وها هي سيرة احتراف التجديف في حقّ القيم الأخلاقيّة، وفي اقتراف الآثام في حقّ أُمّنا الطبيعة، تغدو في واقعنا طبيعةً ثانية، فلا نستحي أن نبيح تذكير المؤنّث، وتأنيث المذكّر، الذي سيبدو منكراً حتى على مستوى اللغة، فكيف إذا كان على مستوى واقعنا الإنساني الحرفيّ؟

يحدث هذا بدعوى الإستجابة لنداء التسامح في حدوده القصوى، الملزمة بسلطة واقع ما بعد الحداثة، في عالمٍ مفتونٍ بخطابٍ رأسماله التقاليع.

فماذا يعني أن نعمل كل ما بالوسع لكي نوحي لجيل النشئ بأحقيّته في استبدال جنسه، ونسخّر في سبيل هذا الإِبتذال الوسائل العلميّة والنفسية والعمليّة؟

كيف لا نعي أن القبول بتحويل الرجل امرأة، وتحويل المرأة رجلاً، هو فعليّاً، القبول بتحويل هذين القطبين مِسخَين حقيقيين فاقدَين لكلى الهويّتين الطبيعيّتين؟

ليس هذا وحسب، ولكن القبول بهذا المبدأ يعني أننا قررنا أن نقطع شوطاً أبعد في الإستهتار بمستقبلنا، لأن التسامح في شأن صفقة تأنيث المذكّر، وتذكير المؤنّث سيؤدّي قطعاً إلى إضاعة القطبين!

فماذا يعني إضاعة الفريقين؟ إضاعة الفريقين سوف يعني تهديد وجودنا كجنسٍ بشريّ، ملفّق أساساً، بموجب الصفقة المبرمة بين هذين النقيضين، المحكومين بالتماهي في حرم بُعْدٍ يبدعان، بالحضور فيه، قطباً ثالثاً، قدره أن ينفيهما كليهما، ليرثهما، تلبيةً لنداء الطبيعة الأمّ، التي لم تراهن يوماً على أيٍّ منهما كفرد، ولكن رهانها كان الحفاظ على النوع، المنبثق عنهما. ففي حرف هذا الإرث، تسكن بذرة البقاء: بقاء جنسنا البشري في رحاب هذه المسكونة الشقيّة. وبديهي أن المساس بحرمة هذه البذرة، هو، واقعيّاً، حكمٌ بالقضاء على مستقبل النوع البشري. ولكن يبدو أن عقليّة الحداثة، المدمنة الأبديّة لتسفيه كل ما متّ بصلة للقيم الأخلاقيّة، أو لقوانين الطبيعة، تأبى إلّا أن تستهتر بالواجب في حقّ البقاء، بوحيٍ من حمّى نزعتها العدميّة، فتصفّق لشطحاتها الجنونيّة الأنظمة السياسية، التي تعتنق دين «كل شيء مباح»!

فبأيّ حقّ تُبارك أنظمة عالمنا السياسية هذه النزوات العبثيّة؟

ما هو موقف العدالة من وباءٍ يحرّض على القفز إلى العدم؟

منطق المعزوفة المهيمنة سوف يتشدّق بالحقوق بالطبع، في عالمٍ الديمقراطيّة فيه هي المعبود، البديل لكل معبود.

وسوف لن نفلح في استنطاق الأحجية ما لم نستنطق حجّة هذا المعبود، الملقّب في خطاب اليوم، باسم: الديمقراطية.

الديمقراطية، كمنهجٍ تقنيّ لتحقيق فردوس الحرية، ليس لها إلّا الإحتكام إلى ساحة الأغلبية، لاستجداء جناب العدالة. العدالة  الغيبيّة المستنزلة لاكتساب صيغة دنيوية. وهو ما لا يتحقق بدون ترخيص من قبل مشيئة السواد الأعظم، المترجمة في مبدأ: الإنتخاب. والدراما إنّما تبدأ عند الشروع في تنفيذ العملية الإنتخابية إلى حرف الواقع. فالمريد الذي رأى في نفسه الكفاءة للقيام بدور المنقذ، ليس له إلّا أن يرتضي الخضوع لدرس تعميد، لا يختلف فعلياً عن تجربة عبور الجحيم، مسترشداً في الرحلة العصيّة بدليلٍ، كما استرشد أوليس في مملكة الأشباح بخلّه أخيل، وكما استرشد بطل «المهزلة الإلهيّة» بسلفه فرجيل، كل ما هنالك أن الدليل هنا ماردٌ مشطورُ إلى شقّين: أحدهما يتقمّص مسوح ميزانية الحملة الدعائية، وثانيهما يتقنّع خلف ستور رصيد الوعود الإنتخابية. فالدعاية تلعب دوراً بطولياً في لعبة الإيقاع بجموع الناخبين، فلا تستحي أن تعترف بالغاية من الحملة عندما تتبنّى تعبير: «تحسين صورة المريد»!

من حقّنا أن نستفهم عن حقيقة هذه المفردة المشبوهة، المترجمة في حرف التحسين. وعندما نحتكم إلى ساحة اللغة، فلن يستعصي علينا أن نكتشف أن التحسين عملٌ لا يُستخدم في حقّ المبدأ الحَسَن، ولكن يُستخدم في حقّ البُعد المفتقد لهذه الخصلة السامية، لأن الحُسن جمالٌ، والجمال مثالٌ معصومٌ بطبيعته من الدنس، ومنزّهٌ عن نقيضه القبح! وهو ما يعني أن غاية الحملة الدعائية هي القيام بعملية تجميل إصطناعيّة، لا تختلف في حقيقتها عن التدخّل الجراحيّ لاستئصال ورم خبيث، طلباً لعافية ضائعة! وهو ما قد يعني أنها ضربٌ من احتيال، لأنها تسويقٌ لأكذوبة، لغاية الحصول على نفع، بوسائل غير نزيهة. فالدعاية دوماً عملٌ مشبوه، لأنها لا تستحي احتراف الخداع، في سبيل الإستحواذ على الغنيمة. غنيمة لا تلبث أن تتقمّص، بهذا التدخّل اللئيم، هويّة ضحيّة، قوامها الأغلبية في السواد المستهدف، مستعينةً بتقنيتين مستحدثتين، صارتا، في عالم اليوم، معبودتين، هما: الدهاء الاصطناعي، الذي غدا بديلاً للدهاء الفطري، وأقوى سلطاناً في النفوذ على واقعنا العمليّ، ثمّ تقنية المعلومة، التي تحوّلت في حياتنا أفيوناً ندمن فيه سيول المعلومات، ونعتمدها كقياسٍ لمعرفةٍ اعتدناها بالأمس القريب في نهج التشكيك في المسلّمات، لنقطع طوراً أبعد في سبيل اغترابنا الحثيث عن الحقيقة.

فالشهادة، المحمولة في رسالة الدعاية الإنتخابية، الناطقة في خطاب تقنية المعلومة، في الأغلب هي شهادة مزوّرة، كما برهنت التجربة. ولا أحسب وجود قوّة في المسكونة، استطاعت أن تستثمر ضعف الطبيعة الإنسانية أمام الأكذوبة، كما أفلحت الشبكة الافتراضية أن تفعل، مستغلّةً ميولنا العفوية التي يستهوينا الإغواء. والأكذوبة تستدرجنا بفتنة هذا الإغواء، في حين تخسر الحقيقة الجولة، لأنها بطبيعتها طاردة، موحشة، صارمة، بل ومعادية. ولهذا هي مرتعٌ خصب لشبكةٍ كل ما في جعبتها افتراضي، بدايةً بالعلاقة الإنسانية، ونهايةً بكل ما متّ بصلة للنشاط الإنساني، يكفي أن نتأمّل تغنّيها بنشازٍ كـ الإفتراض، لكي نكتشف سرّ عدائها لكلّ ما متّ للحقيقة بصلة. ومن الطبيعي أن تكون، بهذه «المزايا» مطيّةً مناسبةً تماماً لمريدٍ يريد أن يستعير صلاحيات الربوبية، لينصّب نفسه على الأنام خليفةً، ليقضي بين الخلق بالعدل!

هل قلت العدل؟

أيُّ عدل يستطيع أن يسري في شرايين بدعةٍ تنزف بالزِّيفِ، وتتباهى بقطع عِرقٍ جديد في جرم الحقيقة مطلع كل يوم؟

ليس لنا كشهود عيان إلّا أن ندع الشبكة تجدل خيوطها المنسوجة من روح الحملة الدعائية، لنتوقّف إزاء مشهد إمام الحواة وهو يستخرج من عطفة قناعه الذخيرة، المستقطعة من رصيد البند الثاني المتمثّل في الوعود، ليصيغ بفضلها تفاصيل عتبة أخرى في سلّم الصعود. ومن الطبيعي أن تكون حزمة الوعود معالجة أخرى في الخطاب الذي افتتحته حملة التحسين بأجناس الأكاذيب، لأنها مستعارة من قيعان ذات المستودع، المعتمد في فلسفة المعلومة: إحسان الكذب! أي تحسين الوضع، بالتفنّن في حبك أحابيل الكذب، مادام السواد الأعظم يُعامَلُ كقطيع بُلهاءٍ يستمرئون سماع الكذب المعسول حتى لو أدركوا أنه كذب، ويستهجنون منطق رئية داهية كالحقيقة يبدو منكراً لا لشيء إلّا لعُريِّهِ من الشعر، ومن فتنةٍ لا وجود لها إلّا في الكذب.

ولكن كيف يبيح إمام الحواة لنفسه التجديف في حقّ قيمة قدسية كالوعد؟ أليس الوعدُ عهداً مبرماً، ضمناً، مع الربّ، مهما تبدّى ميثاقاً مع أناسٍ يحسبون أنفسهم أخلافاً لله على الأرض؟

ولكن ما يشفع التجديف في حقّ العهد هو الهوية المكتسبة بسلطة الدور المنتظر لخليفة الله على الأرض، ولن يضيره أن يحنث بالوعد، فيضاعف المكوس، بدل أن يخفّف من وطأة المكوس، أو يتراجع عن الوعد برفع الأجور، بدعوى تضعضع موارد الميزانية، أو يرجيء شقّ الطرق لأجلٍ غير مسمّى، بسبب النهب الممنهج للمال العام، إلى آخر القائمة؛ وهو ما لن يمنع التلويح بالقدرة على عمل كل ما بالوسع لتحقيق الرخاء، واستعادة الفردوس المفقود، دون أن يشكّ في أنهم سيصدّقون، وسوف يهرعون لصناديق الاقتراع تلبيةً للنداء، لأنهم أخيار حريصون على معبودٍ هو الوطن، وفوق ذلك تقاة، ولن يتردّدوا في عمل ما يرضي الله! في هذا المستوى تبلغ الحجّة ذروة مسيرتها، فلا تعود الحملة مجرد «تحسين صورة المريد»، ولكنها سترتقي إلى مرتبة «تحسين سيرة المريد». أي تسويق ما يسمّى في أدبيات منطق الانتخابات: مرشّحاً، ليستعير خصال النموذج الجدير باسم: المنقذ، وهو أعلم الأطراف بأنه لم يُقبل لكي ينقذ أحداً، ولكن ليلبّي مشيئة الصفّ، المستتر وراء حجاب، الذي لفّقه من طينة العدم، لا ليشفي غليل الناخبين الظامئين إلى الحرية، أو ليحقق عدالة، لا سبيل إلى استنزالها من رحاب الملكوت، أو يستبدل حكماً لم يعد محتملاً، بحكمٍ آخر محتمل، فإذا به يحتضن هوية دمية، خصّيصاً كي يروي ظمأ من اختاروه إلى النفع، فيستطيع، مقابل ذلك، أن يلهو، فيعمل على تذكير المؤنث، وتأنيث المذكّر، بل ويغتصب الناموس، فيبيح قران الرجل بالرجل، وقران المرأة بالمرأة، عملاً بالوصيّة، المفروضة بحرف الديمقراطية، القائلة: «منذ اليوم كل شيء سيغدو مباحاً»، ليكتشف تالياً أنه أضاع الكنز الذي أقبل بحثاً عنه، لأن الانتخاب لعبة مسلّية حقاً، ولكنه ليس ديمقراطية، والديمقراطية نفسها تقنية ماكرة لاختلاس النفوس من ضعاف النفوس، وهي ليست معنيّة بقدس أقداسٍ هو: الحرية، لسببٍ بسيطٍ هو حقيقة الحرية كقيمة روحية، وليست لُقية ننالها هبة مجّان، لأن الحرية مغامرة تحرير لما بأنفسنا، وليست حركة تغيير لما بالعالم خارجنا: مغامرة تحرير لما بالعالم الذي يسكننا، لا حركة تغيير لما بالعالم الذي نسكنه!

مأساة الأقلية تكمن، دوماً في ما يسمّيه علم النفس بـ «عقدة النقص». فهي لا تكتفي بحكم العدالة، عندما تنتصر، ولكنها تراهن على الحدود القصوى في الحكم، الحدود الخارجة عن صلاحيات العدالة نفسها، بحيث لا يعود الفوز بالحقوق هو الحُجّة، ولكن الانتقام يغدو هو الغاية.

والانتقام، بالطبع، لا يرتضي الوقوف عند الحدّ، ولكنه مرضٌ لا يهنأ ما لم يرتوِ من نزيف قرابين. تستوي في هذه النزعة الفئات المضطهدة، أو التي تتوهّم أنها مضطهدة، كما الحال مع زنوج أمريكا أخيراً، أو منظمات المثليين، فتستميت في المطالبة بدفع الثمن عن الأضرار المزعومة لا في صيغتها الراهنة وحسب، ولكن في صيغتها التاريخية، أي بتاريخٍ رجعي، لتستعير ماهية الثائر التقليدية، التي لا تكتفي بالنصر، ولكنها تأبى إلّا أن تهيمن، تأبى إلّا أن تشفي الغليل بممارسة القمع، دون أن تتخيّل أنها تحولت جلاداً، بعد أن كانت بالأمس القريب ضحيّة.

فنحن، بمنطقهم، نبقى مدينون لهم مهما قدّمنا لهم من تضحيات، لأن حضورنا في واقعهم، يذكّرهم بمحنتهم، يذكّرهم بعُقدتهم؛ لذا لن يهنأوا بالاً ما لم ننقطع نحن من وجودهم!

ففي واقع يعتنق دين الحداثة لن يدهشنا أن نستيقظ على شطحة قيامة، تبشّر بقيام نظام الخُطاة، الذي تبدو إلى جواره كبائر «سادوم وعمّورة» مجرة مزحة هواة.

لسنا نحن مَن استهجن إباحة التجديف في حقّ الحقيقة التي أوجدت وجودنا، ولكن أُمّنا الأولى، الطبيعة، هي صاحبة الفتوى. يكفي أن نحتكم إلى ساحتها، لكي نسمع في حرمها، وصيّة قاضي القضاة، الذي خوّلته الأقدار بأن يتولّى أمرها، لكي نكتشف أن الحرص على إبقاء التذكير تذكيراً، والتأنيث تأنيثاً، هو الضمان الوحيد لاستمرار بقاء الإنسان  حيّاً في حرم اليابسة، لأن حكمة الأمّ الكينونيّة هي التي قضت بتنصيب هذين الضدّين عسساً على مصير الكائنات، وتماهيهما هو الشرط الحاسم لضمان بقاء الأنواع، لأن رهان الطبيعة على خلود النوع، وليس على سعادة الفرد: هذا الفرد الذي يتحجّج أهل الباطل اليوم بتسويقه كمعبودٍ له الحقّ في أن يستبيح الحرمات، ويقترف كلّ ما من شأنه أن يقطع دابر الإنسان من خارطة الوجود!

هامشعندما نحكّم الأقدار في النطق بكلمة الحقّ، فمن المناسب أن نستنير بإفادة ربّ معبد دفى، الذي صرّح لملك ليديا «كريوز» قائلاً أن الآلهة نفسها ليس لها سلطان على القدر. وهو منطوقٌ غامض بقدر ما هو مزلزل، ولا نستطيع أن نعترف بحجّته ما لم نستجر بوصايا مؤسس الديانة المسيحية القديس أوغسطين، الذي راق له أن يستبدل كلمة «نظام» لترجمة الذخيرة التي عبّر عنها إله معبد دفى بلفظة «قدر».