وضربت بعرض الحائط منطق الدولة، وألف باء السيادة، والقرار الوطني المستقل، والنابع من مصلحة العراق والعراقيين على اختلاف ألوانهم، قبل كل شيء.

وليس سرا أن تلك التيارات قادت العراق لطريق مسدود، حيث تراكم الفساد والفشل الاداري والتنموي، والخدمي (رغم موارد البلاد وثرواتها الطبيعية والبشرية الطائلة من نفط وغاز وماء وأراض زراعية خصبة وملايين الكفاءات والأيد العاملة) وتصاعد النزعات السلطوية والمركزية، ومحاولات أسلمة الدولة ومذهبتها، وتحويلها لنسخة مصغرة عن نظام الملالي الإيراني، الأمر الذي أدخل البلاد في أزمات متناسلة وعلى كافة الصعد، إلى أن وصلت الأمور  لحد الانفجار الشعبي، في وجه طبقة سياسية فاشلة، ومرتهنة لقوى إقليمية تبغي الهيمنة على بلاد الرافدين، واستنزافها ونهب خيراتها، وإفقار وتجهيل شعبها، وتحويلها مطية لتحقيق أجنداتها التوسعية والعدوانية، وخاصة حيال الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

فالمظاهرات الشعبية العفوية الواسعة والجريئة، التي استمرت لأشهر طوال أجبرت الحكومة على الاستقالة، بعد إيغال مهول في دم الناس المتظاهرين والمنتفضين لكرامتهم وحقوقهم، الأمر الذي لم يجد نفعا، في اخماد جذوة الانتفاض على الحكم الفاشل، والمرتهن لأجندات غير عراقية وراء الحدود.

وهكذا ورغم كل الملاحظات التي يمكن سوقها على حكومة مصطفى الكاظمي الانتقالية، إلا أنها تحاول قدر المستطاع، إعادة الاعتبار للوطنية العراقية الرحبة، بمعناها الديمقراطي التعددي، والجامعة لمختلف ألوان الطيف القومي والمذهبي والديني، في بلاد ما بين النهرين، والتي ترتكز إلى عمقها الاستراتيجي العربي وتستند إليه، في مواجهة أطماع قوى إقليمية كتركيا وإيران، متربصة جهارا نهارا بالعراق، وبوحدته وسلامة أراضيه.

من خلال القاء نظرة سريعة ومقتضبة على جملة المبادرات والسياسات، التي تتبعها بغداد مؤخرا لا سيما خلال الأشهر والأسابيع القليلة الماضية، يدرك المراقب أن ثمة توجها استراتيجيا في العاصمة العراقية، نحو العالم العربي بوصفه حاضنة العراق الطبيعية وامتداده البديهي، وهو توجه إيجابي ملح وضروري يحظى بدعم واسع على الصعيد الشعبي في العراق، ويرتكن لجملة عوامل وموجبات موضوعية وذاتية صلبة ومتينة، تجعله توجها صائبا وموفقا ليس فقط، وفق منطق حسابات التاريخ واللغة والثقافة وغيرها، من قواسم مشتركة تجمع العراق بمختلف الدول العربية، إنما حتى وفق المنطق البراغماتي وحسابات المصالح، والمنافع البحتة الباردة، سيما الاقتصادية والتجارية منها.

وما يدعم حظوظ نجاح هذا التوجه العراقي نحو الحاضنة العربية، هو وجود رغبة وارادة مقابلتين، لدى كبريات عواصم القرار العربي، لاحتضان العراق بوصفه من الدول الوازنة والمحورية في المنظومة العربية، وحسبنا الاشارة هنا، إلى أنه ونحن نكتب هذه السطور، يستقبل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي، رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الزائر على رأس وفد رسمي عراقي، في أرض مطار العاصمة الإماراتية أبو ظبي الدولي.