاب تشكيل حكومة توافقية-محاصصاتية جديدة، تعيد إحياء الطائفية السياسية في ظروف مختلفة تماماً، بعد أن مرت بما يشبه الموت السريري على مدى عامين على الأقل في أعقاب الاحتجاجات التشرينية وتفاعلاتها السياسية. على مدى الأسابيع القليلة الماضية، منذ انتهاء التحدي الصدري للإطار التنسيقي مؤخراً، نشهد إعادة تشكيل سريعة للطبقة السياسية الحاكمة على أساس افتراضات عام 2005 القائمة على التشارك المذهبي-الإثني للسلطة، بهيمنة شيعية وقبول كردي-سني. تمثل حكومة السوداني الحصيلة الفعلية والمؤسساتية لإعادة إنتاج السلطة هذه بالرغم بل بالضد من الظروف الجديدة التي برزت في السنوات الأخيرة.

تتمثل هذه الظروف الجديدة بالإفلاس السياسي والأخلاقي للنظام السياسي، واستعصاء هذا النظام، لحد الآن، على الإصلاح الداخلي الحقيقي، فضلاً عن انعدام التعاطف الشعبي معه، والتحفز للوثوب عليه عند توفر الفرصة، خصوصاً مع وجود خيارات سياسية خارجه الآن ومحركات احتجاجية كبيرة في الشارع ضده (من صدريين وتشرينيين وجمهور واسع حانق لا هوية سياسية له لكنه يمكن أن يُحشَّد احتجاجياً ضد هذا النظام السياسي). على الأغلب ثمة وعي لدى أطراف كثيرة في الإطار التنسيقي، وبقية الطبقة السياسية الحاكمة، بهذه الظروف الجديدة، لكن اللافت حدَ الدهشة هو أن هذه الظروف غائبة في سلوك الإطار الذي لا يسعى لأخذها بنظر الاعتبار في الخطوات التي يتخذها. ما جدوى وجود وعي بشيء ما حقيقي، ورفض تغيير السلوك على أساس هذا الوعي؟ هنا مشكلة الإطار التنسيقي الحقيقية: رفض تعلم الدروس من التجارب السابقة والاستفادة منها في تجارب لاحقة. تظهر هذه المشكلة هذه الأيام في سياق تشكيل الحكومة من خلال الإصرار الإطاري على المحاصصة الحزبية في توزيع الوزارات وإداراتها، حتى مع العلم جيداً بسوء هذه التجربة ومآلاتها الكارثية على مدى 17 عاماً في خمس حكومات شكلها الإطار. من الواضح أنه سيكون بمقدور الإطار تأجيل هذه المشكلة حالياً عبر نجاحه المتوقع في تشكيل هذه الحكومة ونيل المصادقة البرلمانية عليها. لكن بعيداً عن المصادقة المؤسساتية والشرعية البرلمانية، بطابعها الرسمي والشكلي، ستتسع هذه المشكلة وتتعمق تدريجياً بعد تولي الحكومة زمام الحكم.

تكمن معضلة الإطار التنسيقي في رفضه المضي في طريق حل المشكلة: إجراء إصلاحات بنيوية، طابعها سياسي أولاً، بدلاً من الاكتفاء بإصلاحات مطلبية كما توحي بذلك تسمية حكومة "الخدمة الوطنية" التي يطلقها الإطار على حكومة السوداني المقبلة. يفهم الإطار، على نحو خاطئ فادح، أن تحسين تقديم الخدمات للجمهور والتركيز على الإعمار في ظل حكومة السوداني سيحل المشكلة البنيوية للنظام السياسي ويحمي هذه الطبقة السياسية من الانهيار، من دون أن يوضح كيف يمكن لهذه الحكومة تقديم الخدمات والشروع بالإعمار في ظل الأدوات والآليات نفسها التي جعلت تحسين الخدمات والقيام بالأعمال مستحيلاً في المقام الأول، وعلى مدى خمس حكومات سابقة. من دون رفع هيمنة الأحزاب على مؤسسات الدولة وتفكيك مكاتبها الاقتصادية، بما يعنيه هذا من تفكيك الزبائنية المنتشرة التي تحولت في ظلها وزارات الحكومة وبقية مؤسسات الدولة من خدمة المجتمع والاعتناء بحاجاته المشروعة، بينها الخدمات والإعمار، إلى مصادر لتمويل الأحزاب وتوسيع نفوذها وتحسين فرص تنافسها مع الأحزاب الأخرى المهيمنة على مؤسسات ووزارات أخرى، من دون هذه الإجراءات السياسية والبنيوية الطابع، لا يمكن تحسين الخدمات ولا الشروع بإعمار حقيقي على نحو مستدام. أقصى ما يمكن القيام به في الظروف الحالية، عموماً بسبب ارتفاع أسعار النفط وزيادة العوائد المالية، هو القيام بإجراءات مؤقتة، طابع الكثير منها ترقيعي، لإحداث تحسن جزئي لكنه ليس تصاعدياً أو مستداماً أو حتى مضموناً. قد يمنح هذا التحسن الجزئي، إذا نجحت حكومة السوداني فيه، الطبقة السياسية، بقيادتها الإطارية، بعضَ الوقت للشروع في إجراءات الإصلاح السياسي البنيوية البعيدة المدى التي تساهم بإنقاذ هذا النظام وبإعادة تأهيله سياسياً وشعبياً، ومن بينها مكافحة الفساد وضمان احتكار الدولة للسلاح على نحو حقيقي وفعال. يسكت الإطار عادة عن هذين الموضوعين الأساسيين والضروريين من أجل إقامة دولة رصينة وقوية تتمتع باحترام شعبها وتأييده لها. لكن السكوت لا يلغي الحقائق والوقائع الملموسة والمحسوسة. هو يتجاهلها فقط، والتجاهل عادةً درب يفضي إلى الخسارة.

هذا هو السيناريو الأفضل الذي يمكن حدوثه في حال وجود إصرار إطاري حقيقي على الإصلاح البنيوي. لكن لا يوجد لا في خطاب الإطار ولا في سلوكه، لحد الآن، ما يشير إلى مثل هذا التفكير أو النية الاصلاحية. السبب واضح جداً، إذ سيعني الشروع بهذا النهج الإصلاحي ضربَ مصالح أساسية لأطراف سياسية مهمة في الإطار التنسيقي نفسه تهيمن على وزارات ومؤسسات وتعتاش عليها وتمنعها من القيام بوظيفتها الأصلية: خدمة المجتمع، وليس الحزب المهيمن على الوزارة أو المؤسسة.

يمثل هذا التناقض البنيوي بين نيات الإطار وأمانيه المعلنة، بشأن الخدمات والإعمار المقبلين في ظل حكومة السوداني، من جهة ومصالح أطرافه المختلفة التي تمنع عملياً تحقق هذه النيات والأماني من جهة أخرى العقدة الكبرى التي ستعيق نجاح الإطار التنسيقي في محاولته الأخيرة لإعادة إحياء منظومة الحكم التقليدية التي فشلت في التعاطي مع تحديات الخدمات والإعمار.

قد لا يدرك الإطار التنسيقي أن الذي يحصل عليه الآن، بعد إزالة المانع الصدري من طريق تشكيله الحكومة، هو فرصة ثمينة، وعلى الأغلب، أخيرة، لإنقاذ النظام السياسي الذي تصدره هو واستفاد منه أكثر من غيره. من مصلحته البعيدة المدى، هو قبل غيره أيضاً، أن يسعى لإصلاح هذا النظام على نحو جدي وحقيقي. يبدو الإطار، لحد الآن، مُصراً على تضييع هذه الفرصة.