بالتأكيد فإن المصالحة الخليجية ضرورة قصوى، وكذلك هو الحال من ضمانات عدم وقوع مثلها من جديد، إلا أن السؤال الأعم والأشمل، كيف يمكن أن تدار العلاقات البينية بين الدول الأعضاء في المجلس، وكذلك موقف كل منها من رؤى ومشاريع مشتركة.

والسؤال الواجب طرحه قبل الولوج في الدهاليز المواكبة للمصالحة هو، هل القيادة السياسية القطرية جادة في ذلك، أم أن الأمر لا يتعدى كونه مناورة منها لإنقاذ كأس العالم، ولإدراكها أنه فاشل مسبقا بدون حضور جمهور جوارها وعلى رأسهم الجمهور السعودي.

معضلة "الاِجماع" أمر يجب أن يراجع ويعدل عليه في حال أريد لهذا المجلس أن يمثل إرادة الإنسان مستقبلا، ويجب النظر إلى ضرورات ذلك التعديل كمدخل وآلية لتطوير عمله.

كان مسمار جحا الذي وظفته قطر عبر تاريخ المجلس في عَضل إرادته وتحجيم فعالية دوره، بل وتوظيفه أداة سياسية في أجنداتها السياسية الخاصة، وكلنا يتذكر صدور ذلك البيان في 16 ديسمبر 2016 عن الأمانة العامة للمجلس، والذي أدان فيه مصر، ليتضح بعد ذلك أن البيان كان بإيعاز من الدوحة، ودون موافقة الأمين العام للمجلس حينها عبداللطيف الزياني.

ذلك مثال من جملة أمثلة كثيرة لمدى عدم الانضباط والاستهتار بما يمثله المجلس بالنسبة لقطر، وللاستدلال أكثر على ذلك، عرقلة صدور بيان مشترك سبق الاتفاق عليه بين دول المجلس يحدد موقفها المشترك من السياسات العدوانية الإيرانية تجاه دوله وعموم المنطقة قُبيل انعقاد القمة الخليجية الأميركية في مايو 2017.

الانضباط، والالتزام بذلك من جانب قطر هو المطلب الأول لما يقارب من 29 مليون سعودي، وإماراتي، وبحريني، وليس من المقبول أن تتحدث قطر عن السيادة الوطنية لما يقل عن 200 ألف من مواطنيها عندما تهدد سياساتها العبثية أمن واستقرار ما تمثله المملكة العربية السعودية من عمق لأمننا القومي.

وإن أرادت قطر أن تفهم من هو الضامن الحقيقي لأمنها القومي، فهو عمق انتماء جغرافيتها الملتحم بجوارها، وإن 29 مليون من مواطني ذلك الجوار هو درعها، لا من تواجد على أراضيها من قوات أجنبية.

قد نغفر لقطر بعض تجاوزاتها كمقتضى من مقتضيات السياسية، إلا أن التأسيس لمبدأ يستلزم تصالحها هي أولا مع تاريخها العبثي في حقنا قبل دولنا، وإن كانت هي جادة في المصالحة على أساس ذلك المبدأ، ليكن مدخلها رد الحقوق لأهلها.

إن أمر السيادة الوطنية هو عماد الكرامة الوطنية، ولن يتسامح بحريني مع ما طال سيادته الوطنية نتيجة عبث المال السياسي بقرار محكمة العدل الدولية فيما يخص قرار ترسيم الحدود البحرية، فما بني على باطل، فهو باطل.

الغُصة التي تحرق جوف كل بحريني منذ ذلك اليوم المشؤوم يجب ألا يسكت عنها، وإن كانت البحرين قد قبلت بالأمس ذلك إكراما لكرماء، إلا أن ذلك يجب أن يراجع فيه إكراما للبحرين التي قبلت في قمة الدوحة 1990 "بمبدأ" التحكيم من طرف واحد في ما ادعته قطر خلافات حدودية بحرية، تجاوزت فيه كل ما سبق من مواثيق واتفاقيات ترسيم حدود موثقة لدى المنظمات الدولية ذات الاختصاص، ذلك بالإضافة لتقديم قطر ما يتجاوز 80 وثيقة مزورة للمحكمة، مما يثبت سوء النية المسبقة لديها، فكيف تسقط المحكمة ما يثبت ذلك من الحيثيات، قبل قبولها الاختصاص في النظر في القضية أساسا.

هذا هو الاستحقاق الذي يطالب به كل بحريني اليوم، ويجب أن يتوقف اللبس بين تقديره لتكاليف السياسة ومبدأ الكرامة الوطنية، فذلك أمر هو فوق كل اعتبار.