ولم يبقَ أمام الرئيس سوى 4 أيام لتكليف رئيس الحكومة المقبلة، فالمهلة الدستورية، تمتد 15 يوما من تاريخ تسلم الرئيس كتاب البرلمان، وتنتهي يوم الخميس المصادف 19 ديسمبر 2019.

آلية تكليف رئيس الوزراء هذه المرة أصبحت في غاية التعقيد. فالحكومة استقالت بسبب ضغط الشارع وانتفاضته العارمة ضد الطبقة السياسية الحالية، المتهمة بالفساد والاستحواذ على مقدرات الدولة لصالح قادتها وأتباعهم، وحرمان المواطنين من حقوقهم المشروعة، لكن الدستور ينص على أن الكتلة البرلمانية الأكبر هي من تختار مرشح رئاسة الوزراء، وتقدم اسمه لرئيس الجمهورية كي يكلفه بتشكيل الحكومة.

لابد لأي تغيير انسيابي أن يحصل وفق السياقات الدستورية كي يكتسب الشرعية المطلوبة، ولا يكون انقلابا على النظام.

لكن المنتفضين، ومعهم غالبية الشعب العراقي، لن يقبلوا بمرشح تسميه طبقة سياسية يعتبرونها فاسدة، طبقة ثاروا عليها، وأجبروا الحكومة التي شكلتها على الاستقالة.

فهم إن قبلوا بهذا الخيار، فإن تضحياتهم سوف تذهب أدراج الرياح.

ليس هناك فرق كبير، بالنسبة لهم، بين حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، وحكومة أخرى يشكلها أحد أفراد الطبقة الحاكمة نفسها، التي لم تغير نهجها ولم تعترف بأخطائها، ولا تعتزم التنازل عن المكاسب التي حققتها بقوة السلاح، أو عبر الفساد وانتهاك القانون، والتجاوز على المال العام والارتباط بالأجنبي.

 وفي الوقت نفسه، فإن الكتل السياسية التي تهيمن على البرلمان غير مستعدة، أو غير راغبة، في التخلي كليا عن مكاسبها الكبيرة التي حققتها خلال 16 عاما، عندما أمسكت بالسلطة، بعد الغزو الأميركي عام 2003.

لكن عليها أن تعلم بأن الظروف قد تغيرت، وهناك صحوة عراقية شاملة لن تسمح باستمرار الوضع كما كان، وهي على الأغلب مستعدة للتنازل، وإن شكليا، مقابل البقاء، والحقيقة أنها لا تمتلك خيارا آخر غير التنازل، لأنها تواجه شعبا مصمما على العيش في القرن الحادي والعشرين، بعيدا عن النظام الثيوقراطي الإيراني وتدخلاته.

هل سيرضى المنتفضون بأنصاف الحلول؟

عشرات الأسماء الآن تطرح وتروج من قبل أطراف متعددة، وكلما تأخر الرئيس في اختيار المرشح، وتأخره مبرر ومفهوم، فإن مزيدا من الأسماء سوف تطرح للتداول، من الكتل السياسية ومن الشارع العراقي.

ولأن حركة الاحتجاج شعبية وعفوية، فهي لم تطرح برنامجا محددا، أو شخصيات محددة بديلة للحكومة الحالية، لكن مطالبها واضحة منذ البداية، وهي تشكيل حكومة محايدة من الخبراء المستقلين، تتولى إدارة البلاد لفترة مؤقتة وتشرف على تعديل قوانين الانتخابات والأحزاب ومفوضية الانتخابات والدستور، ثم إجراء انتخابات جديدة وفق القوانين والدستور الجديد، وبإشراف دولي، للتأكد من خلوها من التزوير الذي شاب الانتخابات الماضية.

كما تطالب الاحتجاجات بتقديم المجرمين والفاسدين إلى القضاء، خصوصا أولئك الذي أمروا بإطلاق النار على المتظاهرين، وقتلوا المئات وجرحوا عشرات الآلاف منهم، وهذه الجريمة تحصل لأول مرة منذ انتفاضة عام 1991 ضد النظام السابق.   

الأسماء التي اقترحتها الكتل السياسية يرفضها المنتفضون، تؤيدهم غالبية الشعب العراقي، لأنها لا تشكل تغييرا حقيقيا للمشهد السياسي، وهو المطلب الأساسي الذي يسعى المحتجون إلى تحقيقه، ولأنها مرتبطة بالطبقة الحاكمة المتهمة بالفساد وارتكاب الجرائم.

ومن هنا، فإن أي حكومة تشكلها الطبقة السياسية الحالية لن تجري تغييرا حقيقيا، ولن تقدم المجرمين والفاسدين إلى القضاء، وإن هي فعلت ذلك لإرضاء الناس، فإن ضغوطا سوف تمارس على القضاء لتبرئتهم، كما حصل سابقا.

تشكيل الحكومة عبر الطرق التقليدية لن يحل المشاكل التي قامت ثورة تشرين بسببها، ولا يُتوقع من حكومة كهذه غير حلول "ترقيعية" تبقي الطبقة السياسية الحالية في مواقعها، حتى وإن قدمت تنازلات هنا وهناك. مثل هذه الإجراءات لن تكون مقبولة، بل ستعتبر التفافا على مطالب الشعب.

الأمر الذي لا تستوعبه الجماعات السياسية الدينية وأتباعها، هو الفجوة الهائلة بين تفكيرها التقليدي المبني على أفكار ماضوية وطائفية، وتفكير الجيل الجديد المبني على القيم العصرية التي تقدس الحياة.

هذا جيل يطمح أن يعيش في دولة تحترم الإنسان وخياراته في الحياة وحريته الشخصية، وتقدم له أفضل الخدمات من تعليم وصحة وخدمات أساسية، وتسعى دائما لتطوير حياته وتعزيز مواقفه، ولا تتدخل في شؤونه الشخصية أو تقيد حريته بحجج دينية.

شباب اليوم مطّلِعون على ما يجري حولهم، ولا يمكن عزلهم في قوقعة ضيقة وتلقينهم دروسا حول ما يجب أن يفعلوه وكيف عليهم أن يعيشوا.

إن هذه الهوة في نمط التفكير بين الجيلين، وعدم استعداد الجيل التقليدي للتخلي عن بعض عاداته ونمط تفكيره الإقصائي، وعن القيم التي نشأ عليها في ظروف مختلفة تماما عن الظروف الحالية، بل وإصراره على قسر الشباب على العيش حسب ما يراه حياة أمثل، وفرض هويته الدينية والطائفية التقليدية على الشبان المعاصرين، هي التي دفعت الشباب إلى الثورة من اجل ان يعيشوا في عصرهم، وليس في العصور السحيقة التي تريد لهم الجماعات الدينية العيش فيها.

لن يقبل شباب العراق أن يعيشوا وفق ظروف وقيم ما قبل الحداثة، بل حتى قيم القرن العشرين لم تعهد مناسبة لهم.

إنهم يعيشون في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ويتطلعون لأن يلحقوا بالعالم المتقدم، ويشعر كثيرون منهم أن بإمكانهم أن يتقدموا حتى على الشعوب المتطورة، خصوصا وأنهم يرون أن كثيرين من أقرانهم الذين هاجروا إلى بلدان أخرى قد أبدعوا في حياتهم، وأصبحوا قادة في مختلف مجالات الحياة، خلال فترات قصيرة عندما توفرت لهم الظروف المناسبة.

الاحتجاجات في العراق تزامنت مع احتجاجات في بلدان أخرى، وبينما تعاملت المجتمعات الاخرى بسلمية وتحضر مع المحتجين، تعاملت الجماعات الحاكمة في العراق بقسوة ووحشية غير مسبوقتين في العصور المتأخرة.

مرت الاحتجاجات في البلدان الأخرى بسلام ووئام، ولبت الحكومات مطالبها أو استقالت كي تفسح الطريق للتغيير المنشود.

أما في العراق فقد ووجهت بالقتل والتنكيل والخطف والاستهانة والافتراء على القائمين بها والتشكيك بنواياهم والانتقاص من قيمهم وربطهم بدول أخرى.

ومع كل هذا التعامل غير الإنساني الذي يليق بالطبقة الحاكمة، وليس بشعبها المتحضر، بقيت الاحتجاجات سلمية، باستثناء حوادث قليلة متفرقة يُعتَقَد بأنها مدبرة من قبل القوى المعادية.

لقد برهنت الأجيال الجديدة على أنها أكثر إنسانية وتحضرا وحكمة ووعيا من الطبقة السياسة الحاكمة التي تنتمي إلى عصور خلت.

ما يجب أن يحصل الآن هو أن تعترف الطبقة السياسية الحالية، بكل توجهاتها، بأن الوقت قد حان للتغيير وأنها لا تستطيع المضي بالبلد على النهج السابق الذي رفضه الجيل الجديد الذي يريد أن يعيش وفق القيم العصرية التي تلائمه.

عليها أن تدرك أن الأساليب القديمة البشعة كالقتل والخطف والافتراء والشيطنة لم تعد مستساغة في عالم اليوم، وهي في العادة تقود إلى نتائج عكسية وتعود بالضرر على ممارسيها قبل غيرهم.

عليها أن تكون واقعية وتعمل وفق مبادئ العصر، مستخدمة أدواته، وهي احترام الرأي الآخر والرضوخ لرأي الغالبية مع احترام رأي الأقلية مهما صَغُرَت والتعامل بسلمية ووفق القانون مع الجميع.

إن الذي يعقد المشهد السياسي العراقي ويجعله غريبا واستثنائيا هو ارتباط جهات متنفذة من الطبقة السياسية بالنظام الإيراني، المصمم على تفكيك العراق وجعله دولة ضعيفة تابعة بشتى الوسائل بما فيها قوة السلاح.

لكن الغائب عن تفكير الجماعات المرتبطة بإيران أن الشعب الإيراني هو الآخر أدرك خطورة السياسات الخارجية لنظامه على حياة الإيرانيين ومستقبل الدولة الإيرانية، لذلك قام باحتجاجات واجهها النظام الإيراني بالعنف أيضا، ما يشير إلى "الانسجام الثقافي" بين النظامين العراقي والإيراني، وإن اختلفا ظاهريا.

الرئيس برهم صالح يواجه معضلة حقيقية، لكنه، وباعتباره رجلا تعلم وعاش في الغرب لعقود من الزمن، يدرك ويتفهم توجه الجيل الجديد في العراق، وهو بالتأكيد يتعاطف معه، وقد عبر عن تعاطفه بصراحة خلال هذه الأزمة، لذلك عليه ألا يرتكب خطأ فادحا ويكلف شخصا لا ينتمي إلى الجيل الجديد وتوجهاته وطموحاته.

عليه ألا يستعجل الاختيار، انسجاما مع المدة الدستورية، لأنه لا يوجد في الحقيقة نص دستوري يعالج (الاستقالة)، فالنص يتحدث عن (خلو المنصب) والمنصب ليس خاليا الآن، لأن حكومة تصريف الأعمال مستمرة في عملها ويمكنها البقاء لبضعة أيام إضافية من أجل إنجاز التغيير المطلوب.

يجب عليه أن يرفض كل الترشيحات التي لا تنسجم مع التغيير المنشود، أو غير القادرة على إحداث النهضة المطلوبة والنقلة النوعية التي يريدها الشباب ومعهم الشعب.

وعليه أن يمارس دوره كزعيم وطني عراقي، دون مراعاة لمصلحته الشخصية القصيرة الأمد. إنها لحظات تاريخية نادرة تلك التي تمر على العراق هذه الأيام، وعلى الرئيس برهم صالح أن يتصرف بما يليق بها وبتضحيات الشعب العراقي التائق للانعتاق من قيود طبقة سياسية فاسدة وفاشلة لم تحترم حقوق الشعب الأساسية ولم تقدم له أبسط الخدمات.

إن أراد الرئيس صالح أن يحتل موقعا بارزا في نفوس العراقيين، وأن يكسب احترام المجتمع الدولي ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فعليه أن ينسجم مع مطالب الشعب، فإن لم يستطِع، عليه أن يصارحه بالحقيقة.