ورغم أنه لم يشن حروبا جديدة خارج الولايات المتحدة في مدة حكمه لأربع سنوات، إلا أنه سيظل يتذكره العالم ربما أكثر من رؤساء سابقين، ليس لزهوه الإعلامي وتصريحاته "النارية" عبر تويتر، وإنما لاتخاذه قرارات واجراءات مست حياة الملايين في أنحاء الأرض.

وبغض النظر عما إذا كانت تلك القرارات والاجراءات لمصلحتك أو ضد مصلحتك، فهي إنجاز أكد مكانة ودور أميركا في عالم اليوم.

صحيح أن تلك المكانة والدور يعود بالأساس للوظيفة، أو "المكتب" الذي يحتله الرئيس، لكن بالتأكيد كان لشخصية ترامب وطبيعته دور مهم هو سبب الاختلاف عن بقية من تولوا الوظيفة، وجلسوا على مكتب زعيم القوة العظمى الوحيدة.

حتى الثوابت في السياسة الأميركية، التي يحلو لمثقفينا اعتبارها بالمطلق "دولة مؤسسات تبني استراتيجياتها ليس بالساسة المنتخبين وإنما بجهاز بيروقراطي ممتد عبر الادارات"، شهدت إنجازات غير مسبوقة مع ترامب، منها العلاقات القوية مع إسرائيل التي حظيت في عهد ترامب بما لم تحظ به لو كان الرئيس الأميركي من حزب الليكود.

لكن الأهم في تصوري أن فترة رئاسة ترامب، فيما يخص منطقتنا، كانت إنجازا حقيقيا في إضعاف تيارات التشدد والتطرف وكبح جماعات إرهابية تتسربل بالدين، من الإخوان إلى داعش.

ومن إنجازات ترامب أيضا، بغض النظر عن رأي الاقتصاديين التقليديين الذين قد يعتبرونها "تدميرا للحكمة الاقتصادية التقليدية"، أنه صب اهتمام الإدارة على تشجيع السوق على حساب الاقتصاد الحقيقي. وهذا ما جعل أسواق الأسهم ترتفع في أزمة الوباء العام الماضي أضعاف أضعاف نسبة الانكماش في الاقتصاد.

والتقطت إدارة ترامب، عن وعي أو دون قصد، توجها عالميا للأجيال الجديدة التي تسعى للربح السريع والكبير على حساب العمل والجهد والتراكم.

كذلك توسعت إدارة ترامب في استخدام سلاح العقوبات بدلا من الحرب العسكرية لحماية مصالحها، وتنفيذ سياساتها حول العالم، طبعا سيختلف كثيرون حول جدوى هذا السلاح في "جعل أميركا أكثر أمنا وحماية لمصالحها"، لكنه في النهاية أحدث تغييرا هائلا في العلاقات الدولية، قد لا يزول أثره قريبا.

داخليا، كان ترامب تعبيرا فجا عن أشياء كثيرة في المجتمع الأميركي الذي يقوم أساسا على تنوع واسع في الأجناس والأعراق والديانات والمذاهب.

كما أنه كشخص قادم من خارج المؤسسة، سياسيا واقتصاديا حتى فهو لم يكن "رجل أعمال" أو اقتصاد وإنما سمسار عقارات ومراهنات، وتصرف كذلك أزال وهم "الأخلاقيات" من السياسة. وإذا كان أغلب الناس يرون أن السياسيون يكذبون فقد ذهب ترامب بعيدا في استغلال الكذب بوضوح وفجاجة كما كان يفعل في البزنس والعروض التلفزيونية قبل أن يصبح رئيسا.

ومن إنجازات ترامب أميركيا ايضا أنه عمل مثل "مغناطيس" جذب حوله التيارات المتطرفة مثل قطاعات من الايفانجليكال وجماعات اليمين المتطرف عامة ومن هم أشبه بالعصابات كجماعات العنصريين البيض وبلطجية هامش المجتمع (مثال على ذلك جماعة "راكبي الموتسيكلات من أجل ترامب").

ربما يقول بعض أعضاء الحزب الذي ترشح عنه ترامب عام 2016 (الحزب الجمهوري) أن ذلك ليس حزبهم المحافظ التقليدي. لكن الحقيقة أن ترامب نجح فيما فشل فيه تيار آخر في الحزب (حركة حفلة الشاي) من قبل وكان وجه هذا التيار شخصية مثل سارة بايلين.

مع ذلك، فإن ما قاله ترامب في كلمته الأخيرة قبل ترك البيت الأبيض يوم الأربعاء من أن "حركتنا بالكاد بدأت" قد لا يكون ذا أهمية كبيرة. فمن الصعب أن يجمع ترامب تلك الجماعات والعصابات في حزب سياسي على يمين الحزب الجمهوري. أولا، لأن تلك المجموعات أقرب لكونها "عصب" مختلفة وثانيا لأن ترامب لم يستفد كثيرا من وجوده في السلطة ليتعلم "سياسة"، والأهم أن كل محاولات تشكيل أحزب غير الحزبين الرئيسيين في أميركا لم يكن لها حظ من نجاح على مر السنين.

يبقى الإنجاز الأكبر أن ترامب في الشهرين الأخيرين من حكمه، وبعد الانتخابات الرئاسية التي خسرها، لم يشأ أن يرحل عن الأضواء دون عرض "ألعاب نارية".

هذا العرض باقتحام أنصاره لمبنى الكابيتول الذي يضم البرلمان بمجلسيه كان "ماستر سين" فيلم ترامب الأميركي القصير، وخاتم الرجل على اطلاقه الكثير مما تحت السطح الأميركي المبهر للعلن. 

وسواء قصد أم لم يقصد (ولا أظنه استهدف ذلك، بل تصرف بصلفه العادي) فإن ذلك المشهد كشف الكثير عن تلك القوة العظمى التي تمثل حلما للملايين حول العالم. ولك أن تذكر كيف انبرى البعض ليستخلص أن العاصمة الأميركية أصبحت كأنها درعا أو صنعاء أو طرابلس قبل عقد من الزمن. بالطبع هذا مجرد "تفكير بالتمني"، فذلك التعبير عن الانقسامات والفوضى والتطرف قمة دورة في مسيرة أكثر المجتمعات مرونة وبداية إعادة تأهيل، ولو بإعادة مخلفاته تحت السجادة مجددا.