ولكنها، من جانب آخر، تستطيع أن تتحول مرآةً بوسعنا أن نرى فيها أنفسنا. فإذا كان هذا حال كل عين، فكيف سيكون الحال مع عين ذلك المخلوق الذي نصّبته الأجيال نموذجاً للجمال، كما هو الحال مع الجواد؟.

فإيماء الدهاء الذي يسطع في مقلة الجواد ليس مجرد فتنة، ولكنه رسالة. رسالة تكشف القناع عن مجهول، عن غيوب، عن بُعدٍ مفقود. ولهذا السبب تستهوينا، تُدهشنا، تغوينا. ربما لأننا مسكونون بطينة ذلك البعد المجهول، المفقود، ولا يفتننا إلا لأننا اغتربنا عنه، ليغدو في نظرنا حلماً أطلقنا عليه في أدبياتنا: الفردوس الضائع.

وعين الفرس وحدها استطاعت أن تترجم لنا درس الحَدَس المدسوس في وميض ذلك الايماء الذي لا يتردد في أن يخاطبنا بلسان الرؤيا. وعلّ من يشاهد معالجات الفنانة إبتسام أبو عنان لِمُقلةِ الجياد يستطيع أن يدرك كم هي هاجس في وجدان الفنانة هذه العين، بدليل هذا الهوَس المكرور، بل والمحموم، في رصد هذه المقلة، كأنها تختزل الوجود برمّته، لتُسكنه جنات العين: عينٌ ليست ككل عين، ولكنها عين ذلك المخلوق الذي لم يكن ليغدو المثال الذي تتغنى بحسنه الأجيال، لو لم يفلح في اختزان الحقيقة، المغتربة عن عالمنا، ليكون وَصيّها المفوّض وحده بحفظها حصناً حصيناً ماثلا في حرم مُقلةٍ تحدّق فينا بسُلطانٍ لا يُقهَر هو: الجمال!.

الفنانة أبو عنان تتغنّى بجيادها وتصفها بأنها ليست مسرّجة. فماذا يعني أن تكون الخيول غفلٌ من سروج؟ هل يكفي أن نقول أن هذه الأجرام الأسطورية، بغياب السروج، طليقة؟.

هي بالطبع طليقة، ولكنها فوق ذلك، معصومة: معصومةٌ من بصمة. معصومة من توقيع. معصومة من ختم. معصومة من وَسْم. معصومةٌ، أخيراً، من دنَس!

أي أنها فطرة. أي أنها أحصنة، لأن الحصان في اللغة مستعارٌ من حَصَانة. فالأحصنة هنا، في موقف الخلاص من السروج حصونٌ حصينة. أي منيعة. والحصن المنيع في المفهوم رديفٌ لكلمة تميمة. التميمة كملاذ ذي حدين، لا يكتفي بأن يُجير نفسه من العدو، لكنه يجير كل من وقف في حرمه شاهداً. شاهد العيان هنا ينال نصيبه من الغنيمة أيضاً.

سيّما إذا آمنا بأن الحصانة في حال الصفة، في صيغة المؤنث، تعني العفاف. فإمرأةٌ حَصَانٌ، في العربية، تعني إمرأةٌ عفافٌ. أي أنها معصومة. معصومةٌ من الدنس. هنا نطرق بوابة حرم. نحن الآن حللنا في محراب قداسة. القداسة التي راهن الجمال دوما كي يكون في معبدها سادناً.

ولو تأملنا موقفنا مليّا لاكتشفنا أننا أضعنا في حمّى فتنتنا بالحصانة، حلقة أخرى مفقودة في الصفقة. فلا يكفي أن نعتنق دين الجمال، ما لم يكتمل درس الكاهنة "ديوتيما" التي لقنت حكيم الأجيال سقراط أبجدية الحبّ. فغياب السرج رهين فضيلة أخرى هي غياب اللجام، لأن غياب السرج في المعادلة نتيجة وليس سبباً. نتيجة لغياب الزمام كحرف أول في أبجدية العبودية. أي أنه تصريحٌ ببيان يبرهن على حقيقة. يبرهن على رفض واقعٍ مشبوه. رفضٌ لواقعٍ منكر، هو الاغتراب عن الفطرة. عن الحرية.

فالحصان بلا لجام مشروعٌ ملتَبَس. فهو بهذا الشموخ، بهذا الجموح، بهذا الاستكبار، يقع في بُعْدٍ خارج اللعبة. خارج العلاقة. إنه منذ الآن مهدّدٌ حقّاً، و لكنه يفاخر بنجاةٍ من شَرَك. يفاخر بخلاصٍ من تدجين، برغم شبح الخطر، ليجسّد برغم الخطر تحدياً، لأن الجمال إذا طغى هو علّة ألم. الجمال خارج سلطان الزمان لا يُحتمل. الجمال حتى في حرفه جُرحٌ.

الجمال حتى في طلعته مُميت، فكيف إذا تسلّح بالحضور في الملكوت؟ هنا، في هذه الوقفة، نعبر في رحلتنا البرزخ، لنستطلع مراسم القران المقدّس في البعد الضائع، في الفردوس الضائع، لأن البُغيَة تكتمل ما أن يتماهى عنصر الجمال، في مخاطرته الجسورة، بعنصر الحرية!

هذه هي الدلالة الخبيئة وراء ملاحظة المبدعة التشكيلية عن غياب السروج في محفل جيادٍ، هي هنا ليست مجرّد جياد، و لكنها هاجسٌ مسكونٌ بذخيرةٍ كانت ستسرّ لنا بالمزيد فيما لو أحسنّا استنطاقها، يقينا منّا بأن الحرية هي المرشد الوحيد الجدير بأن نسلّمه زمام أمر الجياد، زمام أمر الجمال، لكي يلج بنا بوابة الحقيقة، تماماً كما كان أخيلوس دليلاً لأوليس في العبور إلى متاهة العالم السفلي، كما كان فرجيل دليلاً لدانتي في اجتياز العتبة الأولى في سلّم المهزلة الإلهية.