لم ينظر النهضويون في تونس يوما إلى اتحاد الشغل، إلا بوصفه شجرة يتفيّؤون ظلالها في الأزمات، أو عدوّا يستهدفونه باعتباره معقلا لليساريين. هكذا كانت الحملة الأخيرة التي تصدى لتنفيذها مناصرو ائتلاف الكرامة والقواعد النهضوية احتجاجا على "استبعاد" ائتلاف الكرامة من الحضور في الحوار الوطني الذي دعا له مؤخرا اتحاد الشغل، مناسبة لتكرار المقولات الإسلامية المعتادة من قبيل "اتحاد الخراب" و"معقل اليساريين الاستئصاليين"، وغير ذلك من علامات الوصم والتأثيم.

منذ مفصل يناير 2011، لم تتوقف حملات النهضويين ضد الاتحاد العام التونسي للشغل، مع ضرورة الإشارة إلى أن العلاقة كانت تسودها مفارقة عجيبة. حيث تضطر القيادات النهضوية أحيانا، تحت ضرورة الوقائع السياسية، إلى الإشادة بالاتحاد وبدوره الوطني، وفي المقابل لا تتورع القواعد والكتائب الإلكترونية، وتوابع النهضة، من قبيل روابط حماية الثورة سابقا وائتلاف الكرامة اليوم، عن استهداف الاتحاد بكل أشكال التهجم؛ من الحملات الإلكترونية إلى التصريحات المشككة في دوره الوطني، وصولا إلى استهداف المقرات والنقابيين. هنا كانت المسافة الفاصلة بين الخطاب المتنازل للقيادات وبين تهجم القواعد، مساحة مفتعلة لا يمكن وصفها بغير الاعتماد المتبادل، لكنها مسافة تختفي أحيانا حين تحسّ حركة النهضة بأن دور الاتحاد اقترب من الإضرار بمصالحها السياسية.

في عمق العلاقة تباينات أبعد من الخلافات السياسية التكتيكية، بل هي تناقضات أيديولوجية وفكرية تتصل بنظر الحركة للعمل النقابي، وبتصور الاتحاد لطبيعة المجتمع. تاريخيا لم ينضمّ الإسلاميون للمنظمة الشغيلة إلا بوصفهم أفرادا، لا كتيار سياسي ناشط في البلاد، وكان ذلك يتزايد نسقه في الأزمات السياسية التي تعيشها الحركة مع السلطة. لكن "توتر" العلاقة ناتج عن حجم التناقضات الفكرية بين الطرفين، ولا يعود فقط إلى اختلاف سياسي في محطات زمنية محددة. ينطلق الاتحاد من أرضية فكرية تنهض على ثوابت من قبيل الدفاع عن الدولة المدنية والحقوق والحريات، ومقاومة التوحش الليبرالي والارتهان للمديونية الخارجية، وكلها مقولات غريبة عن المدونة الفكرية للإسلاميين ولحركة النهضة التي لم تتوصل إلى بناء تصور اقتصادي واجتماعي للبلاد وللدولة، خارج المنظومة الرأسمالية، وتبعا لذلك لم تُقدم يوما تصورا خارج منوال التنمية الذي دأبت دولة الاستقلال على اتباعه.

خصومة الإخوان في تونس مع اتحاد الشغل، هي خصومة مع العمل النقابي بشكل عام، وهي ترجمة لعداوة دفينة مع كل فكر وطني أو تقدمي أو حقوقي أو عمالي أو نسوي، ويعود ذلك إلى أن الإسلاميين يعتمدون أدوات تحليل دينية لكل الظواهر السياسية والاقتصادية الراهنة، وينتج عن هذا الاقتصار على المنهل الديني فقر فكري يناصب العداء لكل وجهة نظر قادمة من خارج المدونة الدينية.
على ذلك كانت حركة النهضة، سليلة الاتجاه الإسلامي، تنظر إلى اتحاد الشغل بوصفه "مطيّة" تلُوذُ بها عند الأزمات التي تعيشها مع السلطة، وتبحث خلالها عن دعم "مبدئي" من القوى النقابية واليسارية المهيمنة على هياكل المنظمة، ودُونَ ذلك تعود الحركة إلى المرابطة في ثوابتها الاقتصادية الليبرالية العاجزة عن تدبر بدائل اقتصادية حقيقية، وثوابتها الفكرية التي تواظب على اعتبار الاتحاد قلعة يسارية علمانية يُنظرُ لها بتوجس دائم.

من هنا كانت توترات عام 2012 من خلال الهجوم على مقر الاتحاد من قبل روابط حماية الثورة، وعام 2013 خلال اعتصام باردو أثناء الدور الذي لعبه الاتحاد في تجنيب البلاد أزمة سياسية كان يمكن أن تعصف بكل التوازنات التي تحققت بصعوبة، وما تلاها من منعرجات، تعبير عن التناقضات الدفينة بين حركة تنهل من مرجعية أيديولوجية إخوانية لا حضور فيها للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وبين منظمة نقابية تعي دورها الوطني وتدرك أن هويتها النقابية لا تحول دون تصديها لمهام وطنية وسياسية تتصل بمستقبل البلاد ومصير أبنائها. لم تطمئن النهضة يوما لمنظمة جماهيرية تتكئ على إرث سياسي ووطني طويل، وتنهل من مرجعية فكرية وسياسية وحقوقية عميقة وعريقة.
الهجمات المتواترة التي تشنها قواعد النهضة، أو توابعها من نوع الحملة التي يشنها ائتلاف الكرامة ضد الاتحاد وضد دولة الاستقلال وضد رموز الحركة الوطنية، ليست حملة وليدة اللحظة السياسية الراهنة، بل هي اختصار لتصادم مشروعين تشقهما تباينات عميقة. مشروع لا يفصل بين ثوابت الدولة المدنية وتاريخ البلاد وبين ضرورة صون مؤسسات الدولة ومقدراتها، ومشروع آخر لا يرى في الدولة سوى هدف تمكين يُنجزُ بتؤدة وصبر طويلين.

حين يجاهر اتحاد الشغل بتصديه لأي مشروع يتقصّد رهن اقتصاد البلاد أو سيادتها سواء للمانحين الدوليين أو لمحاور إقليمية وأيديولوجية فإنه يعبر عن وفائه لخطه الفكري والسياسي الذي لم يشذ عليه منذ تأسيسه، فإن النهضة تستشعر خطره وتعلن عليه الحرب عبر أدواتها وكتائبها، ولا ترى ضيرا في توجيه رسائل "تطمينية" من قبل القيادات تشيد بدور الاتحاد وأهميته في التوازن السياسي للبلاد.

حاولت النهضة بعد ثورة 14 يناير 2011 تأسيس أو دعم تأسيس منظمات نقابية موازية، لسحب البساط من تحت اتحاد الشغل. كان ذلك محاولة تهدف أولا إلى التقليص من جماهيرية المنظمة وشعبيتها التي خولتها لعب أدوار سياسية ووطنية منذ تأسيسها، وتتقصّدُ ثانيا بناء منظمات نقابية قريبة من الحركة تخدم أهدافها طالما عجزت عن شق صف الاتحاد سواء من خلال التسرب إلى الهياكل، أو من خلال التأثيم والتشويه والوصم بالفساد والمحسوبية وخدمة النظام السابق. فشلت كل محاولات النهضة ليس فقط لقوة الاتحاد وعراقة تاريخه، وإنما أيضا لأن العمل النقابي هو فعل غريب وغير منسجم مع الأدبيات الفكرية للحركة الإسلامية.

الحملات التي تشنها حركة النهضة عبر قواعدها وأدواتها، لا تعبر عن خلافات سياسية راهنة، بل هي تعبير عن تناقضات جوهرية دفينة تقوم أساسا على دور الدولة وسيادتها، ولذلك فإن جَسْر الهوة بين الطرفين، لن يتحقق في المدى المنظور لأن ذلك رهين شرط عسير التحقق عند الإسلاميين، وهو الإيمان بدولة مدنية سيدة على مجالها، غير خاضعة لمحاور أيديولوجية تنتصر للجماعة وتدير ظهرها للأوطان.