فثمة دول كانت أكثر إضافة للحضارة الإسلامية لم تستمر حتى لنصف هذه المدة كالدولة الأموية في الأندلس، ودولة السلاجقة في فارس والعراق، ودولة الأيوبيين ثم دولة المماليك في مصر والشام وغيرها.. فمعيار طول عمر الدولة لا يعني بالضرورة عظمتها فضلًا عن فكرة "تحصينها" من النقد بالأساس، فالدولة العباسية -مثلًا- قد عمرت "رسميًا" نحو 767 سنة (من 750م إلى 1517) ولكن عمرها الفعلي كدولة يحكمها خلفاء أقوياء يمسكون بزمام الحكم لم يستمر سوى 97 سنة، بينما قضت باقي عمرها تحت سيطرة الأمراء التُرك والوزراء الديلم والسلاجقة الأتراك والمماليك، الذين رأوا -كل هؤلاء- أنهم يحتاجون إلى البقاء الرسمي للخلافة العباسية للحصول على شرعية الحكم وتفويضه من الخليفة (وإن كان العباسيون قد نجحوا رغم ذلك في الحفاظ على الثراء الحضاري رغم فقدانهم السيطرة سياسيًا من الناحية العملية)

ولكن دعونا نتأمل في أطوار العمر الطويل للدولة العثمانية.

فلننظر في ذلك التقسيم الذي وضعه المؤرخ الثقة الأستاذ الدكتور محمد سهيل طقوش في كتابه "العثمانيون من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة"، وقد تعمدت الرجوع إليه بالذات لأنه من ناحيةٍ أحدُ المدافعين عن الدولة العثمانية - مما يبطل حجة أولئك المتشنجين ضد من يهاجمها، والذين يتهمون كل ناقد للعثمانيين بأنه منساق وراء كراهيته لهم -، ومن ناحية أخرى هو مؤرخ أمين يمكنك أن تختلف معه لكن لا تملك إلا أن تحترمه..

ماذا يقول أ.د. طقوش في كتابه؟

يقسم عمر الدولة العثمانية إلى: مرحلة التأسيس وتبدأ من العام 1299م بعثمان الأول بن أرطغرل، وتستمر حتى العام 1512م إذ تنتهي بنهاية عهد بايزيد الثاني.

ثم تأتي مرحلة القوة والتوسع وتبدأ بعهد سليم الأول منذ العام 1512م وتستمر حتى نهاية عهد مراد الثالث في العام 1595م.

وأخيرًا تدخل الدولة العثمانية في مرحلة الضعف والانحلال وتبدأ بعهد محمد الثالث في العام 1595م وتنتهي بسقوط الدولة في عهد عبد المجيد الثاني سنة 1924م.

هكذا قسّم أ.د. محمد سهيل طقوش - وهو مختص بتواريخ الشعوب التركية بالذات - مراحل تاريخ الدولة العثمانية.. (وإن كنتُ أختلف معه - مع كامل الاحترام له - في ضم كل من محمد الفاتح وبايزيد الثاني إلى فترة التأسيس إذ أرى أنهما يدخلان في مرحلة القوة والتوسع لا التأسيس).

أي أننا – بالأرقام - لدينا دولة عاشت 625 سنة، قضت منها 213 سنة في مرحلة التأسيس، ثم 83 سنة فقط في مرحلة قوة وتوسع، ثم ظلت تتحلل وتحتضر لمدة 329 سنة. نحن نتحدث إذن عن دولة قضت أكثر من نصف عمرها في احتضار.

(ولا يختلف كثيرًا تقسيم المؤرخ التركي الأستاذ خليل إينالجيك في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار" عن تقسيم أ.د.طقوش إذ جعل التأسيس النهائي يبدأ من 1453م وينتهي في 1526م، ومرحلة القوة العالمية من 1526م إلى 1596م، ثم تبدأ حسب رأيه مرحلة الانحدار فيما بعد 1596م).

هذا، إضافةً إلى سيطرتها على بلاد العرب - خاصة مصر والشام – في العام 1517م لتدخل في رحلة السقوط بعدها 79 سنة. الأمر إذن أشبه بمن يتشبث بك ثم يجذبك إلى الأسفل وهو يغرق!

وعصر الضعف والانحلال المذكور تسبب فيه مزيج مهلك لأي دولة، من سلاطين ضعفاء، إلى استغراق في الترف والبذخ السفيه، ودخول الخصيان والحريم السلطاني في لعبة السياسة، وتآمر الوزراء وفسادهم، وتسلط الجند الانكشارية وتمردهم المتكرر، فكان من الطبيعي أن تقرأ عن سلطان يخلعه الجند أو يقتلونه حتى..

هذا داخل مركز الحكم، أما خارج الدولة فقد كانت تتوالى الضربات بين عدو خارجي قوي بشكل مخيف هو روسيا، وقوى استعمارية متلاعبة كإنجلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا، وشعوب متمردة كاليونان والصرب والبلغار وغيرهم.

وليتنبه القارئ هنا: فكل ما سبق ليس مبررا لمساوئ الحكم العثماني، فلم يعدم التاريخ دولًا قوية واسعة كان محيطها كله يتآمر عليها، ورغم ذلك استطاعت أن تصمد وأن تؤسس لنماذج حضارية راقية.

السؤال هنا: لماذا استغرق احتضار الدولة العثمانية وانهيارها كل هذه الفترة لو أنها كانت بكل هذا الضعف والهوان؟

الإجابة تتلخص في: القوى الاستعمارية!

نعم، فرغم غرابة أن يسعى عدوك إلى استمرار بقائك، فإن ألاعيب السياسة والسيطرة لا تكف عن إذهال القارئ للتاريخ، فالقوى الاستعمارية المذكورة سلفا حين درست سيناريوهات إسقاط الدولة العثمانية وجدت أنه ستترتب عليه نتائج مخيفة:

فمن ناحية، كان الخلاف سينشب بينها على من يرث تركة العثماني الهالك!

ومن ناحية ثانية، كانت بعض تلك الدول ستجد نفسها قد ورثت مشكلة القوميات العرقية الساعية إلى الاستقلال خاصة في اليونان والبلقان، فضلًا عن الخوف من انتقال عدوى "الثورية" إلى الدول الملكية كروسيا القيصرية.

ومن ناحية ثالثة، كانت بعض تلك القوى ستجد نفسها تجاور قوى أخرى لا ترغب في مواجهتها مثل روسيا.

ومن جهة أخرى، كان الروس متعطشين لتنفيذ وصية قيصرهم بطرس الأكبر بـ"الوصول للمياه الدافئة" أي إيجاد موطئ قدم لروسيا على البحر المتوسط، وهو ما يعني اتساع نطاق صراع السيطرة الأوروبي الغربي-الروسي من منطقة شرقي أوروبا ليشمل كذلك شرقي المتوسط!

وبحسابات بسيطة، وجد هؤلاء الاستعماريون أن حفاظهم على بقاء دولة عثمانية ضعيفة جامدة هو أقل تكلِفة وأكثر نفعًا لهم من إطلاق رصاصة الرحمة على تلك الدولة التي تنتظر من يعلن موتها.

لهذا كانت القوى الأوروبية تسارع إلى نزع فتيل أي أزمة من شأنها دفع الروس إلى غزو إسطنبول نفسها، ولهذا أصيب الأوروبيون بالهلع عندما اقتربت جيوش محمد علي باشا من العاصمة العثمانية واستعد الروس - الذين كان العثمانيون قد أبرموا معهم معاهدة الدفاع المشترك "خونكار إسكله سي" للتصدي لها، فقد خشيت القوى الأوروبية أن يستغل الروس ذلك فيحتلوا العاصمة العثمانية بذريعة التصدي للغزو المصري!

وللأسباب نفسها كانت تلك القوى تلعب مع العثمانيين لعبة "الشرطي الطيب-الشرطي الشرير/Good cop-Bad cop" فيتولى بعضها تهديدهم وإخافتهم وتوجيه الضربات لهم، بينما يقوم البعض الآخر بلعب دور المنقذ والصديق المخلص (وهو دور لعبه الفرنسيون ثم الإنجليز وأخيرًا الألمان بينما كان الروس غالبًا ما يلعبون دور الشرطي الشرير).

وأخيرًا، عندما مالت شمس روسيا القيصرية إلى المغيب، وجدت الدول الاستعمارية الغربية نفسها في حل من الخوف وصارت أكثر صراحةً في اقتطاع أجزاء هامة من الإمبراطورية العثمانية كتونس ومصر مثلًا، وهكذا حتى حان وقت إعلان وفاة المحتضر العثماني!

لهذا استمر بقاء تلك الدولة التي استغرق موتها أكثر مما استغرقت حياتها! وليس لأنها كانت قوية ولا لأنها كانت صامدة ولا لأي سبب يجعل مثلها جديرا بالبقاء، فقد افتقرت لكل أسباب الاستمرار أو الحزن على موتها، ولم تضف إلى الحضارة الإنسانية ما يجعلها يؤسف عليها!