وأنست القاهرة في ذلك الوقت لمزاج العرب وراحت تركز الجهود على "مصر أولاً"، ذلك أن الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك جعلا من النظام السياسي المصري مناقضا ومتبرّئا من ذلك في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان يرى أن إدارة شؤون القاهرة تحتاج إلى سياسة مصرية عربية شاملة.

في السابق قيل إن الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990) لم تكن لتنفجر لو كانت مصر حاضرة، ولم تكن وصاية دمشق والاجتياح الإسرائيلي (1982) لتحدث بهذا الفجور لو كان للقاهرة نفوذ فاعل ومتمدد وفق النسخة الناصرية. ولئن كان في الأمر ربما مبالغة حالمة، لكنه يعبر عن توق لدور مفقود تقصدت مصر عدم الاضطلاع به حتى بعد عودتها إلى "حضن" العرب.

وكنت قد زرت القاهرة قبل سنوات بعد التغيير الكبير الذي حصل في مصر بعد "ثورة 25 يناير". واستنتجت، من خلال لقاءات مع شخصيات رفيعة، أن مصر تفكر مصريا وليس عربيا، وأن البراكين التي فجرها "الربيع" المزعوم تدفع القاهرة لمزيد من المحلية في رؤيتها. حتى أن بعض القراءات التي سمعتها لما يجري في المنطقة كانت تعكس تهميشا للمتن العربي وانشغالا مفرطاً بالحكايات الداخلية، وفي مقدمتها الاقتصاد.. الاقتصاد.

بيد أن قدر التاريخ يعبث بالراكد ويقلب لوحة الحسابات. كانت منابر القاهرة تردد أن أمن سوريا والعراق مثلا هو من أمن مصر. بيد أن ذلك الشعار بدا غير جدي ويعود ربما إلى ثوابت سياسة بائدة كانت الوحدة السورية المصرية (1958) والسجال بين البعث والناصرية (في الحالة العراقية) أمثلة على تجلياتها. وظهر أن القاهرة في السنوات الأخيرة لا تملك الإرادة، وربما لا تملك القدرة، على الإدلاء بدلو مختلف في تلك البلدان كما في لبنان واليمن وغيرها. وكان واضحاً أن موقف القاهرة من السلوك الإيراني، بما هو موقف متواضع منخفض، يجاري التصاق مصر بمصريتها والتمسك بأولوياتها.

ولئن اضطرت القاهرة إلى توسيع دائرة حراكها الإقليمي في السعي لمكافحة الإسلام السياسي وأذرعه الإرهابية في مصر، فإنها مع ذلك حافظت على نقطة توازن تقارب من خلالها بحذر أي تدخل مباشر خارج حدود البلد. وإذا ما ضاقت حدود الأمن الاستراتيجي عن تلك التي كانت معلنة إبان العهد الناصري، فإن موقع مصر ودورها الساكن، بات من ثوابت الخرائط الإقليمية، على النحو الذي أباح لطهران وأنقرة أن ترسم خططا وتنفخ طموحات وفق هذا المعطى المقدس في ثباته.

غير أن شيئا ما قلب ذلك الثابت وأسقط ذلك المقدس. تعبر كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي في التوقيت والموقع (في حضرة العسكر في المنطقة الغربية) عن انقلاب حقيقي في الرؤية التي ترى القاهرة من خلالها المشهدين الاقليمي والدولي. باتت مصر تلوح بوضوح بذراعها العسكرية وتلمح بأن ما يمتلكه جيشها من قوة عاد ليكون ساعدا حيويا في السياسة الخارجية المصرية.

وصحيح أن مناسبة خطاب السيسي ليبية بامتياز، إلا أن لتلك المناسبة أعراضا جانبية واضحة ومباشرة تطال أزمة مصر الخطيرة مع أثيوبيا المتعلقة بسد النهضة. فإذا ما قررت القاهرة نقل كامل ملف النزاع إلى مجلس الأمن، فإن "إيقاظ" العسكريتاريا في عقيدة مصر الدبلوماسية ستأخذه الأطراف المعنية (وليس أديس أبابا وحدها) بعين الاعتبار.

وجدير ملاحظة أن ما تسرب من خطاب السيسي لا يمثل لحظة مصرية فارقة فقط. فالتطور يكشف عن إعادة تموضع واسعة إقليمية ودولية بدت جلية في ما صدر من مواقف خارجية داعمة. سبق لموسكو وواشنطن الترحيب بالمبادرة المصرية لإيجاد تسوية في لبيا، فيما يتقدم الموقف الفرنسي (الأوروبي ربما) ملتحقا بذلك المصري لرفع بطاقة حمراء أمام تمدد تركي نهل قوته من غياب حازم لمواقف دولية رادعة.

تحدثت مصر، بلسان رئيسها، عن جيش قادر على حماية أمن البلد في "الداخل والخارج". فجأة أدلت باريس بدلو لافت، على لسان رئيس أركان الجيش البري تيري بوركاد، تحدثت فيه عن استعدادات عسكرية فرنسية لصدام "دولة ضد دولة".

قد تعلو جلبة العسكر، لكن العواصم تسعى لإعادة ترتيب عبث وفوضى فاض عن المسموح والمباح في لعبة الأمم.