يأبى القلب الحضري، في معادلة الإنشقاق التاريخي، إلّا أن يتفنّن في اختراع صنوف الحيل، المعبّرة عن موقفه المعادي للحريّة، فلا يكتفي عرّابو منطقه من إتقان أسوار العشّ الخانق، ولكنّهم يتفوّقون في تشييد جدران الحشر، بحيث تتحوّل سجوناً حقيقية، تتناطح في جوفها أشباح الخلق، فَرَقَاً من طيف حريّةٍ، لا تلبث أن تُتَوّج في واقع القوم بعبعاً. وعلّ أعجوبة مثل سور الصين الأسطوري أكبر برهان على هذه النزعة الجبانة في الفرار من شبحٍ، غدا، بحكم الاستسلام لرذيلة الخمول، سعلاةً منكرةً، كما الحال مع ما كان في تجربة الأمس معبوداً، كما العلاقة مع الحرية.

فهل استشعر هذا النموذج نعمة الأمان في المخبأ وراء الحصون؟

الواقع أنه اخترع جنساً آخر من السجون، يستجيب لمزاج الحداثة، ويليق بكتم أنفاس ذلك الوسواس المميت، الذي لا تجدي في شأنه السجون، ولا يعترف في عرفه بجلاد الحصون، كما الحال مع: الضمير.

وها هي عبقريّة إنسان العمران تتفتّق عن ترياقٍ جديد، له القدرة على إبطال مفعول سلطان الوجود: الروح!

هذا الترياق لن يكون سوى الأيديولوجيا بالطبع، التي أضافت إلى الحصون الحرفيّة، الملفّقة من جلاميد الحجارة، حصوناً أخرى، أقوى سلطاناً لأنها وحدها أوتيت معجزة القدرة على إسكات الضمير، كما الحال مع الأفيون العقائدي،  الذي أفلح في عزل الصين عن العالم كما لم يفلح في عزلها سورها الحجري الأسطوري، وها هو ستالين يقدّم للغرب إحساناً، أخفق الغرب في تحقيقه بحملات الجيوش مئات الأعوام لصدّ الدبّ الروسي، فإذا بالشبح ينكمش على نفسه، ويسجن نفسه طوعاً وراء أسوار ما سمّاه تشرشل بـ «الستار الحديدي» عندما كان يتسلّى بترويض مواهبه الأدبيّة، بإيحاءٍ من سَدَنة الأكاديمية السويدية، ليفتتح بهذا المصطلح بوابة الحرب الباردة.

الستار لم يكن حديدياً يوماً، لأن سلطة الأيديولوجيا سورٌ طاغٍ، يفوق سلطان الحديد منعةً، وهو يتمدّد كالأفعوان ليبتلع نصيباً من القارّة العجوز مترجماً في حرف سور برلين، الذي لم يفلح الغرب في تدميره إلّا بعد أن استصدرت الأيديولوجيا السوفييتية حكم الإعدام بحقّ نفسها.

والسبب؟

لم يكن أحد ليتخيّل أن يكون السبب في القوانين. فكلّ الحجج التي تطرحها الأيديولوجيا لتبرير حشر الانام في سجون احتكار الحقيقة، تقوم آفة كالقوانين الوضعيّة بافتراسها، وإبطال مفعولها، كأنها تريد أن تبرهن على حقيقةٍ تقول: ليس النظام الإقتصادي النفعي وحده المجبول بالخطيئة، ولكن كل ما نفخ فيه المخلوق الآثم من أنفاسه، انتقلت إليه العدوى، وأصابه ورم الإثم؛ والقوانين، في صفقة الوجود، لن تكون استثناءً، سيّما في حال نفحة الأنفاس، المسكونة بروح الاستقرار؛ لأن الاستقرار أيضاً خطيئة: خطيئة بما هو تجديفٌ في حقّ الحرية، وبالتالي في حقّ الحقيقة التي لم تكن يوماً سوى القرين الحميم للحرية.

يكفي أن نحتكم إلى منطق اللغة كي نكتشف كم هو انحطاطٌ استبدال القوانين الإلهيّة، القوانين الطبيعيّة، قوانين الحرية، بقوانيٍن من صنعنا، مستعارةً من مدلول يسكن حرف صفة «الوضعيّة»، المشتقّة ليس من «الوضع»، ولكن من الوضاعة. وأحسب أن من حقّ محرر هذا البيان، أن يدلي بشهادته في شأن هذا الصنف من القوانين، وهو الذي كان شاهد عيان على واقع هيمنة الأيديولوجيا السوفييتية منذ ما يزيد على نصف قرنٍ مضى، حيث يسود الإجماع على عجز القوانين الوضعية عن تحقيق الحدّ الأدنى من العدالة للمواطن الشقيّ، فلا يجد ما يعبّر به على يأسه، كلّما شاهد واقعة جورٍ، هي حدثٌ يتكرّر كل ساعة، إلّا أن يستصرخ الضمير بعبارةٍ صارت تعويذةً: 

Вы что? Нет у вас совести?

(ماذا دهاك؟ هل مات فيك الضمير؟)

وهو ما يعني أن لا سبيل للأبرياء إلّا أن يحاولوا أن يوقظوا في الجلّاد مارد الضمير، لتحقيق الحدّ الأدنى من العدالة، بعد أن يكونوا قد فقدوا الثقة في القوانين العقيمة، السائدة، التي اكتشفوا عقمها بالتجربة منذ زمن طويل، في واقعٍ حضري، مؤدلج، لا وجود فيه لاعترافٍ بحقوق؛ وحتّى لو وُجد منطوق لحقوق، فإن قانون النسبيّة، وهيمنة روح الشرّ، المصاحبة لطبيعة العقد الجماعي، في بعده الغيبيّ، الكافكوي تحديداً، أمرٌ كفيلٌ بإبطال مفعول هذا المنطوق، فلا يبقى للنموذج الأعزل، المدان مسبقاً حتى لو ثبتت براءته، سوى الإحتكام إلى ساحة القاضي الوحيد، الذي يستطيع أن يشفع للمسكين زلّته المزعومة، لأن حضور الضمير هو الضمان الأخير في وجود عزاء، في وجود قضاء!

وجود قضاء؟

القضاء في عالم حضري مؤدلج، كما في النموذج السوفييتي، كان نكتة حقّاً. تخيّلوا واقعاً قانونيّاً لا وجود فيه لقانوني، لا وجود فيه لمبدأ المحاماة! إنه أشبه بواقع مجتمع عمرانيّ أمني لا وجود فيه لحماة أمن، لا وجود فيه لشرطة!

وهو ما يحتّم خضوع الحكم، في أية قضيّة، لمزاج القاضي، وحتّى في الأحوال التي يِسمح فيها باستحضار محامٍ للترافع عن الضحيّة، فإنه يبقى عديم النفع، لأنه مستقدم من قبل الدولة، ينطق باسم الدولة، ويتبنّى حكم القانون، المفروض بسلطان الدولة؛ تلك الدولة التي تغترب عن المفهوم الشائع للدولة، ولكنها تستعير صلاحيات ما ورائية، غيبيّة، تتحلّى بروح كافكاوية، الفرد في حصنها سجين مسبقاً، مدان مسبقاً، بدون جرمٍ أيضاً، والقصاص في واقعها مسبق أيضاً، وكل ما يملكه المحامي المنتدب من قبل المحكمة هو الاستعطاف، هو التماس الرأفة، استجداء الرحمة للضحيّة، وهي، في واقع المحكمة، تبدو أشعاراً غبيّةً، وُجدت لإشاعة مناخ تسلية، في قاعة كئيبة، صارمة، مسكونة بروح محاكم تفتيش القرون الوسطى!

هذا هو الوضع الدرامي الذي قاد إليه الهوس بتأليف القوانين الوضعيّة، الناجم عن إنكار الناموس الطبيعي، المسكون بروح الربوبية، ليغدو الموقف المعادي للناموس، ترجمة حرفية لموقف العداء للربوبية، وليس لنا أن نندهش لاغتراب الحقيقة من واقع وجودنا الأرضيّ، لنجد أنفسنا شهوداً على مسرحيّةٍ هزليّةٍ تتغنّى بمريح عالمٍ كل شيء فيه مباح، حتى لو كان التجديف في حقّ الربوبيّة.

هنا حقّ لاخلاف عرّاب النظام أن يلقوا بأسلحتهم وهم يتغنّون بوصيّة الشيخ سانتياغو في رواية همنغواي: «مَن هزمك أيها الشيخ؟ لا أحد.. لا أحد.. كل ما هنالك أنّي توغّلت في البحر أكثر مما ينبغي»، فما اقتلع مخالب الدبّ، وأنزل به الهزيمة، ليس الاقتصاد، المسكون بجرثومة آفة كالإثم، ولكن الورم الخبيث، الساري في روح القوانين: روح قوانين تغترب فيها تعويذة الروح. الروح في بُعدها الطبيعي. الروح في بُعد البريّة. الروح في بعد الحرية. الروح في هويّة الترياق، الذي لا وجود له خارج ملكوت البُعد المفقود. لأن ما غاب عنّا، كأنامٍ، هو ثراء الواقع الإنساني، على نحوٍ لا يقارن حتى بثراء الواقع البيئيّ، الواقع الطبيعي، فكيف بثراء واقعٍ ملآن بالإمتلاء، بل يضيق بالإمتلاء، حتى يفيض بجوده على الأنحاء، كما الحال مع واقع الوجود؟ كيف تفلح مصيدة مشلولة، رهينة أقنان السواكن، أن تفلح في استيعاب ذخيرة هذه الأجنّة الغيبيّة المنيعة، فتحتويها، لتطوّعها بفنون التدابير المجازيّة، لتنتج رؤيا، بل رؤى، تصلح حكماً ينطق باسم عدالةٍ، قدرها أن تنوب، ولو في الحدّ الأدنى، عن عدالة الأبعاد القصوى، المنصوص عنها في معجم الحرية؟