يوافق هذه الأيام رحيل خلّ أصيل، وإنسان نبيل، هو الفقيد صادق النيهوم، الذي غاب عن عالمنا في 1994 بجنيف، بعد نزاعٍ مع المرض استغرق أعواماً. فلأخلّتنا، الذين ارتحلوا دَيْنَاً في رقابنا هو استعادتهم، بالذاكرة، من منافيهم، يقيناً منّا بأن غيابهم عن الذاكرة هو بمثابة ميتتهم الثانية، الحقيقية، الأسوأ من ميتتهم الأولى، الحرفيّة.

قد تُغتفر لنا خطيئة نسيان تاريخ غيابهم، ولكن ما لا يُغتفر لنا هو اغترابهم عن ذاكرتنا. وهي الذريعة التي أستطيع أن أحاجج بها جناب الضمير، حيث اقتحمت مريم خلوة سجنٍ، تحوّل في دنياي جلّاداً، لتذكّرني بتزامن تاريخ اليوم بغياب خلّ الزمن الضائع، في وقتٍ استغرقتني فكرة جديرة بمعالجة تقنيات الكتابة لدى صادق النيهوم.

ولكن.. هل هي تقنياتٌ حقّاً؟

ليس لمن أساء الظنّ بالتقنية أن يطلق على ممارسة، مسكونة في كل الثقافات بنفحة القداسة، كالإبداع نعتاً مستعاراً من طينة هذه الجنيّة التي أضحت فجأة أفيون الزمان، لأن الأنسب أن نستخدم في حقّ هذا النشاط الغيبيّ القرين للصلاة اسم: الطقس؛ بدليل أننا لا نمارسه إلاّ بحضورنا في الخلوة، مثله في ذلك مثل الصلاة. فالبُعد الطقسي في الإبداع مبدأ يترجم الهويّة الدينية للعملية الإبداعية، نجده، في المنشأ، سارياً في منطوق التميمة الملحونة، المستقيمة في أمنية هي ابتهال مُمَوسَقٌ في خطابٍ موجّه للإله. وهو ما يسري أيضاً التميمة المزبورة في صلد حجرٍ، أو المدوّنة في رقعة جلدٍ، لتبدأ انطلاقة أجناس الفنون من هذه المعالجة الحدسية للهاجس الوجودي في محاولة محمومة للإجابة على سؤالٍ يحدّد الموقف من الألوهة.

فكيف لا ينتابنا السموّ، بمثولنا في حرمٍ بهذه السجيّة الشعرية، فنتحرّر، ولو لوهلة، من واقع حضيضنا الدنيوي الملوّث بدنس النفع؟

إنها تلك الحرية التي اعتنقها النيهوم ديناً، محاولاً أن يحققها بتلك التصرّفات، الجديرة حقّاً بنعت التقنيات، فيحترف ارتداء الـ"بلوجينز"، ويحرص على التخلّص من الأحذية، ليستبدلها بالقبقاب الخالي من الرباط، واقتناء كل ما من شأنه أن يحقق الخلاص لجسدٍ هو في صفقة الوجود غنيمة لا تقدّر بثمن، ما ظلّت معجزة كالروح رهينة حضوره، عملاً بالوصيّة اليونانية القائلة "العقل السليم في البدن السليم"، التي كانت في تلك الأيام تعويذةً تراطن بها ذلك الجيل الذي انتمى إليه صادق النيهوم، وألى على نفسه أن يدقّ المسمار في نعش التقليد، كسراً لاحتكار السلطة على هبة ربوبية هي الوجود، واضعاً بذلك حجر الأساس لميلاد حداثة قرأناها في حوليات المرحلة، كمنعطف تاريخي أسقط في أوروبا أنظمة سياسية عاتية، كما حدث مع ديغول في فرنسا، أو الثورة في تشيكوسلوفاكيا، وكان من الطبيعي أن يجد هذا النداء استجابة روحٍ عفويّة ظامئة إلى كل ما متّ إلى الحرية بصلة كروح صادق، الذي تزامن وجوده بأوروبّا مع هيمنة هذه الروح في الجيل.

فكان من الطبيعي أيضاً أن يغدو صادق نموذجاً يختزل في مسلكه، وفي أسلوب وجوده، في واقع اجتماعي ظامئ إلى هذه الطينة من الحرية، مفهوم "الظاهرة النيهوميّة"، في وسطٍ ثقافي يعتنق القيم ذاتها، ولكن أقعدته العوامل الجغرافية، بل واللغوية، عن ارتياد ساحتها، لالتقاط الثمار من ينابيعها، ليتحوّل النموذج إلى أيقونة الجيل، في عقليّة لا تملك إلاّ أن تحاكيه، بوحيٍ من روح جلّاد التقليد، لا في أسلوب حياته اليومية وحسب، ولكن على مستوى إبداعه أيضاً.

والدليل؟

الدليل تتحفنا به الجملة في النصّ.

تلك الجملة التي انقلبت في واقعنا الأدبي ظاهرة آنذاك.

جملة ذات مؤهّلات حداثية حقاً. جملة تنوء بحمولات تبدو في غاية البساطة، ولكنها عصيّة إلى حدّ يصدُق في حقها التعبير الشائع عن "السهل الممتنع". فهي بقدر ما تتبدّى في طلعتها آمنة، مسالمة، بريئة، بقدر ما تنطق بالتحدّي. فهي مزمومة، مسبوكة بعناية فائقة، بذخيرة مشحونة بطاقة سحريّة، تنافس الشذرة الشعرية، في القدرة على البوح بمخزونها. وهي، لهذا، لا تكشف، إلاّ بقدر ما تخفي. لا تبوح إلاّ بقدر ما توحي. لا تجاهر إلاّ بقدر ما تخاتل، فتومئ. فهل تكمن أعجوبة صادق في موهبته كعرّاب أحجية الأحاجي، التي اعتدنا أن نسمّيها: بساطة، كأنّي به يشكو ضيق العبارة عن كشف معادلة وجودٍ، الحقيقة فيه دوماً، تقع وراء حدود اللغة؟

والواقع أن لعبة اللغة ليست كل بطولات الرجل المهووس حقاً بأسرار لغةٍ عبقريةٍ كالعربية، ليستثمر هذا الهوَس في تدريس فقه هذه اللغة بجامعات فنلندا، ويحافظ على وفائه لهذه السلطة الوجودية المذهلة دوماً، فلم يحدث أن قمتُ بزيارته في مختلف العواصم إلاّ ووجدت على مكتبه المرجع في فقه هذه اللغة وهو كتاب الثعالبي.

والواقع أن هذه الحمّى نحو اللغة لم تكن حكراً على العربية، ولكنها شغفٌ جنونيّ نحو كل اللغات، لا اللغات الحية وحدها، ولكن اللغات الميتة أيضاً، أو ما نحسب أنه لغات ميّتة، كلغة أمّة الملثّمين التي كان لها الفضل في تعرّفنا في أحد أيام الخريف من عام 1968، إبّان إنعقاد مؤتمر الأدباء الأول، ليتقدّم منّي، بعد انتهائي من محاضرة عن أدب الطوارق الشفوي، ليسألني كيف السبيل لتعلّم هذه اللغة!

لم أتخيّله آنذاك جادّاً بالطبع، وأرجعت الأمر إلى روح دعابةٍ، مستعارة من نزعة السخرية التي كانت حجّته لا في النصوص وحدها، ولكنها ظلّت ذخيرة فلسفته الوجودية أيضاً.

وكان على شخصي أن ينتظر أعواماً طويلة كي يكتشف أن رغبة صادق في ذلك اليوم لم تكن نزوة أملتها نزعة السخرية، ولكنها وعيٌ أصيلٌ بأهمية تعلّم لغات العالم القديم في الكشف عن هويّة وجودنا على هذا الكوكب، وهو الشغف الذي لمسنا آثاره في دراساته الكثيرة التي استنار فيها ببعض اللغات الميّتة. وهي النزعة المعرفية التي احتكمتُ إليها كي تعينني في إنجاز موسوعتي "بيان في لغة اللاهوت"، لتلعب فيها لغة بدائية شقيقة للمصرية القديمة، ومكوّنة للسان الليبي القديم، كلغة الطوارق، دور البطولة في الكشف عن حقيقة المصطلحات الدينية والوجودية، المتداولة في لغات كل حوض المتوسط، لتكوّن روح حضاراته.

فهل كان صادق يتنبّأ بحدَس مبدع يعتنق دين الحرية، كما يليق بكل مبدع حقيقي، هو في العرف الغيبيّ قرين نبوّة، عندما سألني في ذلك التاريخ البعيد، عن كيفية تعلّم لغة مجهولة، منفية في متاهات أعظم صحاري الدنيا، كلغتي الأمّ؟

وأحسب أن اليُتم، في بُعده الحرفي، هو الذي استقام تالياً في يُتم صادق الوجوديّ، لتتحوّل الحرية في تجربته الدنيوية هاجساً، بل قدس أقداس، لأن فقد الأمّ مبكّراً، هو ما نصَّبَ اليُتم على مستقبله وصيّاً، ولم يجد قشّة يمكن أن تروي الظمأ إلى هذه الحرية سوى الترحال، ليتقمّص قدر "أوليس" كما يليق بكل باحث عن الوجه الآخر لهذه الحرية، الذي لم يكن سوى الحقيقة. وها هو يتنكّب صليب أوليس فيستبدل بنغازي بالقاهرة، ثم يستبدل القاهرة بألمانيا، ثم يزحف صوب أقصى الشمال ليستقرّ به المقام في فنلندا، حيث ركن لالتقاط الأنفاس بجوار المخلوق الوحيد الذي قُدّرَ للرجل أن يترك بيت أمّه وأبيه ليسكن إليه، مُمنّياً نفسه بالركون إلى دفء العائلة، ولكن هيهات! فقدر الجنس من طينة "أوليس" أن يهجر حضن "بنيلوب"، ليواصل الإبحار، علّ الأسفار تشفي فيه الغليل. علّ الأسفار تقود إلى مرافئ فردوسٍ مفقود. وها هو الرجل يحرق سفنه في ليلة هيمن فيها صقيع الجليد، ليبعث بجوازَي سفر نجليه إلى السفارة في موسكو التي كانت تتولّى شئون فنلندا أيضاً، ليهاتفني بشأن قراره من فنلندا، والتخلّي عن وريثَيه لأمّهما الفنلندية لكي يقطع آخر شعرةٍ يمكن أن تربطه لا بفنلندا وحسب، ولكن بالعائلة أيضاً. وقد عبّرتُ له حينها عن دهشتي لقراره القاسي في أحد لقاءاتنا التالية، فصارحني قائلاً بأنه لم يكن ليتخلّى عن الذريّة على هذا النحو التراجيدي لولا يقينه بأن "كريم، و"زينب" سوف يكونان سعيدين في فنلندا بغياب الأب، أكثر مما سيكونان في ليبيا بحضور الأب!

كان صادق صارماً مع نفسه. وهي جمرة تعلّم احترافها وصيّة نفيسة من جناب اليُتم: اليُتم الذي لم يكن ليحرّر من الأوهام لو لم يقذف بضحاياه إلى المجهول ليستشعروا وجوداً خارج هذا العالم، لو لم يذوقوا طعم وجود اللاوجود في الواقع. وهي تجربة لم يكن لأمثالي أن يحدسوها لو لم أعش ضياعي في الصحراء في عمر الخمس سنوات، لتكون تلك التجربة منعطفاً في حياتي، لو لم تكن معراجاً، احتفر نزيفاً عميقاً في وجدان الطفل، ليرافقني الإحساس بالغنيمة الطفولية مدى الحياة، تماماً كما رافق الإحساس باليُتم صادق النيهوم مدى الحياة.

عاد صادق إلى ليبيا مطلع 1972، ولكن مقامه في أحضان الوطن لم يدم طويلاً. وها هو يُقلع من جديد ليحطّ الرحال في عاصمة الثقافة العربية بيروت منذ 1973، ولم يغادرها إلاّ عندما اقتلعته من رحابها الحميمة قذائف الحرف الأهلية اللبنانية، لينزل جنيف في 1977؛ ولم يغادرها عائداً إلى "إيثاكا" الحُلم (بنغازي) إلاّ بعد أن لفظ أنفاس النزع الأخير، لينزل ديارها جسداً محشوراً في تابوت، ولكن الروح طافت بعيداً بحثاً عن "بنيلوب" الحقيقة، "بنيلوب" الأمل الذي أضاعه في الواقع، فطاف الدنيا طمعاً في أن يستعيده فردوساً بترياقٍ اسمه الترحال. ترياقٌ اسمه الحرية. هذه الحرية التي لقّننا سجن وباء هذه الأيام درساً يقول: كم هو جحيم حرماننا منها في بُعدها الحرفي، كتنقّل في أرضٍ هي حرم الله؟

ولكن عزاء صادق أنه استطاع أن يحترف هذه الحرية. استطاع أن يدمن أفيون هذه الحرية في كل ما متّ بصلة لنشاطه الوجودي، بما في ذلك تقنية الكتابة. فقد لاحظت كيف يمارس عمله عندما اعتدتُ أن أزوره، سواء في بيروت أو جنيف أو في الفندق عندما كنّا نلتقي في طرابلس طوال تلك الأعوام العصيبة من حياة أوطانٍ زعزعتها زلازل العدميّة السياسية. فهو لم يعتد أن يحصّن نفسه بأسوار العزلة عندما يمارس قدره كأمثالنا، ولكنه طوّع إلهامه كي يتدفّق طليقاً في الحرية. وهي معادلة تبدو عصيّة بالنسبة لمن لم يخض تجربتها، ولكنها أثارت فضولي دوماً. فها هو يستقبلني في صالة الجلوس، حيث ينتصب مكتبه جانباً، في حين تنتصب في الواجهة شاشة تلفزيون مثبّت دوماً على قناة مكتومة الصوت، تعرض ألعاباً رياضية، بل هي وقفٌ على الألعاب الرياضية، أمامه فنجان قهوة، يتناول منه رشفة من حين لآخر أثناء طقس الحوار مع الإنسان الذي نصّب أفلاطون حضوره شهادة على السعادة، وهو: الصديق.

تبدأ الرحلة. يستقيم الخطاب. يتواصل السمر. يستغرقنا القصّ. تسحرنا شعريّة النصّ. نستسلم لمعزوفة الإنسان الذي لا ينشد إلاّ فرحاً، ولم يجرِ في لسانه سوى المرح. ولكن النصّ يبقى شريكاً في ملحمة الأُنس. فلحون المباراة، المحكومة بحرف الحوار، لا تعيق مسيرة النصّ الذي يشاركنا السّمر فوق المنضدة بالجوار، لأن الرجل لا يتوقف عن استجواب شجونه طوال المهرجان. يزور المنضدة. يدوّن جملة. وربّما أكثر من جملة. وربّما نصف جملة، ثم يعود ليقتعد الأريكة في المواجهة، ليستمر الخطاب، تتفتّح زهرة الروح في البُعد المفقود، فيقدح الحدس زند الرؤيا، ليتدفّق في اللسان نداء الاستفهام الخالد، الظامئ دوماً لاستجلاء الإجابة، برغم اليقين المبهم بحضور الإجابة ضمناً في ضمير كل استفهام، فلا يتأخّر قطب المجابهة عن الجود بالإجابة. الإجابة المضمرة أيضاً لقية استفهام، لأن ناموس الحقيقة هو الذي قضى بأن تتحجّب الإجابة في قناع الاستفهام، كما يتحجّب الاستفهام وراء قناع الإجابة؛ لأن في تماهيهما تسكن الحجّة التي تُبطل باطلاً يسري في حرف الواقع ليلفّق روح الواقع. والجدل لم يكن ليعقد بنود الصفقة الوجودية بين قرينين، هما كينونتين، تحتكمان إلى معجزة عضلة اسمها اللسان لكي تعينهما على المصالحة بين اغترابيهما، كي يحقّقا حضوراً وجدانياً بين روحين شقيّتين تتشبّثان بتلابيب اللغة، علّها تهوّن عليهما وطأة عزلتيهما، ليحقّقا أخيراً سعادة فردوس اسمه: العلاقة!

سعادة ملكوتٍ استنزلت فيه الربوبية حكم القداسة، كما الحال مع: الصداقة!

يتواصل الأنس. ترتفع نبرة المسّ. فيتحوّل الجليس كلّه إلى كتاب مفتوح. في قسمات مريد التيه هذا تتسم سيماء الطفولة، المغسولة بسلسبيل اليُتم القديم، اليُتم الوجودي. ولكنه يُتمٌ، بحضور الحبّ، ليس بلا ترياق. الحبّ هو الإعجاز الذي قوّض الإحساس الوجيع ليحوّله سخرية. السخرية شعرة شمشون صادق، بفضلها استطاع أن ينازل أشباحاً كثيرة في مسيرته العصيبة. السخرية نهجٌ في تجربة صادق: التجربة الدنيوية كما التجربة الإبداعية. السخرية التي تشجّع على تطويع الأشياء لكي تستعير مواهب الكرة فتتدحرج. وأن تتدحرج الكرة فتلك سلاسة ليس لنا أن نستهين بها، لأن ذلك سيهوّن علينا الإحساس بباطل الأباطيل، فلا نملك إلاّ أن نستجيب لنداء الحكيم، الذي حثّنا على أن ننفق أيام دنيانا ونحن نمارس اللهو.

المخطوط الجاثم فوق المنضدة أيضاً يستوعب منطق اللهو، وكلّما ألقَمَه الرجل نصيباً في الجملة التالية، ارتوى، واستوى في متنه الامتلاء بحمولة السخرية.

فالواقع أننا لا نكتب لكي نستمتع، ولكن لكي نتحرّر. نتحرّر لغاية نبيلة هي أن نحرّر. نحرّر النصّ لا لكي نحتفي ببهجة النصّ، ولكن لكي نحرّر وجوداً. نحرّر وجوداً مكث أسيراً في ديجور سجونٍ، هي في العرف، دوماً غيوب. دوماً بُعْدٌ مفقود. وجودٌ نستزرع فيه أنفاسنا، نبثّه شطراً من شجوننا، لكي نحقق فيه، بعون الروح، جمالاً يُحيي، ولذا فهو جنينٌ نهبه تأشيرة دخول لحرم الوجود.

وعندما يكتب الإنسان الذي كانت له الحرية معبوداً بهذه العفوية، بهذه الروح الطفولية، فإنّه إنّما يمارس لعبةً، يمارس لهواً، يمارس حريةً أخرى حرفيّة، داخل حصون حريّته الأخرى، الوجودية، فلا يكتفي بأن يحيا لاهياً، ولكنه يأبى إلاّ أن ينزف أيضاً لاهياً. إنه يعتنق دين اللهو لا على مستوى حياته الشخصيّة وحسب، ولكن على مستوى حجّته الكينونية أيضاً، لأن الإبداع ليس سوى ترجمان كينوني. فأن يتحوّل الفعل الإبداعي ضرباً من لعب، يتخلّل مراسم العلاقة مع الأخلّة، ليستوي على مراحل، مدفوعاً على أقساط، في طقس يتداعى ببطء، ولكن بسلاسة، متحدّياً سلطة واقع مدنّس ببهتان، مهيمنة على الحياة اليومية، معادية بطبيعتها للشعر، ملبّياً نداء سجيّة مهووسة بحرية الحدود القصوى، فتلك فروسيّة تبرّر لمريدنا أفعالاً ظننّاها جنساً من تقليع، كارتداء القبقاب بقصد تحرير القدم، أو اعتماد الـ"بلوجينز" كقيافة بديلة لقماطٍ مترجمٍ في صيغة زيّ تقليدي مزموم، هو في الواقع انتهاكٌ لحرمة جسدٍ طليق، انبثق من رحم الحرية، ولا وجود لضمان ألاّ يصيب بالعدوى قدس أقداس آخر هو الروح المفطورة على حرية أخرى، ذات أبعاد قصوى، ترفض أن تستودع أجنّتها الخالدة برجاً عاجيّاً استنزلنا فيه اسم "الرباط"، ونصّبناه في أدبياتنا محراباً للخلوة مع الله، وننسى أن الألوهة حرية، ولا تعترف بنبوّةٍ لم تولد في فضاء الفسحة الوَجْدية، التي تعتمد العبور معراجاً.