بقي العراق يعاني الأزمات منذ تأسيس الدولة عام 1921 حتى الآن، ولم تجرؤ الطبقات السياسية المتعاقبة، على اجتراح حلول جذرية للمشكلات المتراكمة عبر السنين. لقد حار الإنجليز عندما احتلوا العراق عام 1914 باختيار نظام ملائم لبلد متنوع الأعراق والأديان والمذاهب والثقافات والجغرافيا، وبعد سبع سنوات من الاحتلال المباشر، قرروا الإتيان بملك (عربي) من خارج العراق، وكأن سكان العراق ليسوا عرباً، وكانت هذه أول مشكلة واجهها العراق الجديد، إذ أغضبت هذه الخطوة الكثير من أبناء البلد حينها، فجاءوا بملك (فائض عن الحاجة) من الخارج ونصبوه على عرش العراق.

لم يقبل العراقيون جميعاً بالنظام الجديد، فكون الملك غير عراقي، وكذلك أفراد طاقمه، دفع كثيرين إلى التشكيك في شرعية حكمه، فملوك الدول المجاورة كلهم من أبناء بلدانهم، إلا العراق، لذلك لم يكن النظام مقبولاً من الجميع. لكن الخيارات ليست كثيرة في تلك الفترة، بسبب حداثة الدولة والانقسام المجتمعي السائد في العراق منذ الأزل، لكن حتى أفغانستان الأكثر تنوعاً من العراق، عرقياً ودينياً، كان ملكها من أبنائها. ظلت هذه القضية تغلي حتى أطاح الجيش الجيل الثالث عام 1958 في انقلاب دموي، ترك تأثيرات عميقة في المجتمع، لكن غالبية العراقيين الساحقة، كانت مؤيدة للانقلاب العسكري، الذي نصّب الزعيم عبد الكريم قاسم رئيساً للوزراء.

لقد أقام العسكر نظاماً جمهورياً، حاول جاهداً أن يلغي القوانين المجحفة ويساوي بين الناس، خصوصاً في الفترة الأولى بقيادة الزعيم قاسم، لكن الاختلافات والتناحرات العراقية، تواصلت واشتدت، واختلف العسكر في ما بينهم، وقتل بعضهم بعضاً، بتشجيع من الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر، الذي أيد فئة ضد أخرى، فتوالت الانقلابات ومحاولات الانقلاب، حتى استقر الحكم لحزب البعث بقيادة صدام حسين، لكن الثمن كان باهظاً للعراق، كدولة وشعب.

بقي صدام يمارس العنف، كحل وحيد لأي مشكلة تواجهه، ففتك بكل صاحب رأي مخالف وكل من يشتبه بأنه معارض، سواء كان طالباً في المدرسة أو أستاذاً في الجامعة، أو ضابطاً في الجيش أو رجل دين في الحوزة. لم يكتف النظام بالقمع، بل شعر بقوة خارقة، جعلته يشن الحروب على الدول المجاورة، فغزا إيران، محاولاً استرداد شط العرب، الذي تنازل عنه لشاه إيران في اتفاقية الجزائر عام 1975، لكنه لم يستطع، فاستمرت الحرب ثماني سنوات، وتسببت في إهدار ثروة العراق وتأخير تقدم البلد، وقتل نصف مليون من شبانه. بعد ذلك، غزا الكويت ودمرها، مما تسبب في حرب مدمرة أخرى، تلاها فرض عقوبات دولية قاسية أضعفت بنية الدولة والمجتمع، وفي النهاية تسبب بغزو أميركي بريطاني للعراق عام 2003. لم يستجب صدام لكل المبادرات الدولية لإنقاد العراق من الاحتلال، وكان آخرها مبادرة المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، التي تضمنت تخليه عن السلطة، من أجل تجنيب العراق كوارث الغزو الأجنبي.

حصل الغزو وقاد إلى احتلال أطاح أركان الدولة، وتسبب في مزيد من التناحرات والاختلافات العميقة بين العراقيين، إذ مزق الشعب إلى طوائف وملل ونحل وأحزاب وجماعات توالي هذه الدولة أو تلك، وهذه الطائفة أو تلك، أو هذا الزعيم أو ذاك، خصوصاً بعد أن دخلت إيران طرفاً سياسياً قوياً في العراق، تمكن بمرور الزمن، من تهميش الدور الأميركي. المشكلة التي أثارها الاحتلال الأميركي هي أنه أثار مزيداً من الفرقة في بلد يعاني التمزق. فقام بحل الجيش (ذي المليون منتسب) وحل حزب البعث (ذي المليون عضو) وإقالة آلاف البعثيين من وظائفهم في مؤسسات الدولة، وسلم السلطة للأحزاب المعارضة فقط، ومعظمها كان في الخارج وقليل الخبرة في العمل الإداري والحكومي، بل إن أكثر المعارضين لا يمتلكون خبرة في أي مجال، ولا حتى في السياسة التي يفترض أنهم يعملون فيها ويجيدون أساسياتها. وباستثناء مجموعتين سياسيتين، هما الوفاق والمؤتمر، فإن الجماعات الأخرى، جماعات دينية لا يمتلك قادتها أي خبرة سياسية أو إدارية.

توهم السياسيون الجدد (المعارضون سابقاً) بأن من حقهم أن يلغوا مشاركة غيرهم في إدارة الدولة، فأصدروا القوانين التي تعطيهم الحقوق والامتيازات، وتلغي أي حقوق للآخرين (البعثيين تحديداً)، فخلقوا بذلك شريحة مهمشة كبيرة من المجتمع، بل أجازوا قوانين تمييزية مثل قانون السجناء السياسيين، الذي يجيز لمعارضي النظام السابق، أن يتقاضوا راتبين من الدولة لمدة عشر سنوات، وهذا الإجراء مخالف للقانون، وقانون مهجري رفحاء الذي منح كل من هرب من العراق إلى رفحاء في المملكة العربية السعودية راتباً وتعويضاً مجزياً، أثار استياء معظم العراقيين. كما شرّع مجلس النواب قانون تقاعد الأعضاء والوزراء الذي منح المسؤولين الكبار رواتب تقاعدية كبيرة، حتى وإن كانت خدمته بضعة أشهر. وحدد النظام رواتب عالية جداً للمسؤولين ورواتب متدنية للموظفين الصغار لا تكفي لسد حاجات المواطن الأساسية.

بدأت الطبقة السياسية تميز ضد الناس، فالتعيينات في مؤسسات الدولة ووزاراتها كلها لأعضاء الجماعات السياسية وأقاربهم، أما الإنسان العادي فيضطر إلى دفع الرشوة كي يحصل على وظيفة. وزارة الخارجية مثلاً أصبحت مؤسسة تضم أقارب المسؤولين وإخوانهم وأصهارهم وأبناءهم، فازداد عدد الدبلوماسيين من 1500 زمن النظام السابق إلى 6 آلاف، كلهم جاءوا عبر منسوبيات ومحسوبيات.

أصبحت عقود الدولة لا تمنح للشركات، إلا بعد الاتفاق على عمولة مجزية للحزب الذي يقود المؤسسة المعنية، وقد شكلت الجماعات السياسية (أو ما تسمى خطأً الأحزاب، وهي في الحقيقة ليست أحزاباً أصولية بل جماعات تقودها عائلات دينية/سياسية) لجاناً اقتصادية تتفاوض مع الشركات والمقاولين، من أجل الحصول على حصة من العقود. تدهورت الخدمات وتزايدت البطالة خصوصاً بعد الانفجار السكاني الذي حصل خلال العشرين سنة الماضية، إذ تضاعف عدد سكان العراق من 20 مليوناً إلى 40 مليوناً تقريباً، بسبب تشجيع رجال الدين الناس على الإنجاب، وعدم وجود خطة وطنية لتوعية الناس.

بقي المستقلون، وهم غالبية أبناء الشعب، يعانون البطالة وشظف العيش وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية، في بلد تدخله على الأقل من مئة إلى مئة وخمسين مليار دولار سنوياً من عائدات النفط فقط، إلى جانب عائدات البلد الأخرى المتنوعة. أخذ الفقر يتفاقم كنتيجة مباشرة لتفاقم الفساد، بينما ازداد التمادي والإيغال في التجاوز على المال العام وتعيين الأقارب والأتباع في مواقع غير مؤهلين لإدارتها، مما فاقم العجز والتراجع والتدهور.

أحد الزعماء (الإسلامين) أتى بأصهاره وأبناء أخوته وأبناء أعمامه وأصدقائه وأتباعه إلى البرلمان ومجالس المحافظات ووظائف الدولة الرفيعة، من دون أن يشعر بحرج ولا معارضة تذكر من أحد!.

لقد حذّر المثقفون والكتّاب والصحفيون والمنصفون من كل شرائح المجتمع، بينهم كاتب السطور، من اندلاع ثورة شعبية عارمة تطيح الطبقة السياسية الفاسدة وكل امتداداتها وأذنابها، وتعيد البلد إلى نقطة الصفر مرة أخرى، إن لم يتوقف الفساد والاستهانة بمصالح الناس وكرامتهم، لكن لم يستمع أحد إلى هذه النداءات المخلصة.

توهم السياسيون بأن الشعب سوف يرضى بالوعود ويستكين للأمر الواقع ويصبر على الفساد. لكن أبناء الجيل الجديد مصممون على الانعتاق من أسر الماضي والعيش حياةً عصريةً حرةً كريمة. فهبّوا في الأول من أكتوبر الجاري محتجين في مدن العراق الرئيسية في مظاهرات سلمية عارمة. وخلافاً للدستور والقوانين والأعراف والأخلاق، فقد واجهتها الحكومة، التي تمثل الطبقة السياسية بكل تلاوينها، بالحديد والنار فسقط حتى الآن بين 300 و400 شهيد وأكثر من 12 ألف جريح. لقد كانت معركة حامية الوطيس بين شبان لا سلاح لديهم سوى الشجاعة والإقدام والاستعداد للتضحية في سبيل الحرية والكرامة، وطبقة سياسية موغلة في الفساد والأنانية والإجرام، متشدقة بالدين ومصممة على الاحتفاظ بالمكاسب المادية التي تحققت لقادتها وأتباعهم عبر الفساد والسرقة. أحد الشبان نشر فيديو يتضمن حواراً مع أمه، إذ كان يستأذنها للمشاركة في الاحتجاجات، قائلاً لها "يا أماه، هل تأذنين لي بالمشاركة في الاحتجاجات؟ فقالت له اذهب يا بني وأعد لنا الوطن، فرد عليها: لكنني قد أموت، فردت عليه: اذهب يا بني، حرسك الله، حتى لو كنت ستموت". إن كانت الأمهات بهذا القدر من الاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس، حتى بفلذات أكبادهن، فإن الوضع وصل مرحلة خطيرة وغير مسبوقة. مع ذلك لم تستجب الطبقة السياسية الصماء لمطالب الشباب، ولم تقدم مبادرة لحل المشكلة، مراهنة على عامل الزمن.

لقد وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود، وأصبحت الحلول شحيحة بمرور الزمن. عادل عبد المهدي يرفض الاستقالة، أو ربما لا يسمح له داعموه بها، لكن الاحتجاجات مستمرة في شوارع بغداد ومدن الجنوب العراقي، والآن بدأت المظاهرات تخرج في المحافظات العربية الشمالية والغربية، انتصاراً لأهالي الجنوب والعاصمة، وهو دليل على وحدة الشعب العراقي، "كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" كما يقول الحديث الشريف. لا أرى حلاً إلا باستقالة هذه الحكومة التي يلومها الجميع على مواجهة احتجاجات سلمية بقسوة دموية ووحشية غير مبررة، وتشكيل حكومة خبراء تضطلع بمهمة إصلاح النظام السياسي إصلاحاً جذرياً.

ومع رفض رئيس الوزراء تقديم استقالته، واستعداده للتضحية بالسلم الأهلي واستقرار البلد من أجل البقاء في سلطة هزيلة، اصبح لزاماً على رئيس الجمهورية أن يطلب من البرلمان إقالة الحكومة، لفسح المجال أمام تشكيل حكومة جديدة تضطلع بتنفيذ إصلاحات عاجلة وجذرية للنظام السياسي والإداري، تهدف إلى إنصاف الفقراء وتحقيق العدالة والمساواة، وتحسين الخدمات وتوزيع عادل للثروة. رئيس الجمهورية مازال عاجزاً عن تقديم الحل الدستوري للأزمة حتى الآن، فإن بقي متفرجاً، فإن الأمور سوف تنزلق إلى الهاوية وسوف يبحث المحتجون عن حلول غير دستورية، بل سيكون الرئيس، إلى جانب رئيس الوزراء، جزءاً من المشكلة. لقد قدم عدد من النواب استقالاتهم احتجاجاً على رفض الحكومة تقديم استقالتها. إن لم يقدم رئيس الجمهورية حلاً يوقف نزف الدم، فإن المحتجين الذين يقف معهم الشعب العراقي والمجتمع الدولي، سوف يطيحون النظام السياسي ويجتثونه من جذوره، وقد تكلف هذه العملية أثماناً باهظة، بشرية ومادية.