لطالما عرفت لندن في أوساط الأدبيات السياسية باسم لندنستان، وهي تسمية ظهرت منذ وقت طويل في كثير من وسائل الإعلام، وتشير إلى سهولة عمل الحركات الإسلامية المتطرفة في العاصمة البريطانية، وتساهل الحكومة البريطانية في التعامل مع هذه الحركات نظرا لطبيعة علاقة التعاون القديمة والمريبة بين لندن وجماعات وتنظيمات إسلامية متطرفة في ربوع العالم الإسلامي.
هذه التسمية التي اشتهرت بها مدينة الضباب لم يتم إطلاقها من قبل وسائل إعلام دول تضررت من الممارسات البريطانية، لكنها جاءت من داخل بريطانيا نفسها ومن وسائل إعلامها ونخبتها الفكرية والبحثية والأكاديمية، وأصبح هذا المصطلح يتداول في أكثر الدوريات السياسية والمجلات العلمية رصانة في بريطانيا وخارجها، وأيضا في كثير من الكتب التي تؤرخ لهذه العلاقة ومن بينها الكتاب المهم "التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" للكاتب مارك كورتيس المتخصص في التأريخ للسياسة الخارجية البريطانية.
وبعد أن كانت ولا تزال الملاذ الآمن الحركات الإسلامية المتطرفة، أصبحت لندن في الآونة الأخيرة ملاذا آمنا أيضا للأموال الفاسدة، لذا يبدو أن العاصمة البريطانية على موعد مع مسمى جديد، أصبح يتم تداوله على نطاق واسع في كثير من وسائل الإعلام البريطانية الشهيرة ومراكز الأبحاث العريقة، وهو "عاصمة الأموال القذرة".
لم يكن مفاجئا أو جديدا ما كشفت عنه الصحيفة البريطانية الأشهر في مجال المال والأعمال "فايننشال تايمز" في تحقيقها الاستقصائي الموسع الذي نشرته قبل أيام عن أن لندن أصبحت الآن هي عاصمة الأموال القذرة في العالم بدون منازع، بعد أن بنت نظامها القانوني والمالي بشكل جعل منها مكانا مثاليا لاستقطاب الأموال القذرة وغسلها وإعادة تدويرها، وجعلت من العلاقة بين الامبراطوريتين البريطانية والسوفيتية قصة ملتبسة قوامها أموال مسممة للديمقراطية بتريلونات الدولارات.
فما عرضته الصحيفة من كيف جعلت العاصمة البريطانية وعلى مدار عقود عديدة، من نفسها حاضرة ترحيبية للفاسدين والمجرمين من جميع أنحاء العالم، بمن فيهم الروس، بما شكك في جدوى وجدية العقوبات البريطانية على روسيا جراء تدخلها في أوكرانيا، لم يكن جديدا على مراكز الأبحاث والمراقبين والمختصين المعنيين بتتبع مسار الأموال الفاسدة، ولا حتى على أجهزة المخابرات الغربية بما فيها البريطانية، فقبل نحو ثلاثة أعوام وتحديدا في عام 2019، وجد تقرير أعده دومنيك غريف، النائب المحافظ السابق بالبرلمان البريطاني والذى عمل كمدعى عام وترأس لجنة الاستخبارات، عن التدخل الروسي في السياسة البريطانية أن بريطانيا كانت تغسل أموال الأوليجارشيه الروس، والتي جاءت أغلبها من مصادر لا يمكن تتبعها.
وأشار "غريف" في تقريره إلى أن الكثير من رجال الأعمال الروس لديهم علاقات قوية بالكرملين. وقبل نشر تحقيق "فينشال تايمز" وتحديا في ديسمبر الماضي كشف مركز أبحاث "تشاتام هاوس" البريطاني العريق في تقرير له عن أن بريطانيا أصبحت عاصمة غسل الأموال في العالم بالنسبة لنخبة ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وذلك بسبب ضعف قوانين مكافحة الفساد وقلة المراقبة والإشراف على تنفيذها، مما أضر بسمعة بريطانيا الدولية وأضعف حكم القانون في البلاد. وطالب المركز بإجراءات جديدة وإعادة هيكلة كاملة للقوانين لمنع تجار "الأموال القذرة" من الاستفادة من الثغرات القانونية الحالية بسهولة، محذرا الحكومة البريطانية من أن قوانين بريطانيا لا تسهم فقط في ازدهار الجريمة المنظمة بل أيضا تساعد بعض الساسة الفاسدين في "غسل" أصولهم غير الشرعية التي يمتلكونها مع احتفاظهم بالسلطة.
وفي مطلع إبريل الجاري أثارت قناة CBS الأميركية الأمر ذاته، وقالت في تقرير موسع لها إن الغرب حاول معاقبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن على الغزو بتجميد أموال أقرب حلفائه من الأوليجارشيه شديدي الثراء الذين يعيشون حياة فاخرة منذ عقود. وفى حين قامت أوروبا بمصادر منازل ويخوت عملاقة، وقامت واشنطن بتجميد حسابات بنكية وفرضت حظر سفر، فقد كانت بريطانيا متأخرة، ويوضح التقرير أن بريطانيا، وعلى مدار سنوات، توددت بنشاط للمليارديرات الروس وتجاهلت تقارير بشأن شكوك حول ثروات بعضهم. والآن، يوجد الكثير من المال الروسي في بريطانيا التي أطلق على عاصمتها في وقت من الأوقات اسم "لندنغراد"، لأنها أصبحت منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 المركز العالمي الأبرز لتدفق الأموال من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق على نطاق واسع، الأمر الذي دأب معه معارضو بوتين على مطالبة الغرب، وتحديدا بريطانيا، بالتشدد إزاء المال الروسي مع أن النخبة الحاكمة والمسؤولين الروسي يواصلون التباهي بثرواتهم الهائلة في أفخم الوجهات بأوروبا.
إذن لم يكن ما كشفت عنه الصحيفة البريطانية العريقة جديدا من نوعه، لكنه كشف فقط تفاصيل إضافية عن دور بريطانيا في تمكين الفساد، وعن التسهيلات الكبيرة والثغرات القانونية المتعمدة في النظام المالي البريطاني التي ينفذ منها تجار "الأموال القذرة"، حيث تتراوح قيمة الأموال التي يجري تبييضها سنويا في بريطانيا، بين 23 و57 مليار جنيه إسترليني. فالصحيفة ذاتها نشرت في ديسمبر الماضي مقالا لعضو البرلمان البريطاني ووزير التنمية السابق في الحكومة البريطانية، أندرو ميتشل، بعنوان "الأموال القذرة في بريطانيا تضر بما هو أكثر من سمعتنا"، أشار إلى أن القطاع العقاري البريطاني يغري من يرغبون في غسل أموالهم من الخارج، وبخاصة من الأثرياء الروس، باستغلاله لهذا الغرض.
ولعل قيمة التقرير الجديد للصحيفة العريقة يكمن في أنه يأتي من داخل بريطانيا نفسها ومن صحيفة بريطانية شهيرة ومؤثرة وكأنها شهادة شاهد من أهلها وبالتالي لا مجال لدحض مثل هذه التقارير أو التشكيك في مصداقيتها.
وهنا لا تقف بريطانيا وحدها، فما ينطبق عليها ينطبق على الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، وأيضا بشهادة واعتراف أهلها، ففي كلمتها بمناسبة قمة الديمقراطية في ديسمبر الماضي، عبرت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين عن أسفها لأن "مبالغ ضخمة من الأموال غير المشروعة" تصب في نهاية المطاف في النظام المالي الأمريكي. وأضافت أن "هناك أسبابا للاعتقاد أن أفضل مكان في الوقت الحالي لإخفاء وغسل أموال مكتسبة بالاحتيال هو في الواقع الولايات المتحدة" داعية إلى ضرورة "تسليط الأضواء" على "المناطق الرمادية" في الولايات المتحدة، مشيرة إلى ولايات أميركية تسمح بإنشاء شركات وهمية من دون معرفة مالكيها الحقيقيين.
المفارقة الغريبة هنا التي لم يمكن استنباطها سواء من التقارير البريطانية ومعلوماتها الصادمة أو الاعترافات المثيرة لوزيرة الخزانة الأميركية، هو حالة الصمت الكامل والمريب من الهيئات الغربية المعنية بهذه القضية إزاء هذه المعلومات وهذه الاعترافات المتعلقة بالدول الغربية، بينما تركز صب جهودها على دول أخرى لاسيما الدول النامية ودول منطقة الشرق الأوسط، رغم أن كثيرا من هذه الدول تتأذى من الممارسات الغربية في هذا المجال، فبحسب "فاينانشيال تايمز" فإن الدول النامية تخسر نحو تريليون دولار سنويا نتيجة الفساد يتم غسلها في النظام المالي لاقتصادات الدول الغربية الكبرى. وهو ما يثير علامات استفهام كبرى حول مصداقية تصنيف هذه الهيئات.
فعلى سبيل المثال تدرج مجموعة العمل المالي "FATF" المعنية بمراقبة الجرائم المالية العالمية، دولا عربية وشرق أوسطية عدة على قائمتها الرمادية للدول التي يجب مراقبتها من أجل التمويل غير المشروع لمدة عام كامل لـ"منع غسل الأموال"، وأعطى تقرير المنظمة تصنيفا "منخفضا" لعمليات التحقيق والمحاكمة بشأن غسل الأموال، وتصنيفا "متوسطا " للإجراءات الوقائية لبعض الدول العربية وكثير من الدول النامية رغم ما تبذله من جهود قانونية وتشريعية وأمنية لمكافحة عمليات غسيل الأموال، لكن هذه المجموعة تلوذ وستلوذ بالصمت تجاه ما كشفته الصحف ومراكز الأبحاث البريطانية والأميركية من ممارسات تجري في بريطانيا أو أميركا بشكل يثير الشكوك حول مصداقية هذه المنظمات وما تصدره من التصنيفات.