باللجوء إلى المثل اللاتيني Mala Tempora currunt، وأقرب ترجمة له في اللغة العربية: "المصائب لا تأتي فرادى"، يمكن القطع بأن الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة من المحتمل جدا أن تضحى حجر عثرة في طريق الاتحاد الأميركي، وليس أدل على صدقية هذا الحديث من التشويش الحادث من جراء حركة "كيو آنون"، وأهدافها ورؤاها.

ظهرت هذه الجماعة أول الأمر عبر "الإنترنت المظلم"، أي ذلك الجزء الخلفي من الإنترنت، والذي تروج فيه نظريات المؤامرة، وأعمال الجريمة المنظمة.

تدعي الجماعة المجهولة الهوية أن هناك دولة أميركية عميقة تحكم البلاد وتوجهها إلى حيث لا يريد الشعب، دولة يمتلك أطرافها بعض من أسر ورد اسمها مرارا تتحكم في بنوك أميركا وإعلامها، وفي قادتها السياسيين ومرشديها الدينيين، دولة شيطانية إن جاز التعبير.

الفكرة التي تطرحها جماعة "كيو آنون" في واقع الحال ليست جديدة، فهناك من أسس لها من قبل، وبخاصة عبر كتب رجل البحرية الكندية "وليام غاي كار"، الإنجليزي المولد، في كتبه، مثل "أحجار على رقعة الشطرنج"، "الشيطان يحكم العالم"، و"الضباب الاحمر فوق أميركا"، غير أن علامة الاستفهام لماذا يعلو صوت "كيو آنون" الآن، وماذا وراء الربط بين تلك الجماعات السرية التي يكثر الحديث عنها وشخص الرئيس ترامب؟

من الواضح جدا وعبر منشورات الجماعة السرية أنها تؤمن إيمانا مطلقا بأن ترامب هو المنقذ والمخلص لأميركا من براثن الشر الذي وقعت فيها البلاد من جراء فساد النخبة السياسية، وأن الديمقراطيين وبعضا من الجمهوريين وكذلك اليسار والفوضويين ومن لف لفهم يكيدون لترامب كيدا صباح مساء كل يوم، وجل أمرهم طرده من البيت الأبيض باعتباره يعوق مشروعاتهم ومخططاتهم للقبض على أرواح الأميركيين قبل ممتلكاتهم.

ما الذي يعنيه رمز "كيو" بداية الامر؟ هناك روايتان، الأولى قدمتها صحيفة الواشنطن بوست الأميركية وتقول فيها إنها إشارة إلى تصريح الاطلاع على المعلومات السرية للبيت الأبيض، والثانية تدعي أن اختيار هذا الحرف إنما جاء تيمنا بتسمية تصريح وصول لمعلومات عالية السرية في وزارة الطاقة الأميركية.

مهما يكن من أمر، فإن جذور الجماعة لا تزال خافية عن أعين الأميركيين وإن كانت بعض الأقلام الأميركية قد أشارت إلى أن "كيو" هو شخص حقيقي، وليس رمزا مجردا أو اعتباريا، ما يعني أنه جاسوس مندس في دائرة ترامب المقربة، وقد قرر عند لحظة بعينها في العام 2017 الكشف عن معلومات هدفها تحذير الأميركيين من مكيدة عالمية ولفت أنظارهم إلى خطة خارقة للتصدي لها.

بدا مؤكدا في الأشهر الأخيرة أن دعوة "كيو آنون" للاستعداد لما بعد نوفمبر المقبل، تتسارع وتنتشر بين صفوف الشباب الأميركيين بأسرع من النار في الهشيم، عطفا على تزايد عدد الحسابات الشخصية التي تتداول آلاف النظريات والشعارات المفتتة والمفككة لوحدة أميركا عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وبات أنصار ترامب يكتبون شعارات "كيو" على قمصانهم الحمراء، إلى جانب "أميركا أولا" الشعار الذي تجرأ به ترامب على خوض سباق الرئاسة الأميركية في 2016.

ما الذي يتسبب في قلق مكتب المباحث الاتحادية في الداخل الأميركي، والمخابرات المركزية الأميركية في خارج البلاد من تفشي روايات "كيو آنون"، تلك التي يعتبرها فريق من المراقبين أضغاث أحلام، وفراغات أوهام، فيما ينظر لها البعض الآخر على أنها لا تخلو من مساحات الحقيقة، وإن جاءت وسط عاصفة ترابية تمزج بين وباء متفشي ورئاسة مثيرة للجدل؟

الشاهد أن المخاوف تبدأ من عند الشعارات المناهضة لوحدة البلاد الفيدرالية، وتمتد إلى احتمالات إقدام بعض المتطرفين المحليين إلى ارتكاب نشاط إجرامي قد يصل إلى حد العنف.

من غير تهوين أو تهويل يمكن لحركة "كيو آنون"، أن تضحى حاضنة تضم أنصار اليمين الأميركي المتشدد إلى حد المناداة بالانعزالية، في الداخل الأميركي عينه، وموطنا معنويا للحركات النازية التوجه، والتي تقول بتفوق الجنس الأبيض على ما سواه، ضمن إطار حراك مناهض لفكر "الاستبلشمنت" أي المؤسساتية الأميركية، والداع إلى حرب أهلية لتقسيم البلاد.

المتابعين لحركة "كيو آنون" يرون إعادة ترامب بعض من تغريداتهم، فيما "إريك" ابن ترامب الأصغر من زوجته الأولى كتب أحد شعارات الحركة في منشور له على الإنستغرام قبل أن يقوم بمسحه، أما المفاجأة فإن الجنرال "مايكل فلين"، أول مستشار للأمن القومي يعينه ترامب، فقد نشر مقطع فيديو يكرر فيه شعارهم ما يعني أن هناك "وصلة" ما بين الطرفين.

أما الامر الذي لم يلتفت له الكثيرين، فيتمثل في لافتات الجماعة التي ترتفع في التجمعات وكتب عليها: "حيثما يذهب أحدنا، نذهب جميعا".

هل نحن أمام رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر لشعار "الفرسان الثلاثة"، في رواية الفرنسي العظيم "ألكسندر ديماس الأب".. وهل أميركا على عتبات فترة مشابهة لتلك التي عرفتها فرنسا وقت كتابة الرواية الخالدة؟

أتباع "كيو" على قناعة بأن ترامب وجه إليهم إشارة، حين حذر الصحفيين من "الهدوء الذي يسبق العاصفة"، ما يلقي ظلالا من المخاوف على عملية الانتخابات الرئاسية القادمة وموقف ترامب منها، وبخاصة إذا أخلفه الحظ، وأوفى لغريمه.. جو النعسان.