لم تكن تتوفر أدلة ملموسة بخصوص حقيقة هذا النفوذ ومداه. في ظل الانشغال العراقي بالاحتجاجات وتفاعلاتها الكثيرة والمتسارعة لم تحظَ هذه الوثائق الخطيرة بالاهتمام الشعبي الذي تستحقه، وستمر دون اتخاذ إجراءات رسمية فاعلة للتحقيق في المحتوى المقلق لهذه الوثائق، خصوصاً تلك المتعلقة بتجنيد مواطنين وموظفين رسميين عراقيين، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى، للعمل لصالح أجهزة استخبارية إيرانية.

لكن حتى من دون الانشغال بالاحتجاجات، ما كان لنشر هذه الوثائق أن يثير رد فعل جدي من الدولة العراقية، ليس فقط بسبب قوة النفوذ الإيراني في مختلف المؤسسات العراقية، بل أيضاً بسبب الطبيعة المفككة للسياسة في العراق بعد 2003.

لا يحظى هذا الجانب بما يستحقه من اهتمام، بل في الغالب لا يُنتبه إليه رغم أنه السبب الرئيس في تمدد نفوذ إيران في العراق. عادةً ما يعزى هذا النفوذ لأمرين. الأول هو الولاء الأيديولوجي لقوى سياسية عراقية لإيران من خلال منظومة ولاية الفقيه الدينية والثاني، وهو ما اكدته الوثائق المسربة، الخليط المعتاد لأساليب الترغيب والترهيب في كسب المتعاونين.

لكن ثمة عامل آخر ثالث أكثر أهمية من الاثنين وراء رسوخ النفوذ الإيراني مرتبط بالتفكك السياسي الشديد للنخبة الحاكمة، بأحزابها المختلفة، وتنافسها الضاري على مصادر الثروة والنفوذ وضعف التقاليد المؤسساتية والضوابط القانونية التي تنظم هذا التنافس، فضلاً عن غياب رؤية وطنية عراقية جامعة ومتماسكة ترشد عمل هذه النخبة في بناء عراق جديد ديموقراطي بعد 2003.

تترجم كل هذا بتشرذم واضح في القوى السياسية العراقية التي تدير الدولة، وبالتالي عجزها عن اتخاذ الكثير من القرارات الحاسمة الضرورية، فكانت الحاجة الدائمة لاستدعاء طهران لتلعب أحياناً دور الوسيط لحل الخلافات بينها، وعراب المبادرات أحياناً أخرى.

هنا يكفي تذكر سفر الكثير من المسؤولين والزعماء العراقيين، خصوصاً الشيعة منهم، إلى إيران، سراً وعلناً، بعد كل انتخابات برلمانية منذ 2005 من أجل التباحث في تشكيل الحكومة المقبلة واختيار اسم رئيس الوزراء. كانت هذه الزيارات تجري تحت عناوين مختلفة بعيدة عن السبب الحقيقي لها (دعوة لحضور مؤتمر، المشاركة في فعالية رسمية أو بروتوكولية أو ثقافية تجري في إيران).

كانت الخلافات الكثيرة بين القوى السياسية العراقية الشيعية بشأن عقد التحالفات وتبني المبادرات وتقسيم المناصب بينها واختيار أسماء المرشحين لهذه المناصب من بين الأسباب الكثيرة الأخرى لاستدعاء حضور طهران شبه الدائم في بغداد للعب دورها المعتاد في إيجاد حلول وتسويات لهذه الخلافات. كل هذا منح إيران الكثير من النفوذ لها في العراق وسمح لها بدفع حلفائها الأقرب الى واجهة السلطة ومواقعها الأكثر أهمية، كما بدا هذا واضحاً في الحكومة الحالية التي يتزعمها عادل عبد المهدي.

ينبغي الانتباه هنا إلى أن كل حركات الإسلام السياسي الشيعي العراقية حليفة لإيران لكن شدة هذا الحلف تختلف من حركة إلى أخرى، فالمجلس الإسلامي الأعلى ومنظمة بدر ومنظمة عصائب أهل الحق تعتبر الأكثر قرباً من طهران وتماهياً مع مواقفها وسياساتها، فيما يعتبر تيار الحكمة وحزب الدعوة  والتيار الصدري الاكثر ابتعاداً عن ايران.

رغم كثرة حلفاء إيران في العراق، تصر طهران على ألا تضع كل بيضها في السلال العراقية المعتادة، وتلجأ إلى تشكيل ودعم قوى جديدة سياسية - عسكرية في البلد على نحو يُفقد هذه القوى أي إمكانية فعلية لصنع مسافة فاصلة لها بعيداً عن إيران كما في بعض فصائل الحشد الشعبي التي كانت تدعو إلى وقوف العراق رسمياً مع إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة.

مع كل هذا، لم يكن النفوذ الإيراني في العراق مطلقاً ولا عصياً على المعارضة والرفض من جانب الطبقة السياسية العراقية في لحظات اتفاقها النادر بخصوص سياسة ما أو إصرار بعض أطرافها على التمسك بموقف تعتبره أساسياً لها. أحد الأمثلة بهذا الصدد كان إصرار رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، بدعم من أغلب القوى السياسية العراقية، على توقيع اتفاق الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في 2008 رغم معارضة طهران الشديدة لهذا الاتفاق وضغوطها على العراق حينها بعدم إبرامه.

كما فشلت طهران على نحو متكرر في تثبيت صيغة عام 2005 بخصوص التحاصص السياسي والتمثيل الانتخابي على أسس طائفية - إثنية. كانت تلك الصيغة، التي أملتها مخاوف مذهبية وعرقية وحسابات سياسية عراقية مغلوطة، تقوم على خوض التنافس الانتخابي على أساس ثلاث كتل سياسية رئيسية، شيعية وسنية وكردية، تتوافق وتتحاصص فيما بينها في صناعة القرار وتقاسم النفوذ وإدارة الدولة. بدأت هذه الصيغة بالانهيار في انتخابات عام 2014 عندما خاض الشيعة السباق الانتخابي بكتلتين متعارضتين، ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي، برغم اعتراضات طهران وضغوطها الكثيرة لتوحيد الكتلتين، ليتواصل هذا الانهيار في انتخابات عاما 2018 حيث انتهت التكتلات السياسية الثلاث الكبرى التي أدارت البلد تحاصصياً وتوافقياً بين عامي 2005 و 2014.

من هنا يمكن القول إن معظم نفوذ طهران في بغداد ليس ناتجاً عن سياسات إملاءات وقسر إيراني على العراق تعجز المنظومة السياسية العراقية عن الرد عليها ومواجهتها، وإنما عن فشل سياسي عراقي في صناعة منظومة حكم متماسكة، تستند إلى تقاليد مؤسساتية وآليات قانونية تشتغل على نحو جدي وتضبط إيقاع وتفاصيل عملية صناعة القرار عبر ربطها بمصالح وطنية عليها إجماع شعبي وسياسي عراقي.

بدلاً عن ذلك، لجأت القوى السياسية العراقية النافذة إلى أسلوب الصفقات ذات الطابع الآني الذي في كل مرة يعيد تعريف دور المؤسسات وتفسير القانون لينسجم، على نحو مزيف وقسري، مع الصفقة التي يُراد تمريرها. أعطى هذا الأسلوب الفوقي والانتهازي والقصير النظر لإيران دوراً مؤثراً في صناعة القرار العراقي سواء من خلال حضورها المباشر في تفاصيل الصفقات ونتائجها أو حضور حلفائها العراقيين الأقرب فيها. حتى رغم انهيار احتكار التمثيل الهوياتي ونهاية التوافق السياسي وتراجع المحاصصة الإثنية - الطائفية منذ عام 2014، بقي أسلوب الصفقات هذا مهيمناً وراسخاً، وبوابة مشرعة لفساد سياسي ومالي عميق وكبير ما أدى إلى فشل الدولة في تأدية التزاماتها الأساسية نحو مواطنيها من توفير خدمات عامة وتأمين فرص اقتصادية وضمان الأمن عبر احتكار السلاح.

جاءت احتجاجات تشرين، خصوصاً في قوة التعاطف الشعبي العراقي الواسع معها، رد فعل مباشراً على هذا الفشل الطويل الأمد وإعلان غضب شعبي ضد القوى التي ساهمت في صناعته وإدامته.

على نحو صحيح ودقيق، اعتبر المحتجون إيران شريكة مباشرة في هذا الفشل بسبب مشاركتها الأساسية والمستمرة في أسلوب الصفقات الذي أحبط مشروع بناء دولة رصينة في العراق. قد تكون إيران نجحت في كسب الطبقة السياسية العراقية، لكنها بالتأكيد خسرت العراقيين الكثيرين الذين خرجوا احتجاجاً ضد هذه الطبقة وفسادها وتحالفاتها الانتهازية التي تقوض المصلحة الوطنية العراقية.