بعض الأمثلة التأريخية لتحديات شبيهة كانت مثلا في عقدي التأسيس، العشرينات والثلاثينات، عندما عانت هذه الدولة من وجود منافس لها في السلاح واستخدامه متمثلا بالعشائر، لكن هذا التحدي كان خارج بنيتها المؤسساتية واستطاعت تجاوزه تدريجيا، لتحتفظ حتى في أوقات مواجهته بوحدة قرارها كدولة وانصياع مؤسساتها المختلفة لقراراتها.

تمثل التحدي التاريخي الآخر، وكان مؤسساتيا، من داخل بنية الدولة نفسها كما تحدي اليوم، بصعود الروح القومية بين ضباط الجيش وتمظهره بتهديدات ورغبات ومحاولات انقلابية بدءا من الثلاثينات عندما واجهها النظام الملكي، وانتهت بانقلاب عسكري لم يتحسب له هذا النظام جيدا فأطاحه في عام 1958.

تواصل القلق الانقلابي على امتداد العهد الجمهوري الذي هيمن عليه الساسة العسكريون إلى أن أنهى نظام صدام حسين هذا القلق عبر مؤسسة أمنية صارمة في انضباطها ومتوحشة في قدرتها على ممارسة العنف بحق الخصوم والمشكوك بولائهم.

انتهى القلق الانقلابي بمجيء نظام 2003 الذي نزع عن القوى العسكرية الرسمية قدرتها على القيام بانقلابات، وجاء بآليات تداول سلمي للسلطة تزيل الدواعي السياسية للانقلابات العسكرية، لكن هذا النظام "الديمقراطي" فشل في بناء سلطة تحتكر الخطاب والقرار والسلاح الرسمي للدولة، وعمد، عن قصد أو من دونه، إلى توزيع هذه السلطة على مراكز قوى متعددة، متحالفة أحيانا ومتنازعة أحيانا أكثر، لينتهي العراق دولة هشة ومضطربة تعجز حكومتها المنتخبة وصاحبة القرار الملزم قانونيا، عن إنفاذ قراراتها على مراكز القوى الكثيرة فيها.

كان مشهد هذا العجز واضحا على امتداد الأشهر الماضية عبر ملفين اثنين، الأول هو المواجهة الأميركية الإيرانية واصطفاف فصائل تابعة للحشد الشعبي مع إيران إلى حد استعدادها خوض حروب النيابة عن طهران في العراق وخارجه.، رغم سعي الحكومة وقوى سياسية نافذة، هي أيضا من مراكز القرار، توحيد خطاب الدولة خلف موقف عام عليه إجماع سياسي وشعبي بالنأي عن الدخول في هذه المواجهة، كسرت فصائل حشدية هذا الإجماع الهش، أولا خطابيا بإعلانها انحيازها الصريح إلى جانب إيران، وثانيا، عمليا بخزنها أسلحة إيرانية محرم على العراق حيازة بعضها كصواريخ بعيدة المدى في معسكرات تابعة لها، من دون علم الحكومة العراقية، إلى أن أحرج قصف إسرائيلي لهذه المعسكرات بموافقة أميركية كامل الطبقة السياسية العراقية، وكشف هشاشة الدولة وحكومتها في أشد اللحظات حساسيية، إقليميا ومحليا.

الملف الثاني كان التعاطي مع الاحتجاجات التي اندلعت في بداية أكتوبر وتواصلت منذ نهايته لحد الآن. مرة أخرى كان سلوك الدولة وخطابها متناقضين، من جهة كانت الحكومة تؤكد حق الناس الدستوري بالاحتجاج السلمي وأهمية هذا الاحتجاج في دعم إصلاحات طال انتظارها، لكن أطرافا عسكرية وحشدية كانت تمارس قمعا غير مسبوق ضد نفس المحتجين الذين تمدحهم الحكومة!

وإذا كان المجتمع الدولي تفهم نسبيا مأزق الدولة العراقية بخصوص صعوبة تشكيلها موقفا رسميا موحدا ومتماسكا قولا وفعلا بخصوص المواجهة الأميركية الإيرانية، فإن هذا التفهم تبخر سريعا إزاء التعامل الرسمي العراقي غير الديمقرطي مع الاحتجاجات، ليصبح العراق سريعا محط إدانة وغضب دوليين بسبب الخروق المنهجية والفظيعة في حقوق الإنسان التي كشف عنها تعامل الدولة مع المحتجين.

مثلا لم يكن سهلا تفهم العجز الحكومي العراقي عن إنتاج تقرير متماسك ومقنع للمجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية بخصوص الجهات المسلحة التي كانت وراء قنص المحتجين وقتلهم، خصوصا مع المعرفة الواسعة أن هذه الجهات هي جزء من البنية العسكرية والأمنية للدولة.

عبر هذين الملفين برزت الفصائل التابعة للحشد الشعبي المتحالفة مع إيران كعامل تقويض لسلطة الدولة ووحدة قرارها وخطابها، ليتحول هذا التقويض إلى نقطة خلاف عراقي عراقي كبرى. منذ تأسيس الحشد في عام 2014، كان ثمة خلاف سياسي وشعبي يتعلق بالممارسات الإشكالية لبعض فصائله الأقوى المرتبطة بإيران، التي بخلاف فصائل أخرى فيه كان توجهها وطنيا واضحا، رفضت التماهي في بنية الدولة العراقية والقبول بالعلاقة التراتبية التي تحكمها، وأصرت على علاقة انتقائية مع الدولة، تقوم على الاستفادة من غطائها وفوائدها المؤسساتية أحيانا، وتحديها سياسيا وأمنيا في أحيان أخرى.

لكن الالتفاف الشعبي لأغلبية الجمهور الشيعي حول الحشد، بشقيه المختلفين الإيراني والعراقي، في سنوات مقاتلته "داعش" وتقديمه تضحيات بشرية كبيرة نسبيا في هذا السياق، وفر له شرعية سياسية وشعبية واضحة.

نهاية الحرب مع "داعش" عنت تسريح الكثير من مقاتلي الحشد، وعلى الأخص ممن يطلق عليهم حشد الدولة ممن لم يتحدوا هذه الأخيرة بل اندمجوا فيها، لترجح كفة الحشد الآخر المتحالف مع إيران في إدارة وتوجيه الحشد وترسيخ هوية أيديولوجية فيه عابرة للدولة تتمحور حول ولاية الفقيه الإيرانية، تناقض الهدف الأساسي من تشكيله في 2014.

وسرعان ما بدأت الشرعية الشعبية للحشد بالتآكل التدريجي في الصيف الماضي بسبب اصطفافه مع إيران في مواجهة الأخيرة مع أميركا، بالضد من الرغبتين الشعبية والرسمية العراقية، ثم جاءت احتجاجات أكتوبر في محافظات الوسط والجنوب لتضع الحشد سياسيا وأمنيا بمواجهة مباشرة مع ذات الجمهور الذي شكل إلى تاريخ قريب قاعدة دعمه الأساسية ومصدر شرعيته الشعبية وثقله الانتخابي، وبسبب موقفه وسلوكه السلبيين من الاحتجاجات خسر الحشد معظم الجمهور الشيعي الذي كان يدعمه.

من هنا يبدو غريبا أن يمضي الحشد بعيدا في تقويض الدولة الذي شُكل لحمايتها، كما ظهر مؤخرا في الاحتجاج الحشدي أمام السفارة الأميركية في بغداد. بدا هذا الاحتجاج اصطفافا حشديا سياسيا مع إيران بمشاركة مسؤولين عراقيين عبر الشعارات المناصرة لطهران التي رددها المحتجون أكثر منه مسيرة سلمية الغرض المعلن لها هو تشييع المقاتلين الحشديين الذين لقوا حتفهم من جراء الغارة الأميركية ضد مقرات لكتائب حزب الله في القائم غرب العراق.

وإذا صحت الرواية القائلة إن رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي فتح المنطقة الخضراء أمام هذه المسيرة على أساس تفاهم له مع منظميها بألا تستمر أكثر من نصف ساعة كافية لتشييع الضحايا في الشارع المقابل للسفارة، فإن تحول هذا التشييع إلى محاولة عنيفة لاقتحام السفارة والنصف ساعة إلى اعتصام دام يوما كاملا، وضع الحكومة ورئيسها وكامل الدولة العراقية في إحراج دبلوماسي كبير أمام شركائها الدوليين، إلى حد اعتبار الولايات المتحدة لمحاولة الاقتحام اعتداء إرهابيا إيراني التدبير. لكن الأمر الأكثر مدعاة للقلق في كل هذا المشهد، هو ما يبدو إصرارا حشديا على تقديم المصالح الإيرانية على المصالح العراقية، وإظهار الدولة العراقية هشة وعاجزة عن تأدية التزاماتها الأساسية بحماية البعثة الدبلوماسية لأهم وأقوى حليف دولي لها.

إذا كان قتال "داعش" في ساعة الضيق العراقية بعد سقوط الموصل في 2014 ساهم في صناعة سمعة وطنية للحشد الشعبي على امتداد السنوات الأربع الشاقة والطويلة لتلك الحرب، وساعد الدولة على استعادة جزء مهم من هيبتها المهدورة حينها، فإن انحياز الحشد الواضح منذ 2018 إلى جانب إيران في صراعها مع أميركا، في تحد مقلق للإرادتين الرسمية والشعبية العراقية، ينزع عنه لباسه الوطني العراقي ويحوله إلى تهديد للدولة العراقية. لا يستفيد لا الحشد ولا الدولة من وضع شاذ وغريب يضع الاثنين على درب مواجهة مستقبلية بينهما لن يخرج الحشد منها منتصرا، خاصة بعد أن خسر غطاءه الشعبي.