انحرفت بسيارتي الى إحدى طرقات المدينة المظلمة ودلفت الى مطعم يقُال إن وجباته جيدة. خرجت من المطعم أحمل وجبة في يدي، وقبل أن أصل الى حيث تقف سيارتي، هرول نحوي طفل صغير يصرخ بصوتٍ متحشرج يصعب سماعه للوهلة الأولى. "أنا جائع إعطني مالاً أو وجبه أتناولها". لم تمض هنيهة، إلا وأتت طفلة تصغر رفيقها بأعوام قليلة، ووقفت تنظر اليّ بصمت أقوى تعبيراً من أي كلمة.

الوقت يقارب منتصف الليل، وأمامي طفل صغير ممزق الملابس أنفه سائلة يملأه الغبار من رأسه الى أخمص قدميه، وتقف الى جانبه طفلة بريئة صغيرة هي أيضاً ممزقة الثياب حافية القدمين يغشاها بؤس ظاهر. الارهاق بائن على الطفلين، نظرت الى عينيهما الصغيرتين ملياً وقد غشتهما طبقة حمراء ترتبط في ذهني غالباً بالرهق والتعب. "ماذا بك يا بني، وماذا تريد؟" سألته وأنا تحت أثر صدمة ما. جائني الطلب مجدداً، لكن هذه المرة بصوتين "نريد طعاماً أو مالا".

"ما أسمك؟"، أجابني "أحمد.." وأنتِ؟ "ميسون..."

أحمد، طفل جميل القسمات برئ يبلغ من العمر ثماني سنوات، وهو في الصف الثالث في المدرسة، على حد قوله. حصل على الترتيب الخامس في امتحان الانتقال للصف الثالث. والده عامل رقيق الحال لا قدرة له على الوفاء باحتياجات أسرته كاملة. أما والدته فتعمل في خدمة المنازل، وتصرف ما يتيسر لها من دخل يومي على بيتها، وبطبيعة الحال لا يكفي هذا ولا ذاك في سد حاجة أحمد أو ميسون، تلك الصغيرة التي لا تدري كم عمرها. "أنا في الصف الأول و أكثر ذكاءاً من أحمد". قالت لي هذه الجملة وهي تنظر بتحدٍ لأخاها أحمد الذي بدا غير راغب في الانغماس في صراعات جانبية تصرفه عن هدفه الأساس، المال أو الطعام.

سألتهما عن مكان سكنهما، فعلمت أنهما يقطعان نحواً من خمسة كيلومترات يومياً ليصلوا الى هذا الموقع تحديداً من أجل التسول، هذه هي مساهمة أحمد وميسون للأسرة. "إذا حصلنا على طعام أو مال نأخذه معنا لأمي وأبي. لا نأكل لوحدنا حتى إذا كنا نتضور جوعاً" ياله من اتفاق شاق يجلب على النفس عنتاً وتعبا، لكنهم يحترمون اتفاقاتهم.

"كيف يمكن أن تصلا الى منزلكما في هذه الساعة المتأخرة؟" أجابني أحمد، سنصل.. إجابتة أتت عجلى، فالفتى يرغب في تحقيق هدفه وقد أحس أنه قاب قوسين أو أدنى من انهاء ورديته بنجاح. قلت له حسناً خذا طعامي ولكما من المال ما تيسر وأذهبا الى داركما الآن دون تأخر. تردد أحمد كثيراً في أخذ طعامي، وقال لي "ماذا ستأكل أنت؟" قلت لهما "لا عليكما خذا وأذهبا .. الآن".

هرول أحمد وخلفه ميسون وتلاشا في جنح ظلام دامس بهيم. وقفت لوهلة وبصري شاخص في هذه الأشباح الصغيرة وهي تركض، تعلو تارة وتنخفض تارة أخرى، إنها وثبةُ فرحٍ لأنهاء اليوم بنجاح ربما لن يتكرر كثيراً.

لم أدر كم من الزمن مضى عليّ وأنا اتأمل هذين الصغيرين، ولوهلة تلاشى احساسي بالمكان، فهذان الطفلان التقياني في عواصم كثيرة في هذا الاقليم الشاسع والممتد، ولم يعد مشهدهما يثير دهشة أو حزناً، بل على العكس من ذلك، يثير ضجر وتأفف النخب التي غالباً ما تنوارى خجلاً من ... أحمد وميسون.