هكذا نَص "قانون نامه" محمد الفاتح، القانون الذي وضعه لتسيير نظام الدولة من بعده.. ومن هنا كانت بداية "مذبحة الإخوة الذكور"، أو لنكن أكثر دقة: بداية تقنينها..

فقيام سلاطين بني عثمان بقتل إخوتهم الذكور سبق عهد محمد الثاني المعروف بـ"الفاتح"، فالسلطان بايزيد الأول فور توليه الحكم، أمر بقتل أخيه يعقوب المعروف بالشجاعة والقوة، فقط لأنه خشي مطالبته بالعرش.. وذكر بعض المؤرخين-ومنهم من ذكره في سياق الدفاع عن هذا القانون الدموي، أن رأي "الفقهاء" العثمانيين في المسألة كان أن "الفتنة أشد من القتل فنحن نأخذ أهون الضررين"!

وبعد وقوع بايزيد في أسر تيمورلنك وموته في محبسه، ضربت الفوضى الدولة العثمانية، فتحارب أبناؤه حتى تغلب أحدهم-محمد الأول-وقتل إخوته المنافسين، بل قيل إن محمد الفاتح نفسه حين تولى السلطنة، أمر بخنق أخ له رضيع، وهي واقعة صحتها محل جدل، وإن كان محمد فريد بك-المعروف بانتمائه العثماني- ذكرها في كتابه "تاريخ الدولة العلية العثمانية".

ولكن المؤكد هو أن سوابق صارعات الإخوة كنت سببًا في تضمين محمد الفاتح قانون نامه هذا النَص المثير.

فِكرة العثمانيين عن السلطة والشريعة

بالنسبة للعثماني فإن السلطان/البادِشاه هو "ظل الله على الأرض"، هو الدولة والدولة هو.. وحيازة السلطنة-سلميًا أو بالاستيلاء-هي "حكم إلهي عادل"، أي أنهم آمنوا بالفكرة الأوروبية القرونوسطية الرجعية بـ"الحق الإلهي في الحكم".. (أحيل القاريء في تفاصيل أكثر عن ذلك لكتاب "تاريخ الدولة العثمانية" للمؤرخ التركي يلماز أوزتونا).. بالتالي فإن أي زعزعة لاستقرار مركز البادشاه، تهديد للدولة ذاتها، فكل شيء مباح إذن في سبيل تجنب ذلك..

هذه الفكرة موروث تركي قبلي قديم، يرجع لعهود ترحال قبائلهم الضاربة في عمق الصحارى الآسيوية الباردة، والأخطار المحيطة من كل جانب، حيث لا مجال لقبول حاكم ضعيف يضيع القبيلة، مما  جعلهم أكثر قبولًا لفكرة أن حيثيات الكفاءة للحكم تتلخص في القوة.. تلك الفكرة التي لم يتخلى عنها التُرك العثمانيون حتى وإن اعتنقوا الإسلام وتمدنوا وأقاموا إمارة ثم سلطنة.. فبدلًا من أن يغيروا عاداتهم لصالح الدين الجديد الذي يجرم قتل النفس إلا بالحق، فإنهم طوعوا الدين والفتوى لصالح النظرة القبلية الرجعية للحاكم..

وفي التاريخ الإسلامي نماذج لإخوة تحاربوا على العرش، وقتل بعضهم بعضًا لعل أشهرهم إبنا هارون الرشيد الأمين والمأمون، وأبناء وأحفاد صلاح الدين الأيوبي وأخوه العادل، ومما يؤثر عن الرشيد نفسه، أنه قال لابنه "المُلك عقيم ولو طلبت الذي في يدي لأخذت الذي فيه عينيك"، ولكن لم يتفتق ذهن أي من هؤلاء عن اتخاذ إجراء استباقي بقتل "المنافس المحتمل" قبل حتى أن يبدر عنه ما يريب، بل وأن يشرعن هذا القتل بنص قانوني، ويدعمه بمنطق "مصلحة الأمة" واختيار أهون الضررين "القتل" بدلًا من أشدهما "الفتنة".. هذا النَص يؤكد أن المركز القانوني للسلطان العثماني كان بالنسبة للعثمانيين هو "مركز الوصي على الدين" وليس "مركز الخاضع له"، وإن حرص العثمانيون على إظهار التزامهم بالشريعة فقط، عندما يكون ذلك مفيدًا لهم، خاصة في مرحلة ضعف السلاطين ورغبة بعض مراكز القوى من وزراء وقادة في خلع سلطان وتعيين غيره أكثر خضوعًا، حيث كانوا يهرعون للفقهاء لانتزاع فتوى بذلك.. أي أن الدين كان بالنسبة لهم "وسيلة سيطرة" وليس "شريعة مُنَظِمة لإدارة الدولة"..

محاولة لإحصاء حالات قتل الإخوة في التاريخ العثماني

لو قمنا بعمل تتبع تاريخي لقتل السلاطين العثمانيين إخوتهم الذكور-بل وأبناء إخوتهم- بغير جريرة أو تصرف مريب من هؤلاء الضحايا لوجدنا الآتي:

في عهد ما قبل "قانون نامه" قام السلطان بايزيد الأول بقتل أخيه يعقوب لخشيته قوته وإقدامه، محمد الفاتح ذُكِرَ عنه قتله لأخ رضيع اسمه أحمد، وإرجاع أمه الصربية الأميرة مارا لوالدها..

وبعد قيام الفاتح بسَن قانونه المذكور جرت وقائع القتل الآتية: انقلب أبناء السلطان بايزيد الثاني على أبيهم، وتصارعوا فانتصر سليم الأول واستولى على العرش، ومات بايزيد الثاني في ظروف مريبة يفسرها البعض بأن ابنه سليم دس له السم..

أما سليم فقد قتل شقيقيه المنافسين، ثم قبض على خمسة من أبنائهم فأمر بقتلهم كذلك..

جدير بالذِكر أن القتل كان يتم خنقًا بوتر قوس، وهو موروث تركي-مغولي حيث كانوا يؤمنون بأن آلهة السماء تستاء من إراقة الدم الملكي، فكانوا يحرصون على قتل أبناء الدم الملكي بغير إسالة دمائهم!

وعودة لوقائع القتل الأسري العثماني، فسليمان القانوني قتل ابنين له هما مصطفى وبايزيد لارتيابه فيهما، نتيجة دسائس بعض الحريم السلطاني، ولم يتوقف عند ذلك بل قتل حفيده الرضيع من ابنه مصطفى وأحفاده من ابنه بايزيد.

أما مراد الثالث ففور توليه السلطنة، أمر بقتل إخوته الخمسة، بينما حقق محمد الثالث رقمًا صادمًا بقتله 19 من إخوته فأمر بخنقهم قبل حتى دفن أبيه..

وعثمان الثاني بعد خلع أخيه مصطفى وتوليته سلطانًا أمر بقتل أخيه محمد، قبل أن يُقتَل هو نفسه بأيدي الانكشارية الذين ولوا مكانه مصطفى المخلوع لفترة ثم مراد الرابع الذي قتل أخويه بايزيد وسليمان..

جدير بالذكر أن القانون العثماني كان ينص على أن السلطان يولي أبناءه ولايات فيرتحلوا لها مع مؤدبيهم ليتدربوا على أعمال الحكم تمهيدًا لوصول أحدهم إلى العرش، ثم بعد ذلك عُدِّلَ التطبيق لتكون الولاية للابن الأكبر فحسب-مع بقاء قانون إباحة قتل الإخوة الذكور-حتى قام محمد الثالث بعد قتله إخوته التسعة عشر بإلغاء نظام تعيين الأمراء ولاة وأسس لنظام "القفص"-وهو جناح أميري في الحرملك-حيث يُحبَس الأمراء ويُعزَلون عن العالم ويُمنَعون من الزواج حتى الموت، بل وحتى هذا النظام لم يكن ضمانًا لحقن دمائهم، فقد بقوا عرضة في أي وقت لأن يدلف عليهم بعض الجند ليخنقهم بوتر، وهو ما أشاع بين هؤلاء المحبوسين الاضطرابات النفسية، إلى حد أن السلطان سليمان الثاني، حين دخل عليه رجال الدولة لتوليته السلطنة، أخذ يتوسل إليهم ألا يعبثوا معه، وأن يعجلوا بقتله بدلًا من تعذيبه بانتظار الموت كل يوم!

وكان على البيت العثماني الحاكم، أن ينتظر حتى قرب منتصف القرن الثامن عشر ليجري الخروج على نظام تولية ابن السلطان خلفًا لأبيه، وتصبح الوراثة للذكر الأكبر في الأسرة-وهي نتيجة منطقية لقلة الذرية الصالحة للحكم بسبب القتل أو الاضطراب النفسي أو الحبس-حتى دستور 1876.

ختامًا.. ردًا على المدافعين

البعض دافعوا عن محمد الفاتح فقالوا إنه لم يُصدِر هذا القانون، لكن المصادر الموثوقة كلها أكدت أن قيامه بسن هذا النَص في قانونه، أمر واقع.. غيرهم قالوا إنه "لم يقصد القتل"، والرد عليهم هو: هل من معنى آخر لـ"التخلص من إخوته" في المفهوم العثماني المتقبل لقتل الأخوة؟!

بل إن ثمة من اعترفوا بوجود هذا النَص، وبقصد الفاتح لمعناه، لكنهم دافعوا عنه بضراوة، مؤكدين أنه كان ضرورة ويقعد دينيًا تحت بند "المصلحة" بل وربما تحت بند "دفع المفسدة/الفتنة" المقدمة شرعًا على "جلب المصلحة/الحياة".. وأنه لا بأس بإيقاع الضرر بفرد أو أفراد بدلًا من الإضرار بدولة بأكملها، في مراوغة واضحة لحقيقة أن الدين الإسلامي ينظر لحفظ الحياة باعتباره "حقاً" وليس "منفعة"، وأن لا عقوبة إلا بجريمة ولا جريمة إلا بنص (وأحيلهم في هذا لكتاب "الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي" للإمام محمد أبو زهرة". وفي تناقض مع دفاعهم عن "تطبيق الشريعة" وتشنيعهم على خصومهم السياسيين أنهم "لا يلتزمون الدين بدقة".. أي أنهم يصفون تلك الجرائم بأنها بمثابة ما يُسَمَى في لغة القانون "تدابير احترازية" فقط لأنهم يأخذون صف مرتكبها، بينما لو كانوا على الجانب الآخر لأقاموا منها حائط مبكى!

ويبقى آخر دفاعاتهم-وأسهلها عليهم-هو ادعاؤهم بأن "هذا كلام مدسوس مكذوب دسه المُعادون للدولة العلية أعادها الله"، والرد عليهم أن هذه الوقائع ذكرها مؤرخون أتراك ثقال أمثال يلماز أوزتونا وخليل إينالجيك، أو مؤرخ عثماني الهوى هو محمد فريد بك، أو مؤرخ متخصص في التاريخ التركي ومتعاطف-لكن بغير تعصب-مع الدولة العثمانية مثل الأستاذ الدكتور محمد سهيل طقوش، أي أن هذه المعلومات المذكورة، من كتابات رجال يُفتَرَض أن يكونوا ثقات عند المتعاطفين مع العثمانيين.. فإن افترض العثمانيون الجدد سوء نوايا من يهاجمون الدولة العثمانية، فهل يمكنهم افتراض سوء نوايا هؤلاء السالف ذكرهم؟

الواقع أن قراءة وتحليل التاريخ، مسئولية ليس فقط من ناحية الأمانة والدقة، وإنما من ناحية الشجاعة في مواجهة السلبيات والنقاط السوداء، وخلع رداء الحَصانة من النقد عن الأشخاص التاريخيين، وهو ما يفتقر إليه هؤلاء العثمانيون الجدد في التفاعل مع قضية "قتل الإخوة الذكور"!