وكانت إدارة الرئيس جو بايدن محقة حين وصفت اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير الماضي بأنه "إرهاب محلي".

لعقود، منذ الثلث الأخير من القرن الماضي، يكاد يقتصر وصف الإرهاب عالميا على التطرف الإسلامي. وبالطبع تسيد ذلك الارتباط بعد فظائع طالبان والقاعدة وداعش وغيرها من الجماعات الوحشية وممارساتها المنافية للانسانية.

لكن ذلك لم يمنع أن هناك إرهابا أبيض، أي من قبل هؤلاء المعتقدين بتسيد الجنس الأبيض وعرق بعينه على غيره من الملونين أو أبناء العرقيات الأخرى.

ويبدأ ذلك بشعارات سياسية، أو غيرها، لا تبدو عنيفة مثل الموقف من المهاجرين في بلاد الغرب أو التمييز العنصري المستتر تجاه جنسيات معينة حتى من البيض (كما تفعل الجماعات الإرهابية التي ترفع شعار الإسلام في موقفها من عامة المسلمين العاديين).

كان الإرهاب قبل ثمانينات القرن الماضي في أغلبه مرتبط بجماعات سياسية متطرفة تسعى لتحقيق هدف ما بارتكاب العنف الارهابي في الأغلب ضد مدنيين أبرياء.

بالطبع كانت هناك جماعات منطلقاتها دينية، لكن السياسة والأيديلوجية كانت سائدة أكثر. ثم مع صعود الجماعات الارهابية المنبثقة عن تنظيم الإخوان أصبح السائد عالميا لصق الإرهاب بالإسلام والمسلمين.

الآن، يشهد العالم صعودا للتطرف العنصري على أساس عرقي أو غيره يشكل مع التطرف على أساس ديني مزيجا في غاية الخطورة.

ولم يعد مصطلح "الإرهاب المحلي" يقتصر على مواطني بلد ما ممن ينضمون للجماعات الارهابية المتسربلة بالدين كما يوصف من انضموا إلى داعش في سوريا والعراق من مواطني بريطانيا وفرنسا وغيرهما.

إنما الإرهاب المحلي الآن يستند إلى تطرف يمني عنيف، كما بدت مظاهرة الأوضح في اقتحام مبنى الكابيتول في العاصمة الأميركية. ويتسق مع أحداث أكثر بشاعة في تاريخ كثير من الدول الغربية والمتقدمة، ربما لم توصف وقتها بأنها إرهاب أو جرائم ضد الانسانية.

لم يعد الأمر ايضا محصورا في "ناشطين" متطرفين من خلفيات اجرامية أو فقيرة أو جاهلة يتحولون إلى الإرهاب، بل تجد متعلمين ومهنيين وغيرهم كما شاهدنا في العصابات التي اقتحمت مبنى الكابيتول.

وبعض هؤلاء دوافعه مركبة، من دينية متطرفة إلى عنصرية على أساس الجنس واللون والعرق أو مزيج من كل ذلك معا. ويلاحظ أيضا ارتفاع في معدلات معاداة السامية في الغرب نتيجة استهداف اليهود، حتى من اصحاب ذات الجنسية ولون البشرة، لمجرد أنهم يهود في خلط بين الديانة والعرق.

قبل أيام نشرت صحيفة الغارديان تقريرا حصريا عن عدد عناصر القوات المسلحة البريطانية الذين تمت إحالتهم إلى برنامج مكافحة الإرهاب.

ومن بين 16 من القوات البريطانية، من الجيش والبحرية والطيران وغيرها من الأسلحة، كانت الأغلبية على أساس الإرهاب اليميني المتطرف – أي عنصرية البيض تجاه غيرهم.

حصلت الغارديان على الأرقام من وزارة الدفاع بموجب قانون حرية المعلومات لكن بدون تفاصيل كثيرة. وأثار الخبر موجة ردود فعل حول مدى جدية وزارة الدفاع في مراقبة أي ميول إرهابية لدى أفرادها والتعامل معها بحزم.

وتذكر البعض حادثة العام الماضي في قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص حين وجد أحد الأفراد رسوما عنصرية على سيارته وأبلغ عن ذلك وحققت الشرطة العسكرية لكن وزارة الدفاع قالت إن الأدلة لم تكفي لأي اتهام أو محاكمة.

في 2018 ألقي القبض على 4 من عناصر الجيش البريطاني لعضويتهم في جماعة "العمل الوطني" النازية الجديدة وأدين واحد منهم فقط هو العريف ميكو فيفيللينين، بينما الثلاثة الباقون لم يدانوا أو يحكم عليهم. رغم أن اثنين منهم أعضاء في حركة "أيدنتيتاريان" اليمنية المتطرفة المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية.

ولدى الجيش البريطاني برنامج لمكافحة الإرهاب يسمى "بريفنت"، أي المنع، يشبه إلى حد كبير لجان المناصحة في السعودية التي تستهدف استتابة أصحاب الفكر المتطرف. لكن خطورة بروز الإرهاب اليميني الأبيض في صفوف الجيش تثير القلق، ذلك أن الشائع أن السجون هي البيئة الأكثر مناسبة للتطرف وتجنيد الارهابيين.

لكن ما نشهده في أميركا وبريطانيا وبعض دول أوروبا التي تنشط فيها جماعات اليمين المتطرف العنصرية يشير إلى أن التجمعات المهنية، وحتى الجامعات، يمكن أن تكون بيئة مواتية لتجنيد المتطرفين المتشديين وساحات تفريخ للإرهاب الأبيض وغيره من اشكال وألوان الإرهاب.