-كان العثمانيون يضعون لكل باب بيت مطرقتان، إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، لو طرقت الكبيرة يدرك أهل الدار إن الطارق رجل فيفتح له رجل البيت، ولو طرقت الصغير يدركون أن الطارق امرأة فتفتح له بعض نساء الدار... عندما كنا عظماء

-كان العثمانيون إذا مروا بدار فوجدوا على بابها باقة ورود حمراء يفهمون أن في الدار مريضا فلا يزعجونه بأصواتهم في الشارع... عندما كنا عظماء

-كانت السفن العثمانية إذا مرت بميناء مدينة مسيحية يمتنع أهلها عن دق نواقيس كنائسهم خوفًا من استفزاز المسلمين فيفتحون المدينة... عندما كنا عظماء

-ذات مرة ألف كاتب فرنسي مسرحية مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، فاستدعى السلطان عبد الحميد الثاني القنصل الفرنسي الذي وجد السلطان يرتدي الزي الحربي ويهدد بغزو فرنسا، فألغى الفرنسيون المسرحية... عندما كنا عظماء

مثل تلك المنشورات تبعث على الحزن، فالشاب الذي رفعها أو شاركها - بغض النظر عن نصيبها من الحقيقة أو الاختلاق - قد قرر أن يختصر عظمة المسلمين في مطرقة باب وباقة ورد وزي عسكري وتهديدات جوفاء وبلطجة عبر البحار..
والحقيقة أن تلك المنشورات البائسة إنما تشي بجهل صاحبها الفادح بالتاريخ الإسلامي، تخيل أمة عمرها أكثر من 1400 سنة، أقامت دولا انتشرت من أدنى الأرض لأقصاها في قارات العالم القديم، دامت حضارتها نحو 800 سنة، وقدمت الآلاف من العباقرة الأفذاذ في مجالات العلم والدين والفن والأدب والسياسة، وشهد لها الغريب قبل القريب بالفضل على الحضارة الإنسانية، يختصرها هؤلاء في مثل تلك التفاهات!.

بل وحتى تلك الأمثلة التي اختارها أدلة للعظمة إنما هي تسيء للمسلمين، فأين العظمة في مطرقة الباب أو باقة الورد؟ وهل من أخلاق المسلمين أن يروعوا أهل دين ويمنعوهم إقامة شعائر عباداتهم بقوة السلاح وسطوة التهديد الحربي؟ وهل جُل قوة المسلمين في تهديدات جوفاء من سلطان اشتهر بأنه "أسد عليّ وفي الحروب نعامة" يرعب شعبه قمعًا وقهرًا بينما بلغ به الهوان - وأعني عبد الحميد الثاني - أن نظمت القوى الاستعمارية مؤتمر تقسيم ممتلكات دولته في عاصمته نفسها وبحضور ممثلين عنه؟!.

تعالوا أقص عليكم بعض مظاهر العظمة الحقيقية:

-يُروى عن التابعي الجليل الحسن البصري أنه قال لبعض أصحابه عن كلب رآه أنه لا يحتقر هذا الكلب فالكلب قد يكون خيرًا منه... استنكر أصحابه القول لأن الله قد كرم بني آدم واستخلفهم في الأرض، كما أن الحسن البصري هو من هو علمًا وفقهًا وتقوى... فأجابهم التابعي العظيم أنه إن لم ينجُ يوم القيامة من عذاب النار بينما ينجو هذا الكلب فالكلب خير منه...
فكان هذا درسًا مركبًا من البصري لأصحابه: ألا يحتقروا خلقًا خلقه الله، وألا يزكّوا أنفسهم على الله بعلمهم ولا بعبادتهم فيظلون دائمًا في موضع الرجاء والخشية والتذلل للخالق عز وجل..

عندما كنا عظماء!

-الصحابي الجليل والخليفة العظيم أبو بكر الصديق، وقف على المنبر وقد صار أول خليفة للمسلمين، فكان أول ما قال للناس هو "إني وليت أمركم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني"... أول من أسلم من الرجال وأقرب أصدقاء الرسول وأقدم الناس صحبة له ورفيق كفاحه وهجرته والذي اجتمعت عليه الأمة يقول للناس "لست بخيركم" ويكون أول أمر منه لرعيته هو إعانته لو أحسن وتقويمه لو أساء..

عندما كنا عظماء!

-المسلمون الأوائل خلال فتوح الشام دخلوا مدينة حمص، وأخذوا من أهلها الجزية كمقابل لحمايتهم لهم.. فلما تقدم الروم من المدينة بجيش كبير لم يستعد له المسلمون اضطروا للانسحاب تكتيكيًا لاستجماع قوتهم والكر على الروم، وقبل أن ينسحبوا أعادوا الجزية لأهل حمص، فأبدى هؤلاء الدهشة لأنهم اعتادوا أن من يحكمهم يأخذ ولا يرد.. فبرر المسلمون ذلك بأن الجزية مقابل حماية وأنهم إن اضطروا للانسحاب فلن يستطيعوا حماية المدينة، فهم لا يرضون أن يأخذوا مال أهلها بغير أداء حقه... فأقسم عندئذ أهل حمص أن يدافعوا عن مدينتهم ضد الروم وألا يسمحوا لهم بدخولها وأن يبقوا على الولاء للمسلمين احترمًا منهم لأخلاقهم..
عندما كنا عظماء..

-غزا الخليفة العباسي هارون الرشيد بعض مدن العجم، وعرض عليهم ثلاثًا: الإسلام أو الجزية أو الحرب، فعرض عليه أهل المدينة أن يناظر بعض رجال دينهم بعض فقهاء المسلمين ومن يغلب الآخر يكون صاحب الأمر في المدينة.. فلم يتكبر الخليفة وهو يستطيع بأمره أن يجعل جيشه يدهمهم بل وافق على المناظرة... فلما التقى كاهن المدينة بقاضي المسلمين سأله: "لو أنك تؤمن أن الله إلهك قادر على كل شيء وأنه إله واحد لا شريك له، فهل يقدر الله أن يخلق إلهًا مثله؟" فأسقط في يد القاضي لأنه لا يستطيع أن ينكر كلية قدرة الله ولا أن ينكر استحالة وجود إله مثله... فغضب هارون الرشيد ولكنه التزم العهد ولم يغترّ بقوته ويأمر باجتياح المدينة.. واقترح عليه البعض أن يطلق سراح المشتغلين بعلم الكلام من السجن - وكان قد حبسهم لاعتقاد البعض بمخالفتهم للدين - فأطلقهم فأرسلوا من يجيب الكاهن بأن "الله يقدر على كل شيء لكنه لو خلق إلهًا لن يكون مثله لأن هذا الإله سيكون قد جرى عليه الخلق والله لم يخلقه أحد".. فآمن الكاهن وأتباعه.. وكسب المسومين بلدًا جديدًا بالنقاش الراقي واحترام العهد... واقتنع الخليفة بخطأ موقفه من أهل علم الكلام وأطلق سراحهم.

عندما كنا عظماء!

-غزا الفرنجة بقيادة ملك قبرص بيتر لويزنيان الإسكندرية في عام 1365م فاجتاحوها واحتلوها أسبوعًا ثم انسحبوا بعد أن خربوها وأحرقوها وقتلوا 20000 من أهلها... ففرض السلطان والأمراء المماليك غرامة على المسيحيين المصريين باعتبار أنهم على نفس دين الغزاة (رغم اختلاف المذهب)، فأنكر الفقهاء ذلك ورفضوه وعلى رأسهم الإمام ابن كثير.. لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ولأن فرض مثل تلك الغرامة هو ظلم للمسيحيين المصريين.. وانحازوا بموقفهم هذا للحق ضد السلطان وإن كان على دينهم...

عندما كنا عظماء

هذه الأمثلة غيض من فيض.. هي النماذج التي يمكنني كمنتمٍ للأمة الإسلامية أن أشير إليها وأقول "عندما كنا عظماء"... لا المطرقة والورد والمظاهر الفارغة..

ودعونا لا نرتكب نفس خطأ هؤلاء فنقع في نقيصة الاختصار المركب: اختصار عظمة المسلمين في تفاهات واختصار التاريخ العظيم للحضارة الإسلامية في تاريخ العثمانيين وهم أقل النماذج الحضارية في التاريخ الإسلامي!

دعونا كذلك لا نقع في نقيصة "عندما كنا" والإغراق في القراءة الماضوية للتاريخ باعتبار أنه مجرد مجلس للتفاخر بعظام الأسلاف... وإنما علينا التحرر منها وأن تصبح قراءتنا للتاريخ مستقبلية تجيب سؤال: كيف نعود عظماء.

تلك القراءة التي لا يريد لنا العثمانيون الجدد وأتباعهم والسائرون نيامًا في ركابهم أن نمارسها، ويريدوننا أن نبقى أسرى التأثر الساذج ببعض المنشورات التافهة على حسابات التواصل الاجتماعي تمهيدًا لكي نصبح تابعين لأصحاب المصلحة في تسطيح تاريخنا وابتذاله يسوقوننا حيث يشاؤون!.