فضحك المأمون وصرفه عنهم.

طريفة هي الحكاية من دون شك، لكنها لا تخلو من حكمة أيضا، فالشيخ الذي ساءته وساءت أهل بلدته سيرة حكم الوالي فيهم وجد في الفكاهة طريقا لعرض وجهة نظره على الخليفة والتمس في المزاح سبيلا لإقناعه بإبعاد واليه عن حكم بلدتهم فكان له ما أراد وربما لو اختار طريقا آخر لفشل مسعاه.

كثيرة هي المرويات الطريفة التي دارت وقائعها بين الحكام والرعية وتاريخنا قديمه وحديثه يزخر بالنوادر من هذا النوع، ومن بين أبطالها، من كتبت له نهايات سعيدة جزاء مزاحه وظرف حديثه، ومنهم من استحالت أفراحه إلى أتراح لمجرد أنه داعب حاكما أو مازح واحدا من أولي الأمر.

وهذه القصة وغيرها أوردها أبو إسحاق الحصري القيرواني في كتابه اللطيف "جمع الجواهر في الملح والنوادر" الذي يقول في مقدمته: "فأجبتك إلى ملتمسك بكتاب كللت نظامه، وثقلت أعلامه بذهب يروق سبك إبريزه، ويرق حوك تطريزه من نوادر المتقدمين والمتأخرين وجواهر العقلاء والمجانين وغرائب السقاط والفضلاء وعجائب الأجواد والبخلاء وطرف الجهال والعلماء وتحف المغفلين والفهماء ونتف الفلاسفة والحكماء. 

صاحب الكتاب هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم من أعلام مدينة القيروان التونسية فيها ولد وعاش ودفن ولم يعرف عنه أنه غادرها طيلة حياته، ونشأ على العمل بالوراقة والنسخ وكان بديع الخط بارعا في النسخ.

لم أسعد في سفراتي المتعددة لتونس بزيارة القيروان التي كانت واحدة من أهم منارات العلم والأدب في الوطن العربي، ومنها خرج عدد كبير من العلماء والأدباء.

ويقول بعض رواة السير إن أديبنا أبو إسحاق صاحب كتاب "جمع الجواهر في الملح والنوادر" هو ابن خالة الشاعر الكفيف علي الحصري القيرواني غير أن التباين الزمني في سنة الوفاة لكل منهما يجعلان هذا القول محل شك كبير.

أما الشاعر الحصري القيرواني فهو الآخر واحد من أعلام القيروان واسمه أبو إسحاق علي بن عبد الغني الفهري الحصري، وهو واحد من كبار الشعراء في عصره وتنقل في حياته بين القيروان وسبتة وإشبيلية

وهو صاحب قصيدة

يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده

التي تغنت بها جارة القمر فيروز

ومن البديع أن شعراء كثيرين قد عارضوا هذه القصيدة ونسجوا على إيقاعها قصائد عديدة من بينهم أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته

مضناك جفاه مرقده    وبكاه ورحم عوده

وقد تغنى بها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وغناها من بعده مطربون كثر ربما كانت آخرهم وأكثرهم إحساسا بالكلمات واللحن المطربة المصرية أنغام، وفي هذه القصيدة كثير من الصور البديعة والأفكار الجريئة

ففيها يقول أحمد شوقي:

بيني في الحب وبينك ما

لا يقدر واش يفسده

ما بال العازل يفتح لي

باب اللوان وأوصده

ويقول تكاد تجن به

فأقول وأوشك أعبده

مولاي وروحي في يده

قد ضيعها سلمت يده

ناقوس القلب يدق له

وحنايا الأضلع معبده

هكذا كتب أحمد شوقي قصيدته في ثلاثينيات القرن الماضي، وغناها عبد الوهاب من دون أن يلاحقهما شيوخ التطرف بتأويل مفردات القصيدة على هواهم ومن دون أن ينبري محام فاشل لرفع دعوى قضائية ضدهما.

ولك أن تتخيل أن شوقي بك قد كتب هذا القصيدة في أيامنا تلك بالتأكيد كان سيجد من يطالب بحبسه أو تفريقه عن زوجته.