إذ إن النتيجة الحتمية لهذه الانتخابات المحدد لها موعدا في 24 ديسمبر 2021، إنتاج كيانات سياسية بوجوه جديدة محل الحالية، كما ستختفي بعدها كيانات نشأت بفعل الفوضى وقوة الأمر الواقع المسلح مثل ما يسمى مجلس الدولة (المسيطر عليه من تنظيم الإخوان).

هذا الاستحقاق (المكفول طبعا لكن في حينه وفي ظرفه المتاح) كانت ترفضه اللجنة الدستورية المشكلة من أعضاء بمجلس الدولة والبرلمان في جلستين سابقتين استضافتهما القاهرة لتقريب وجهات النظر بينهما، للاتفاق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات لإنهاء الفترة الانتقالية.

لكن فجأة وبعد الرفض وعدم التوافق أصبح الاستفتاء على الدستور طلبا ملحا من كافة المجتمعين، وعلى الرغم من تأكيد عماد السايح رئيس المفوضية العليا للانتخابات استحالة ذلك قبل موعد 24 ديسمبر 2021، إلا أنه وجه بإصرار على إتمام الاستفتاء مع ربط إجراء الانتخابات بذلك، ما حدا بالرجل أن يقول في تصريح صحفي إنه لن يسمح باستخدام المفوضية العليا لأغراض سياسية، وهو ما يشير إلى محاولات سياسية تقف خلف توظيف الاستفتاء لتعطيل الانتخابات.

ودون الخوض في تفاصيل مسودة الدستور، فإنها في النهاية عمل إنساني لن يكون عليها إجماع، والفشل سيكون أحد احتمالاتها وهو ما سيدخل الساحة الليبية في دوامة جديدة ليس العنف والحرب والإرهاب بعيدا عنها، خاصة في ظل استمرار المناخ والأدوات التي تسمح بذلك، وهو ما يعني عمليا تأجيل الانتخابات أو إلغائها نهائيا وإطالة عمر الفوضى.

ويأتي هذا الإصرار غير المنطقي خاصة بعد وجود تقارب وشبه إجماع ليبي على سلطة واحدة مكلفة بمجموعة من الأولويات والإجراءات العاجلة والهامة، والتي من شأنها إزالة أسباب الفوضى وأدواتها ويبدو الإصرار على الاستفتاء غريبا، في ظل وجود حل بديل طرحه المستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان مؤكدا إمكانية إجراء الانتخابات في ديسمبر 2021 وفقا للإعلان الدستوري المعمول به منذ 2011، وقانون الانتخابات رقم 10 الصادر في مارس 2014 والقيام بترتيبات تسمح بالشروع في تحقيق باقي الاستحقاقات في مناخ ملائم، وهي إجراءات تتعلق بوقف النزيف وإصلاح ما خلفته حالة الاقتتال الدائر منذ سنوات، وتعزيز الثقة بين أبناء الوطن الواحد وتحرير الإرادة الوطنية ودعم المؤسسات الرسمية وتوحيدها.

فمازالت الإرادة الوطنية الليبية مرتهنة بوجود قوات عسكرية تركية، والآف المرتزقة إضافة إلى استمرار وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة الرسمية، واستمرار سطوة الميليشيات والانفلات المسلح علاوة على الانقسام المؤسسي.

ولم تشهد التجارب السابقة للبلدان الخارجة من النزاعات والحروب الأهلية تطبيقا مباشرا للديمقراطية بعد حالة الاحتراب والاقتتال، وأكدت السوابق أن هناك أربعة خطوات مهمة يجب توافرها أولا لإعادة السلم الداخلي الوطني وتوفير مناخ مناسب لبقية الاستحقاقات وهي بالترتيب الأمان والاستقرار وبناء الدولة والإصلاح الاقتصادي، ثم الديمقراطية وهي خطوات وإجراءات اتبعتها دولة رواندا للتعافي من آثار النزاع الذي دام 25 عاما، وخلف مليون ضحية وهي خطوات مهدت لوصول رواندا إلى مصاف الدول الكبرى، بعد أن شهدت ظروفا مشابهة لليبيا مع بعض الفوارق.

لكنها بدأت بحل الميليشيات ونزع سلاحها وتعزيز مؤسسات الدولة من جيش وشرطة، ثم سنت تشريعات تحد من الفساد وأجرت إصلاحات اقتصادية واسعة، وخصصت لجنة للمصالحات وتعزيز الروح الوطنية والالتفاف حول مصلحة الوطن وإعلائها فوق الاعتبارات الشخصية والجهوية والقبلية والعرقية، وتلك الإجراءات شكلت مناخا صحيا وأساسا متينا للممارسة الديمقراطية، لذا يعد ترتيب الأولويات ضرورة ملحة للحالة الليبية.

ومع الإصرار على إجراء الاستفتاء على الدستور مع العلم المسبق أنه سيكون محل خلاف وصراع، مع توفر الأدوات والدوافع لذلك بيد المستفيدين من إطالة عمر الأزمة وقبل حل الميليشيات وإخراج المرتزقة والقوات العسكرية التركية من الأراضي الليبية، كل ذلك يعد سلوكا تنطبق عليه نظرية الوظائف الاقتصادية للعنف في الصراعات والحروب الأهلية لديفيد كين، والتي تقوم على أساس أن هناك وظائف اقتصادية تؤديها الحروب والصراعات تساعد على استمرار وانتشار العنف بما يحقق أهداف الداعمين له.