فكم من شخص دمعت عيناه تأثرًا بقيام طارق بن زياد بحرق سفن جند المسلمين وهو يصيح بهم "العدو أمامكم والبحر وراءكم فأين المفر؟" أو تعاطف مع معاتبة قطز في أنفاسه الأخيرة لصديقه بيبرس لقتله إياه وقد كان ينوي أن يجعله سلطانًا، وكم من مردد للمقولة المزعومة ليوليوس قيصر: "حتى أنت يا بروتس؟ إذاً فليسقط قيصر" أو منفعل مع مشاهد غزو الهكسوس لمدينة طيبة المصرية القديمة..

رغم أن كل ما سبق هو محض خيال، فطارق بن زياد لم يحرق السفن ولم يلقِ تلك الخطبة العصماء وإنما تمخض القصص الشعبي عن تلك الرواية، ومعاتبة قطز لبيبرس مصدرها رواية "وا إسلاماه" لعلي أحمد باكثير، ويوليوس قيصر لم يقل كلمته الأخيرة تلك إلا في مسرحية "يوليوس قيصر" لشكسبير، والهكسوس لم يدخلوا مدينة طيبة في الحقيقة وإنما في رواية "كفاح طيبة" لنجيب محفوظ.

لهذا يكثر تنبيهنا المهتمين بالمعرفة التاريخية أن يبحثوا عنها في كتب التاريخ العلمية أو في الأفلام الوثائقية وليس في الروايات والمسلسلات والأفلام والحكايات الشعبية.. فبينما تكون لصانع العمل الأدبي أو الدرامي مساحة كبيرة من حرية الإبداع تعطيه القدرة على تطويع التاريخ لصالح الغرض الدرامي فإن المدون والباحث في التاريخ بشكل علمي يكون ملتزمًا القواعد الصارمة للبحث العلمي الموضوعي الجاد.

وللأسف الشديد فإن هذه الظاهرة-أخذ المعرفة التاريخية عن المسلسل أو الرواية-في انتشار وشيوع يجعلان مهمة نشر ثقافة التمييز بين العملين التاريخي والخيالي شاقة، وهو ما أدى مع الوقت إلى ظهور فئة "عبدة أصنام الدراما" والدراما التركية بالذات!.

الدراما كقوة ناعمة:

دعونا نعترف بأمر واقع: الأعمال الدرامية هي واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة، فمن خلالها تستطيع أن تبث أفكارك وتوجهاتك إلى كل بيت يحتوي شاشة تلفاز أو كمبيوتر.. بحيث تمتلك القدرة على التحكم بـ"الصورة الذهنية" على مستوى الفرد أو حتى "الفِكر الجمعي" على مستوى المجتمع.

وكما أدركت هذا أنظمة وحكومات على مستوى العالم منذ مرحلة ما قبل اختراع التلفزيون، أدركته الدولة التركية المعاصرة التي تسهل ملاحظة توجهها العثماني الواضح، ورغبتها في "إحياء" المَد العثماني خاصة في المنطقة العربية.

هذا التوجه يبدو واضحًا انعكاسه على الدراما التاريخية التركية، وكذلك على وضوح توجيهها إلى المشاهد العربي واللعب على أوتار "النوستالجيا التاريخية" عنده وجذب عاطفته نحو الرموز العثمانية، ففي "فاتح 1453" يتعلق بمحمد الفاتح، وفي "حريم السلطان" يشغف بسيرة سليمان القانوني، وفي "عاصمة عبد الحميد" ينبهر بـ"عظمة" عبد الحميد الثاني، أما في "قيامة أرطغرل" فهو يُذهَل بقوة وكفاح أرطغرل جد آل عثمان.

بل وقد كانت ثمة محاولة تركية لغزو السينمات العالمية بفيلم اُنتِج في هوليود هو "الضابط العثماني/The Ottoman lieutenant " يقدم رؤية تركية تبرئ العثمانيين من مذابحهم بحق الأرمن، ولكنه لم يحقق النجاح المنشود.

تلك المسلسلات والأفلام ليست مجرد أعمال درامية أنتجها منتجون متحمسون لصناعة عمل يحقق مكسبًا جماهيريًا وماديًا وإنما هي في حقيقة الأمر "توجيه إعلامي رسمي" وهو الأمر الذي يبدو جليًا في اهتمام النظام التركي بها إلى حد متابعة أردوغان شخصيًا لتصوير وصناعة مسلسل "قيامة أرطغرل" ومن بعده "قيامة عثمان"، وزيارته مواقع التصوير ولقاءاته المتكررة مع طاقم العمل..  وبالتأكيد فإن اهتمام نظام حاكم بهذه الأعمال إنما تتبعه بالضرورة قراءة أثرها عند المشاهد ودراسة كيفية الاستفادة منه كأداة للقوة الناعمة خارجيًا، وكمشتغل بمجال التاريخ ومتفاعل مع جمهور المهتمين بالتاريخ الإسلامي بالذات أستطيع أن أقول بكل ثقة إنه ثمة نشاط واضح لما يمكنني وصفه بـ"عثمنة التاريخ الإسلامي عند المتلقي العربي" وللأسف الشديد فإن هذا النشاط يجد له أرضًا خصبة خاصة عند أهل تيار "الإسلام السياسي" الذين لا تقف كارثية الأمر عند تقبلهم لهذه الرسالة بل تتجاوزه إلى قيامهم بدعمها وتبنيها والتبشير بها!.

وإن كنا لا نستطيع أن نلوم صانع الدراما-أيًا كانت نواياه-على تطويع التاريخ لرؤيته (باعتبار أنه أمر يمارسه الجميع) فإننا بالتأكيد نستطيع أن نلوم المتلقي الذي يستقي معلوماته من تلك الأعمال، ويسلم عقله تمامًا لصناعها، بل ويحوّل أشخاصها إلى أصنام يسبح بحمدهم آناء الليل وأطراف النهار بدلًا من أن يفتح كتابًا أو يشاهد وثائقيًا يكوّن على أساسه قناعاته وأفكاره!.

إلى حد أن لو تجرّأ أحدنا -معشر المشتغلين بالتاريخ- على نقد شخصية سبق أن قدمت لها الدراما التركية صورة لامعة مضيئة، لوجد نفسه في مرمى سهام المتأثرين بتلك الصورة بينما أغلبهم لا يعرف شيئًا عن "صنمه" هذا إلا من خلال مسلسل أو فيلم تركي!.

مسلسل "ممالك النار" والكيل بمكيالين:

لو تجولنا قليلًا على مساحات التواصل الاجتماعي للاحظنا شدة احتفاء أهل "الإسلام السياسي" بالدراما التاريخية التركية، إلى حد قيام بعضهم برفع مقاطع فيديو تمثل مواقف بطولية أو عادلة للسلطان عبد الحميد الثاني أو أرطغرل أو سليمان القانوني، مع تعليقات المدح والترحُم على هذا الشخص باعتبار أن هذا المشهد ليس مكتوبًا بيد مؤلف ومؤدى من قِبَل ممثل ومقدم برؤية مُخرج، وإنما هو -وفق منطقهم- نقل دقيق للواقع والحقيقة التي لا ريب فيها (يذكرني هذا بأكثر من مرة أرى من يترحم على الشهيد عمر المختار بينما هو يضع صورة الفنان أنتوني كوين!).

وفي المقابل، نفاجأ بعاصفة من الهجوم على المسلسل العربي "ممالك النار"حتى من قبل بدء عرضه، واتهامات لصناعه -وعلى رأسهم كاتبه محمد سليمان عبد المالك- بتشويه التاريخ لصالح رؤيتهم الخاصة، وقيام المهاجِمين بإفراد منشورات على حساباتهم وصفحاتهم لإظهار "الأخطاء التاريخية" في العمل، مع تأكيدهم على ضرورة أن يلتزم صناع الدراما التاريخية الدقة فيما يقدمون من معلومات!.

يذكرني هذا الموقف بقول الشاعر "أُسدٌ عَلَيَّ وفي الحروب نعامة"، أين كانت هذه الحِمية للأمانة التاريخية مع الدراما التركية؟ لماذا لم تظهر إلا عندما قررت جهة إنتاج عربية أن تقدم رؤية عربية لواقعة الاحتلال العثماني لبلاد العرب والصدام مع المماليك؟
هل حلال للأتراك أن يقدموا رؤيتهم للتاريخ وحرام علينا أن نفعل المثل؟.

وثمة موقف قريب لمست فيه بشكل مباشر هذه الازدواجية، ففي صفحة متخصصة في التاريخ والآثار -ولم يصعب عليّ بعد ذلك استنتاج انتماء القائمين عليها- كتب القائم على الصفحة منشورًا يهاجم مسلسل "ممالك النار" لمخالفته الدقة التاريخية، وعندما علق البعض منتقدين المنشور وضع القائمون تعليقًا يبررون فيه عدم هجومهم بالمثل على مسلسل "قيامة أرطغرل" بأن "مسلسل أرطغرل مجرد مسلسل وأنت حر في مشاهدته أم لا لكن ممالك النار مسلسل ضخم ينبغي أن يقدم صورة تاريخية واقعية"، وعندما كتبتُ تعليقًا بصفتي متخصصاً في التاريخ أفند فيه كلامهم قاموا بحذف تعليقي وحظري من وضع تعليقات أخرى!.

هذا التصرف منهم يعبر عن موقف عبدة أصنام الدارما التركية، فهم لا يرفضون فكرة تطويع التاريخ لصالح الصورة الدرامية، لكن فقط إن كان هذا في سبيل تعظيم وتمجيد التاريخ العثماني، أما أن يخرج العمل الدرامي عن هذا الخط فهو بالنسبة لهم كذب وتضليل وعدوان على التاريخ.. أي أنهم يعترفون ضمنيًا بحق صناع الدراما في الخروج عن الدقة التاريخية لصالح تقديم عمل ممتع، لكنهم يقصرون ممارسة هذا الحق على من يبتغي بعمله تقديم صورة لامعة مشرق للعثمانيين.

نحن إذاً أمام صورة فجة من النفاق (وهو أكثر الأوصاف تهذيبًا لهذا الموقف) الذي يمارسه هؤلاء ويعلم الله وحده من منهم يوجهه لـ"سادته" العثمانيين القدامى ومن يقصد به سادته العثمانيين الجدد!.

بين الإنتاج الإبداعي والدقة التاريخية:

السبب الرئيسي لهذه الظاهرة المؤسفة هو غياب فكرة التمييز بين "الإنتاج التاريخي الإبداعي" و"العمل التأريخي العلمي"..
فالأول لا يخضع لأي ضوابط، فلا يمكننا أن نطلب وضع قيود على خيال المبدع، وأصلا كلمتا "قيود" و"خيال" تتعارضان بشدة، ولو وضعنا مثل تلك القيود فأجبرنا صانع العمل لأدبي أو الدرامي أن يلتزمها لأحرقنا عشرات الأعمال الأدبية لشكسبير وألكساندر دوما وفيكتور هوجو ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني وجيلبرت سينويه وأمين معلوف وسعد مكاوي وعبد الحميد جودة السحار ورضوى عاشور وأحمد مراد! ولأعدمنا نسخ الأعمال الدرامية لمخرجين أمثال يوسف شاهين ومصطفى العقاد وريدلي سكوت وكوينتن تارنتينو وغيرهم! بل لدمرنا كذلك روائع الأدب الشعبي كسِيَر بني هلال وعنترة بن شداد وذات الهمة وعلي الزيبق وسيف بن ذي يزن وألف ليلة وليلة!.

إذاً فمطلب "إلزام المبدع الدقة التاريخية" مستحيل وهو رِدة للإبداع!.

وصناع العمل التاريخي الأدبي أو الدرامي لم يخدعوك فيقولون إنه "حقيقي" وإنما أقصى ما يقال أن يشير بعضهم إلى أن "العمل يستند لوقائع حقيقية" أي أنه يعتمد على واقعة تاريخية حقيقية لكنه يقدمها برؤية صناع العمل..  وهو ما يعبر عنه الكاتب أحمد مراد بقوله: "أرى أن التاريخ بحد ذاته يمثل دراما إنسانية عميقة وكل عهد من العهود التي مرت بها مصر يمكن أن يكون مادة خصبة لخيال أي روائي للتحليق في سماء الإبداع" أو ما يُنسَب للكاتب الفرنسي ألكساندر دوما قوله: "لا بأس أن تعتدي على التاريخ بشرط أن ينجب منك طفلًا جميلًا".

الحل إذا بسيط جدا: أنت يا عزيزي المهتم  بالتاريخ إذا احتجت إلى معرفة طبية ذهبت إلى الطبيب أو فتحت كتابًا في الطب، ولو كانت بغيتك معرفة في الهندسة أو الكيمياء أو القانون لتوجهت للمتخصصين في هذه المجالات أو بحثت في كتبهم، فلماذا يختلف تعاملك مع التاريخ عن ذلك؟ ضع لنفسك قاعدة سهلة هي أن العمل الأدبي هو مجرد رواية، والعمل الدرامي هو مجرد صورة تمثيلية وإخراجية، ولكل منهما نصيبه من الإمتاع والإبهار وبراعة التقديم والإضافة للموروث الفني، ولكنهما لا يصلحان كمصادر للمعرفة التاريخية التي لن تجدها إلا في كتاب أو مقال متخصص أو فيلم وثائقي أو محاضرة أو ندوة.. ليس تطبيق ذلك بالصعب..
مجرد التزام هذه القاعدة من شأنه أن يؤدي مع الوقت إلى تلك الثغرة الواسعة في وعينا الجمعي التي تتسلل منها الأعمال الخبيثة للراغبين في فرض سيطرتهم على تاريخنا طمعاً منهم في غزو حاضرنا للتحكم في مستقبلنا!.