فتتجسد عبر الكلمات المعاناة والانشراح والهواجس والسكون والألم والبهجة، وتتبدى الطبيعة حالمة أحيانًا وثائرة غاضبة أحيانًا، ويتجلى الوجود مع انكشاف الذات، وكأن الكون يصبغه الحزن أو على النقيض تهدهده الفرحة والسعادة، ويختلط في ثنايا الأدب ما يعتمل في النفس من كراهية وحب وقبول ورفض.. هذا الفيض في عالم الأدب مترامي الأطراف لا متناهٍ متجدد شكلًا وموضوعًا.. والنص الأدبي لدى المتلقي ذو صيرورة، لا يعبُر المطالع أو الدارس نهره مرتين إن أعاد قراءة نفس العمل.

قد يتبادر سؤال هنا: ما علاقة الحرب التي تشرع لمحترفيها القتل وتبيح ممارسة الدمار وبث الرعب ونشر الخراب، سواء كانت هذه الحرب بين دول أو جماعات متناحرة كما في الحروب الأهلية، أو من زمرة ضالة ذات فكر منحرف تروع الأبرياء كما في الإرهاب.. لكن الحرب بحماقتها وخرابها وضحاياها قد تكون ضرورة لا محيص عنها، لمن يدافعون عن وطنهم كي يردوا المعتدي، لذا تصبح علاقة الأدب بالحرب في جانبٍ منها هي إعادة قراءة للتاريخ، وإذا كان التاريخ يرصد أحداثًا ووقائعَ إلا أن الأدب يتجاوزه إلى الحياة ذاتها.

بينما يدرس المؤرخ الأحداث لذاتها، إلا أن الأدب يشتبك مع تاريخ آخر مادته الخبرات والمعاناة من خلال التجربة المعيشة، ويتأمل أيضًا المعاني الكلية العابرة للفرد والجماعة وأدب الحرب في شق الرواية التاريخية، غير معني بدقة وقائع ما جرى إلى ما هو أبعد إنسانيًّا من حيث تناول المناخ الاجتماعي وتفاعلات الحياة والخبرة الذاتية والمشاعر في إطار مسكون بروح العصر.

من أهم تبديات التماهي تاريخيًّا ما بين الحرب والأدب رواية "الحرب والسلام" للأديب الروسي الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي.. في ثناياها تتجلى سردية تاريخية من زاويتين؛ الأولى: تعبر عن واقع فترة تاريخية روسية، والزاوية الأخرى: استقرار تصنيفها لدى النقاد والأكاديميين باعتبارها من أعظم الروايات عبر العصور.. في هذه الرواية البطل هو الإنسان، لهذا تتفاعل الشخصيات في فضاء النص دون تمايز لمكانة الفرد من قمة سلم التراتب الاجتماعي إلى قاعه، فالقارئ يعايش في ثنايا النص حياة الخدم والقياصرة في البلاط الإمبراطوري، وفي ضياع الريف الفلاحون وأقنان الأرض حاضرون كما كبار الملاك والأباطرة والجميع، معزوفة من المشاعر والانفعالات والعواطف.. في الرواية لم تكن الحرب بين إمبراطور غاز من فرنسا وآخر يواجهه في روسيا، لكنها كانت أيضًا جموع المنخرطين فيها في جبهات القتال وتأثيرها وامتداداتها لدى كل الطوائف في الداخل.. مجد رواية الحرب والسلام لتولستوي أنه استلهم التجربة الحية.

بعيدًا عن التاريخ، تنكشف أعماق النفس مع تجربة الحرب التي لا يمر بوقائعها في ميادين القتال إلا القلة من البشر، لأنها ليست فعلًا متكررًا ودائمًا ما تترك أهوالها علامات فارقة في حياوات من يخوضونها تتجسد لدى الأديب عالمًا رائيًا لتحولات الوجود والمصائر وإشارات الواقع والذات معًا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد بزغت تجربة الحرب لدى "إرنست هيمنجواي" في روايتيه "لمن تدق الأجراس" و"وداعًا للسلاح"، ثم تحول شمول تجربته مع الحرب إلى مخزون امتد معه في نظرته للوجود يتجلى في روايته الأخيرة "العجوز والبحر" التي تؤكد قوة الإنسان وإرادته في مواجهة واقع صعب ووجود غامض عصيب وعاصف، وعزمه على الوصول لغايته وعدم تخليه عن حلمه في صراعه مع قوى الشر والطبيعة، وهذا ما لخصه هيمنجواي في عبارة دالة قائلًا: الإنسان يمكن هزيمته، لكن لا يمكن قهره.

تكشف رواية "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" ذائعة الصيت التي كتبها الأديب الألماني "إريك ماريا ريمارك" بشاعة وغباء الشمولية والفاشية، فقد أحرقت نسخها في طقس نازي أهوج وسحبت الجنسية من ريمارك، مما اضطره للعيش في سويسرا، لكن صدق وبراعة التجربة الإبداعية كان أقوى من المصادرة الغوغائية النازية، لأن الرواية استمرت وبيع منها 50 مليون نسخة، بالطبع كان لا بد لهتلر الذي هيمنت عليه هيستيريا الحرب أن يفعل هذا مع هذه الرواية الكاشفة للضغوط النفسية والجسدية، بل والعقلية العصيبة التي يتعرض لها الجنود أثناء الحرب.

تتعدد الروايات وتثري فضاء الأدب، فها هي رواية الإسباني "كاميلو ثيلا" الحائز على نوبل "لحن ماثوركا على ميتين" التي اتخذت من المطر معادل لعبثية التجربة الإنسانية في مناخ الحرب، حيث تشي البنية الدائرية لاستمرار هطول المطر إلى ضلوع متواصل لقسوة الزمن والبشر. وفي جانب آخر، تفضح رواية "مخاوفي السبعة" للروائي البوسني "سلافيدين أفيدتش" التي تتناول مآسي ما جرى من اقتتال وإجرام تعرضت لهما البوسنة، بعدًا آخر لاختفاء الأفراد أثناء الحرب يتمثل في اختفاء القيم الإنسانية والرحمة التي يحل مكانها القتل والقمع والإذلال.

يعج عالم الروايات بعدد لا حصر له من الأعمال التي تعكس عالم الحرب للذين يخوضون غمارها ومن يتأثرون بها بعيدًا عن ميادينها، حيث الدم والنار والدمار، ومن كل تتقاطر الروايات في دلالات كاشفة تحكى كيف كانت مزاولة الحرب وتدفقاتها الحية التي تشي بتجربة متفردة في الحياة والكتابة على السواء.