قد تشبه ظاهرة الرجل، ولو بوجوه وظروف مختلفة، ظاهرة الفرنسي إيمانويل ماكرون، ذلك التكنوقراط الذي أتى به الرئيس فرانسوا هولاند وقربه منه، فاستقال من منصبه الوزاري، وارتجل حزبا سياسيا، "الجمهورية إلى الأمام"، خاض من خلاله حملة الانتخابات الرئاسية في بلاده، فأطاح على نحو صاعق بمرشحي الأحزاب العريقة، يمينا ويسارا، وفاز بعقد من خمس سنوات في قصر الإليزيه (23 أبريل 2017).

وحين التقى الرئيسان التونسي والفرنسي في باريس في يونيو الماضي، بدا أن كيمياء مشتركة بين الرجلين سلطت المجهر من جديد على قيس سعيد بصفته رجل الدولة الأول الذي يود النهل ربما من ذاكرة الحبيب بورقيبة الذي قاد تونس بصفته زعيما ورئيسا وأباً.

ما قاله سعيد في باريس في شأن رؤيته للأزمة في ليبيا كان خطابا للداخل التونسي يلقيه من الخارج يقلب توجهات حركة النهضة وزعيمها، رئيس البرلمان، راشد الغنوشي. بدا أن الرجل في قصر قرطاج يؤكد لتونس والتونسيين أن للبلد راع منتخب يقرأ راهن بلاده من خلال مزاج تونسيين ومن خلال مكان تونس ومكانتها في المشهدين الإقليمي والدولي.

قال الخصوم والمؤيدون الكثير عن سعيد حين قام بعملية إنزال مفاجئة حطت به في "قرطاج". قيل إنه إسلامي، شعبوي، تكنوقراط، وابن الدولة العميقة وأوصاف أخرى تروق لهذا وتناكف ذاك. بيد أن من مؤهلات الرجل (وهذا مهم جدا في بلد يسعى للاهتداء إلى "دولته الفاضلة") أنه خبير بالقانون الدستوري على نحو أتاح له، بحنكة وحرفة، الالتفاف على محاولة حركة النهضة للانقلاب على رئيس الحكومة الياس الفخفاخ.

طلب سعيد من الفخاخ الاستقالة. سقطت ورشة الغنوشي وصحبه لسحب الثقة من رئيس الحكومة، وعاد أمر تكليف رئيس جديد للحكومة، وفق هذا المعطى، إلى قصر قرطاج دون أي تأثر بميزان قوى كانت النهضة تريد فرضه على تونس.

على أن الخبير الدستوري، رئيس البلاد، هو أول من أفتى في باريس في شأن الشرعيات في ليبيا التي لطالما أربكت عواصم كبرى. قال الرجل بكلمات مدروسة: "السلطة القائمة في طرابلس تقوم على شرعية دولية، ولكن هذه الشرعية الدولية لا يمكن أن تستمر، هي شرعية مؤقتة، ويجب أن تحل محلها شرعية جديدة، شرعية تنبع من إرادة الشعب الليبي". انتهت الفتوى، ووفقها ستبنى خطط ومشاريع.

ورغم الصخب الدائر في تونس، والذي يكتشف الرأي العام العربي من خلال الإعلام ضراوته، إلا أن السجال يأخذ أبعادا تبيحها اللعبة الديمقراطية، حتى لو باتت أسلحة هذا السجال أكثر خبثاً.

وفق آليات الدستور وحده، يسعى البرلمانيون لإزاحة الغنوشي عن رئاسة البرلمان. وفق هذه الآليات سعت النهضة لإزاحة الفخفاخ. ووفقها أيضاً نجح سعيد في إخلاء موقع رئاسة الحكومة وفق شروطه. وعلى هذا، وعلى رغم التوتر المتصاعد، ما زالت تونس تتميز بتجربة فريدة رائدة مقارنة بتجارب بلدان في المنطقة سقطت أنظمتها السياسية منذ عام 2011 وتحولت إلى بؤر من حروب ومآسي.

يعبر الصخب التونسي عن لحظة تاريخية تونسية بيتية تعكس من جديد هذه الخصومة القديمة بين تونس البورقيبية والمشروع الذي يريده الإسلام السياسي لهذا البلد.

خيّل لحركة النهضة أن "ثورة الياسمين" (2010-2011) ستُسقط تونس داخل مخالب إسلاموية كانت بدأت تزدهر في بلدان المنطقة وتحظى بسريالية بقبول ماكيافيلي دولي.

بيد أن تونس نفسها، بما تختزنه من زاد في التجربة والثقافة والهوية، هي التي تولت التصدي لهيمنة "النهضة" وجماعاتها المتفرخة، وهي التي وضعت حدودا ورفعت أسوارا أمام "إخوان تونس" وزعيمهم، بحيث بات محرماً اللعب خارج تقاليد تونس وقواعد دستورها.

سيواصل التونسيون جدلهم الداخلي سواء في الذهاب إلى تشكيل حكومة جديدة أو إجراء انتخابات تشريعية مبكرة. لا تريد تونس ونخبها ورئيسها أن تستعيد "النهضة" وظلالها الإسلاموية أحلاما تنفخها عثمانية رجب طيب أردوغان الجديدة أو آمالا تبشر بها "الجماعات" في ليبيا. صحيح أن أهل تونس "أدرى بشعابها"، إلا أن الخارج يتأمل يوميات تونس ويحرص على تجربة هذا البلد.

وسواء في اهتمام صندوق النقد الدولي، أو احتضان دول الاتحاد الأوروبي (وفي طليعتهم فرنسا)، أو في خطط "أفريكوم" التابع للحلف الأطلسي، فإن لتونس، وخصوصا هذه الأيام، قيمة جيوستراتيجية، وربما فائضة، يدركها قيس سعيد ويعمل التونسيون وفق حقائقها.

تونس لن تكون نموذجا منعزلا ماضويا، هي بنت الحداثة ولو كره الكارهون.