ففي ميثولوجيا مصر القديمة محفل الآلهة مكوّن من تاسوع. وفي ميثولوجيا اليونان القديمة محفل ربّات الفنون مكوّن من تاسوع أيضاً. وmnemosyne (منيموزينا) هي أُمّ محفل هذا التاسوع، وسليلة زيوس إله الآلهة، وربّة الذاكرة. ومن بُنية هذا الإسم المركّب استعار العقل الميثولوجي اليوناني مفهوم الـ " "muse، الدال على محفل آلهات الفنون التي حرّض سقراط بالإحتكام إلى ساحتها، بوحيٍ من ملاكه الحارس، بدل التعامل بعملة خاسرة كالفلسفة!

ولما كنا قد نصّبنا اللغة كوحدة قياس في كل ما متّ بصلة لظاهرة كالوجود، فليس لنا إلاّ أن نتشبّث بتلابيبها، لاستطلاع الدلالة الخفيّة التي تسكن الرقم التاسع في حساب الأعداد. ففي الليبية القديمة، وكذلك في شقيقتها المصرية، نجد كلمة "تزّا" للتدليل على ذخيرة الرقم التاسع، كما تجري إلى اليوم في وريثتيهما لغة الطوارق. وعلّ المثير للفضول يكمن في دلالة الحمولة التي تنوء بوزرها الكلمة وهي: "الإكتمال"، أو استكمال شروط الكيان. لماذا "الكيان"؟ الكيان هنا ذروة الرحلة، المنطلقة من مجاهل الصفر، في ملحمة عبور لفيف الأعداد، تعدّد الكمّ، في المسير إلى أعلى، يحدّد حصيلة الصعود، لينتهي، لا إلى الرقم العاشر، كما نتخيّل بعقليّتنا الرياضية التي تعتمد الحرف قياساً، ولكن نهاية مطاف الحسبة يستوي في الرقم التاسع بالذات، ليستعير بهذه الخاتمة تلك القداسة التي استنزلتها في حقّه ثقافات كل الأمم.

من حقّنا هنا أن نتساءل: لماذا لا يحقّ للرقم العاشر في الحسبة أن يفوز بشرف هذا الختام الجليل إذا كان هو ما يلي الرقم التاسع؟

ولكن اللغة التي سنّ ناموسها دهاة العقل البدئي اعتمدت شرعاً آخر لا يخلو من منطق، وهو كون الرقم العاشر، في سيرورة المسير، بمثابة ميلاد، لرقم جديد، مستعارٌ بطبيعته من مراتب السلّم السالف له. أي فقدانه لحقّ السموّ، الدالّ على الإكتمال، وبالتالي حقّ الإنتماء إلى شرف الكينونة، بسبب انتهاء صلاحية ربوبية كالأحدية، وبداية الإزواج بالرقم العاشر. أي أنه يستعير هوية كانت في عرف الغيوب دوماً بمثابة شِرْك في التثنية، باعتبار الأخيرة خطيئة، وعودة بالحساب إلى الوراء، بعون ما سلف من أرقام، المعادِلة هنا للسقطة الروحية، لأن اللجوء إلى التكرار، ليس مجرد مكيدة هنا، ولكنه خيارٌ لا أخلاقي. وهو ما يعني في المحصّلة، بداية صفحة جديدة، لن تعني سوى الإعتراف بميلاد جديد. وهو ما عبّرت عنه لغة عبقرية بدْئيّة كلغة الطوارق الوريثة للسان الليبي القديم، في كلمة "مراو" الدالّة على التبشير بوجود ميلاد جديد. هذا في حين أجمعت لغات العالم القديم على التأكيد بحدوث هذا الحدث الكينوني في منطوق الرقم التاسع، كما يرد في "ennea" اليونانية، التي استعارت منها هذه اللغة إسم الكينونة في "einai" كما اعتمدت اللاتينية، وكل اللغات الأوروبية المنبثقة عنها، هذا المفهوم الدال على مبدأ الإستحداث (لأن الكينونة في يقين الأوائل رديفٌ لاستحداث)، في كلمة "novem"، لتترادف في هذا البعد مع مفهوم "تَزّا"، الدالّ أيضاً على الكينونة في مستوى الإكتمال؛ ومبدأ الكمال هنا هو الحجّة التي اعتمدتها كل لغات العالم القديم للبرهنة على ألوهيّة الرقم التاسع في حساب الأعداد، باعتباره هو مسك ختام، وكلّ ما يليه هو استعادة للدورة الكينونية، لإنتاج نسخ مكرورة، من أصل هو حدث مُستحدث، أو كمال كيان.

فالرقم العاشر، وكل ما يليه من أرقام، لا يعود يحتفظ بامتياز البُنية، كما الحال مع الرقم التاسع، ولكنه يصير صفقة ملفّقة من رقمين هما الصفر، ثم الواحد، لينفي عن نفسه هوية الأحَديّة، التي تبقى حكراً على التاسوع، بسبب امتلاك الأخير سلطة تنطلق من عمقه المختزل لكل ما سبقه من أرقام، ليغدو وحده حصيلتها، أو صيغتها، أي الإستواء في قيمة حاسمة، مستكملة لشروط الكمال.

فشعرة شمشون في التاسوع تكمن في طبيعة الترقّي، طبيعة الإرتقاء إلى أعلى، عبر عتباتٍ هي أرقامٌ تغذّي النموّ، في بُعده كتطوّر، ينطلق من حضيضٍ نحو قمّة، ليشيّد، في سيرورته، منازل، الأرقام السفلى فيها تسري، بل وتتغلغل عميقاً، في عروق الكيان الصاعد، لتتماهى به تماهياً لاعتناق دين الأحَديّة، لأنها لا تُشرك بالواحد الأحد بوصفه طرفاً تستعيره من خارج نظامها الخاص، على طريقة الأرقام المغتربة عن الحقيقة، التي تبتديء من الرقم العاشر، وتمضي إلى اللانهاية. إنها وحدها في غنى عن هذا، لأنها مكتفية بما كسبت عن حقّ، وهي، لهذا أيضاً، بما كسبت رهينة!

يكفي التاسوع مجداً أنه يختزن في سريرته الصفر المسكون بالذخيرة الغيبيّة، لأن الصفر دوماً ذو طبيعة غيبيّة، ثم بالواحد، المسكون بالوحدانيّة، ثم بالتثنية، المسكونة بالعلاقة، ثم بالثالوث، المسكون بسلطان الأنثى، ثم بالرابوع المسكون بروح العناصر الأربعة، ثم بالرقم الخامس، المسكون بالثروة التي سخّر لها الحكيم بلوتارخ بيانه المثير للفضول، ثم التسديس المسكون بالإمتلاء، المجبول بطلسم أيام الخلق الستّة، ثم السابوع، المسكون بروح أُمّ العالم، الربّة "تانيت" أو "أثينا"، ثم أركان التثمين، الذي يعمّد قرب حلول المعجزة، لأن التثمين في اللغة تعميد، ليحلّ في الحرم التاسوع، الذي يستكمل فصول تلك الأحجية التي طال انتظارها، بعد عبورها لمنازل التسعة (أشهر)، ليستوي الجنين في الميلاد! ميلاد الكينونة بالطبع. ميلاد تنعتهُ اللغة مرّتين بـ einai اليونانية الدالة على استحداث حدث كان حتى تلك اللحظة مغترباً، وحدوثه بمثابة تحرّرٌ من غياب. خلاصٌ من مجهولٍ هو عدم. وخروجٌ إلى الواقع الحرفي مجسّماً، متنكّراً لبطن التاسوع كـ ennea، الدالة في اليونانية على منطوق الرقم التاسع في حساب العدد، المستعارة أصلاً من الـ einai الدالّة على الوجود كاستحداث، كـغنيمة ميلاد، بعد اختمار ذلك الجنين الغيبيّ الذي لم يكن ليستكمل شروط الكينونة لولا تدخّل سلسلة حمولات، هي ذخيرة تنوء بوزرها الأرقام، في رحلتها من الصفر، حتى تستقيم في عود التاسوع، الذي لم يكن ليفوز بشرف القداسة إلاّ بسبب هذه السيرورة الوجيعة نحو الكمال الأعلى، لنقف شهوداً على صواب وصية الحكيم أبو بكر الشبلي القائلة: "إنّي أغار على القديم أن يراه المحدَث". ما معنى "المحدث" هنا؟ المحدث هنا يعني المستحدث نفسه الذي أقرّه دهاة اليونان القديمة كرديفٍ حرفيّ لأمرٍ جلل هو: الميلاد، المعادل هنا لقيام الكيان، أي لاكتمال الكينونة، المستعارة من الكيان، ليشترك مع منطق الرقم التاسع في الحساب بالفحوى أيضاً، المترجمة ennea. كل ما هنالك أن الشبلي استبعد السين، كحرف تعدية، من الإستحداث، وورّثنا الوصيّة في "مُحدَث" مجردة، للتدليل على استحضار صنيع. صنيع مصنوع بمشيئة صانع. والصانع هنا هو المبدأ الذي خلع عليه إسماً غامضاً هو: القديم. ولأنه غامض فقد اعتمدته لغات العالم القديم كلقب يليق بصانع الغيوب، الذي أبدع لنا الإحداث، ليستحدث فيه المحدث الذي نصّبه خليفةً له على هذا الكنز الجسيم، على: تكوين استقام الآن في كينونة، كينونة لم تعد دسيسة حدس، ولكنها غدت غنيمة حسّ أيضاً. والغيرة من مشاهدة هذا القديم مبرّرة تماماً، لأنها كفيلة بزعزعة الثقة في الناموس الذي نصّبته الطبيعة الغيبيّة قاضياً يحكم لا الكينونة وحدها، ولكن ماوراء الكينونة أيضاً. لأن الرؤية تجديفٌ في حقّ هذا الناموس، والبديل الجدير بأن يخلفها في عرش الحضور في حضرة القديم هو الرؤيا، وليس الرؤية.

ولم تكن العربية اللغة الوحيدة التي اعتمدت القديم إسماً للصانع الجليل، ليغدو عضواً في محفل الأسماء الحسنى، ولكن لغات التكوين أيضاً. وها هي الليبية القديمة، وشقيقتها المصرية القديمة، تطلق إسم: هرو على ربّ الأرباب في الميثولوجيا القديمة، إستعارةً من يرو الدالّ في هذه اللغات على القدمة كمفهومٍ وجودي، حرف الهاء في اللغتين يعني بيت، أو مأوى، أو معقل، لتغدو الترجمة: بيت القدمة، كناية عن ربّ أرباب التاسوع.

فإذا كان مفهوم الإستحداث، الذي نسمّيه الجديد، هوνέος (neos) في اليونانية، هو اشتقاق من منطوق الرقم التاسع فيεννέα(ennea) اليوناني، ليتزاوج معειναι(einai) الدالّة على الإستحداث في لغة التكوين، كما تجري في لسان طوارق اليوم، ليشترك اللسانان في وحدة الدلالة الكينونية للمصطلح، كما هو مطروح في einai اليونانية الدالّة على: الحضور في مجال الوجود.

هذا في حين لا تتأخّر اللاتينية عن اقتباس ذات الروح التي توحّد بين منطوق الرقم التاسع في الحساب، كما في novem ، وبين مدلول الإستحداث، في بعده الوجودي، في novus كترجمة لمنطوق الرقم التاسع، لتعتنق اللغات الأوروبية هذه العقيدة، فنجد الألمان يسمّون الجديد بـ neu ومنطوق الرقم التاسع بـ neun، وفي الإنجليزية الجديد هو: new، والرقم التاسع هو nine، أي الكلمة نفسها، والإسبانية تستخدم الصيغة ذاتها التي تزاوج بين منطوق هذا الرقم المقدّس مع منطوق الكلمة الدالّة على حداثة حدوث الحدث في بعده الكينوني، كما في nueve و  nuevoوكما في الفرنسية فمنطوق الرقم neuf و nouveau كجديد، وكما في الإيطالية فمنطوق الرقم هوnove  ,و  nuoveالجديد، وفي البرتغالية منطوق الرقم هو  noveو novo كاستحداث. والمثير للفضول ما تطلعنا به اللغة العربية في هذه الصفقة الغيبية. فبتأمّلٍ لمنطوق الرقم تسعة نكتشف أن العين فيه مجرّد إبدال من أصلٍ هو الهمزة التي تتحوّل ألفاً في نهاية الكلمة. والدليل في هذا التعاقب الشائع تترجمه لنا الأبجدية التي تختطّ الـ "ع" كهمزة "ْْء" مصغّرة لتوحي لنا بوحدة هذين الحرفين في أرومتهما. والبرهان على ذلك هو أن هذه الهمزة في أسماء عجميّة مثل "إيمانويل"، أو "أوليس" أو "إليس" تتحوّل في العربية عيناً "عمانويل" و"عوليس" و"عليس" إلخ. ولذا فإن الأصل في كلمة "تسعة" العربية هو: "تسّا" (بتشديد السّين) التي تعني في اللغة البدئية حرفياً: الإمتلاء. الإمتلاء لا في بُعده الروحي، ولكن في مدلوله الحرفي. أي حمولة بطن الأمّ للجنين: جنينٌ بمواصفات مجازيّة، مسكونة بلمسة إعجاز، كما الحال مع حدوث حدث ذي بُعدٍ كونيّ كميلاد الكينونة. والفضل في الكشف عن كل هذه الذخائر التي تسكن مفاجآت في العلاقات بين اللغات، إنّما يرجع للسان البدئي كما أطلقتُ عليه في موسوعتي "بيانٌ في لغة اللاهوت" بأجزائها السبعة، الصادرة منذ ربع قرن، لأنها القاسم المشترك الأعظم الذي قوّم المفاهيم في اللغات، بعمودها الفقري المتمثّل في الحرف الساكن الواحد، لننتهي بعونها إلى حقيقة كون ما اعتدنا أن نعامله مجرد كلمة في اللغات المتداولة، إنما هو جملة كاملة، ملفّقة من عدة كلمات، معناها مغترب، لأنه غنيمة لغة أخرى منسيّة، بحيث أضحت حمولة معنوية في أيّ خطاب، في أية لغة متداولة، سرّاً مستغلقاً، مفتاحه ضائع، لأنه يسكن لغة عبقرية أخرى مجبولة بروح التكوين، استطاعت أن تنحت من ثروة الواقع الحسّي، المفاهيم الحدسية المجردة، التي نستعملها اليوم، في حين نجهل الحقيقة الشعرية التي تسري في أرومتها. ومن حقنا أن نتساءل لأيّ سببٍ صار منطوق الرقم التاسع، في كل هذه اللغات رديفاً لاستحداث حدثٍ مستحدثٍ كالكينونة؟ لأن المنطوق يترجم ذخيرة المنطق. والمنطق هو اللسان باسم الحقيقة. ولهذا نفهم الأهمية الحاسمة التي تغنّى بها فيثاغورس في شأن دور الأرقام في استجلاء هذه الحقيقة. والتسعة هي سلطان كل الأرقام، لأنها استوعبت ذخيرة كل الأرقام التي سلفتها، لتُبطل هي مفعول الأرقام التي تليها، لأنها كلها مجرد تكرار لفحوى ما سبقها حتى لو استعارت في كمّ الأعداد أبعاداً فلكيّة. وفي هذا يكمن سرّ العالم، يكمن سحر العالم، يكمن شعر العالم. الشعر الذي يعزّينا في إحساسنا بالملل، الناتج عن باطل أباطيل هذا العالم. كأن روح العالم القديم تأبى إلاّ أن تحتفي بميلاد كل كائنٍ إنساني رهيناً بالتسعة أشهر، لتغدو هذه التسعة رقماً يترجم اعترافاً حرفياً صريحاً في الحضور قيد هذا الوجود بوصفه حدثاً كينونيّاً مستحدثاً مشفوعٌ بحداثة العهد. ممّا يبرهن على سلطة التاسوع في تأسيس مفهوم الكينونة، كاستحداث لواقع لا وجود له في حرف الواقع، أي ولادة عصيّة، من مجاهل واقعٍ غيبيٍّ رهين عدم قبل حدوث هذا الحدث الذي لا نملك إلاّ أن نعترف به مصنوعاً. مصنوعٌ يستميت كي يستعير لنفسه هوية شاهد عيان، من حقّه أن يرى. يرى بعدسة حسيّة، ولكنها سحرية، كما هو الحال مع العين. سحرية تميت كل ما استظهر في مجالها، والإستظهار هنا قرين استحداث، مما ينزّه الصانع، كرهين قدمة هي دوماً قرينة حكمة، عن التنازل، ليعتمد الرؤيا في الصفقة، منطق حدسٍ رأسماله الرؤيا، وينكر، بالمقابل، الرؤية كحجّة حسّ، لأنه وحده المخوّل بأن يرى، بوصفه الصانع، الجدير بأن ينصّب نفسه شاهداً على صنيعه: "ورأى الله كل ما عمله، فإذا هو حَسَنٌ جداً، وكان مساءٌ، وكان صباحٌ يوماً سادساً" (التكوين: 1، 31).