لم يخرج من لبنان ما يؤكد رواية ذات مصداقية عن أن الصواريخ الثلاث التي أطلقت من جنوب لبنان في 4 أغسطس (أي في ذكرى مرور عام على كارثة مرفأ بيروت) واستهدفت مستوطنة كريات شمونة، وسقط واحد منها داخل الأراضي اللبنانية، مصدرها فلسطيني مستقل الهوية والقرار. لكن إسرائيل سارعت، مع ذلك، إلى تبني الأمر بصفته يقينا، وراحت تروّج لفرضية أكثر هشاشة تصادق على أن العناصر الفلسطينية تتسلل داخل مناطق حزب الله ومن وراء ظهر قيادته.

ولأسباب إسرائيلية داخلية تتعلق بطبيعة هشاشة الائتلاف الحكومي الذي ورث "مملكة" بنيامين نتنياهو، أطلقت إسرائيل رداً عسكريا استعراضيا مبالغا غير متكافئ باستخدام سلاح الطيران لشنّ غارات، تكاد تكون وهمية على أهداف واهية داخل "مناطق مفتوحة". والظاهر أن هدف "ترقية" الردّ هو شدّ عصب الداخل، وإظهار قوةٍ تنافس تلك التي كان يتبجح بها نتنياهو، وتقديم وجبة ردع غير مقنعة وغير ضرورية.

ردَّ حزب الله بشكل رسمي معلن يوم الجمعة الماضي. ومبرر الحزب أنه ردّ فعل على فائض الرد الإسرائيلي في التعامل مع رواية الصواريخ الفلسطينية التي صادقت عليها إسرائيل. وحسب الطرف الإسرائيلي، فإن "القبّة الحديدية" تصدّت لـ 19 صاروخاً (سقط ثلاثة منها في الأراضي اللبنانية و6 في "مناطق مفتوحة" في إسرائيل، فيما فجّرت المنظومة الـ 10 صواريخ الباقية وهي في الجو). وحسب الرواية الإسرائيلية أيضا فإن الحزب تقصّد استهداف "مناطق مفتوحة" داخل إسرائيل تحاشيا لأي تصعيد. وكان مستغربا أن يتبرّع الطرف الإسرائيلي في شرح معاني هجمات الحزب وتبرير مقاصد صواريخه.

على هذا تتبادل إسرائيل وحزب الله رسائل الودّ والتفاهم و "الحنان" تحت السقوف المقبولة ووفق حسابات مدروسة، يفهمها أولي الأمر، لكنها تلقي الرعب في قلوب الآمنين. وعلى هذا فإن العداء المفترض بين "العدو" و "المقاومة" يتحول إلى "سوء تفاهم" يسارع الطرفان إلى تسويته بالديباجات اللغوية، سواء في فصاحة بيان حزب الله ولغة مفرداته، أو في تبرّع جنرالات إسرائيل في توزيع رواية باردة لحدث ساخن.

انتهى "سوء التفاهم" بين إسرائيل وحزب الله وعاد الطرفان للتّقيد بحذافير تفاهمات سابقة. أطلقت إسرائيل تهديداتها ضد لبنان وحكومته وضد أي عبث قد يقوم به حزب الله من شأنه رفع مستوى الخطر على حدودها الشمالية. غير أن الواقعة أضافت في لبنان متغيرات جديدة من نوع آخر ضد موقع حزب الله في داخل البلد.

بدا اعتراض الأهالي في بلدة شويا في حاصبيا على مرور راجمة الصواريخ التي قامت بمهمتها، حلقةً جديدة في سلسلة الاعتراض المدني اللبناني ضد تفرّد حزب الله بقرار الحرب والسلم في لبنان، كما في قرار تعريض الآمنين في بيوتهم في جنوب لبنان للخطر. ولئن نقلت فضائيات العالم مشهد مشايخ دروز ومواطنين يعترضون الراجمة ويتعرضون لركابها، فإن السجال حول الحدث، سواء داخل منابر الطائفة الدرزية أو ما استتبع ذلك من ردّ فعل في منطقتي صيدا وعالية كاد يفجر فتنة طائفية، وضع حزب الله مرة أخرى أمام حقيقة فقدانه لبيئته اللبنانية الحاضنة، حتى لدى الطائفة الشيعية.

وإذا كانت منابر الاعتراض الشيعي معروفة في لبنان، فإن ميدان الاحتجاج غير المعلن ما زال محاصراً محشوراً داخل صفة "جمهور المقاومة" كثابت لا يتبدل حجمه ولا يتغير ولاءه في أدبيات الحزب ومواقف قادته. ولطالما تم "تأديب" المتمردين داخل هذا "الجمهور" الذين خرجوا يعبّرون عن غضبهم أمام الكاميرات قبل أن يعودوا للإعراب عن توبتهم وندمهم بعد مرور ليل يمكن تخيّل ما حدث لهم في ظلمته.

وشكّلت الاشتباكات التي حصلت، قبل أيام من حادثة شويا - حاصبيا، بين أنصار حزب الله وعشائر عرب خلدة السنيّة فصلا آخر عن مدى هشاشة البيت اللبناني الداخلي الذي لطالما كان حزب الله يتفيأ به ويعوّل على دعمه وتفهمه وسكينته وحتى إخضاعه. وتضاف فصول شويا وخلدة الجديدة إلى فصول سابقة عديدة، لا سيما أهمها تلك ظهرت في تصادم حزب الله مع كل البيئة اللبنانية المنتفضة منذ 17 اكتوبر 2019 على كل الطبقة السياسية اللبنانية، وفي اتهام الحزب بالتورط في فضيحة نيترات الأمونيوم التي أدت إلى كارثة مرفأ بيروت في 4 أغسطس من العام الماضي، بما وسّع من دائرة الاعتراض المدني العام ضد الحزب وامتداداته داخل سلطة الفساد الحاكمة في البلد.

قد يمكن لحسابات العواصم الكبرى أن تدوّر زوايا "سوء التفاهم" الأخير بين إسرائيل وحزب الله. فقرار المواجهة الكبرى لا يأخذه حزب الله إذا لم يكن يصبّ في خدمة إيران المنخرطة في مفاوضات فيينا. وقرار الحرب الشاملة لا تذهب إليه إسرائيل إذا لم يحظَ بدعم دولي، وخصوصا وحتماً من قبل الإدارة الأميركية في واشنطن. غير أن "سوء التفاهم" بين اللبنانيين وحزب الله بات عميقاً، يظهر قيحه في حوادث التصادم المباشر، قبل أن يُصار إلى وضع مهدئات له لا تعالج جرحاً عميقا يوّلد كل يوم أوراما خبيثة تهدد حياة البلد وديمومة وجوده.