حتي وقت قريب كان رونالدو وعائلته ضيوفا علي مصر واستضافه واحد من كبار رجال أعمال هذه الأيام ضمن حملة مدفوعة الأجر للترويج السياحي طاف خلالها بمنطقة الأهرامات إلى جانب مشاركته في إعلانات تليفزيونية عن منتجات شركة رجل الأعمال، وهي واحدة، من شركات معدودة تسيطر علي قطاع الحديد في مصر.

الآن، وبعد مشاركة رونالدو نجمة داوود الإسرائيلية، لن يكون بإمكان هذه الشركة الاستمرار في بث إعلان رونالدو الخاص بها، فالخسارة هنا ليست مالية فقط، وإنما الأهم أنها وطنية أيضا.

فخسارة المال تبدو قابلة للتحمل، أما خسارة السمعة الوطنية فلا يمكن تعويضها بالمرة.

الفلسطينيون والعرب علي حق في غضبهم من رونالدو وغيره، وقد سبقه في المضمار نحو إسرائيل عدد لا يستهان به من نجوم الكرة والسينما العالميين، فلا يمكن على أي مستوى القبول بمشاركة شخصيات عالمية قوى الاحتلال والعنصرية والغطرسة دعاياتها ولا التسويق لها، خاصة إذا كانت من النوع الذي لم ينقرض بعد مثل الاحتلال الإسرائيلي.

إنما والحق يقال إن هناك وجها آخر لمسألة تورط شخصيات عالمية في هذا النوع من "التسويق الأسود" لقوى الاحتلال والعنصرية والغطرسة بالطبع.

ليست الأجور أو العوائد المالية المرتفعة، التي قد تحصل عليها هذه الشخصية أو تلك، إنما وفِي حالة القضية الفلسطينية علي وجه التحديد، فهذا الوجه الآخر يتعلق للأسف بفقدان هذه القضية النبيلة موقعها، الذي ظل ساميا في الضمير الإنساني والعالمي منذ نشأتها وحتي السنوات الأخيرة الماضية. 

فمنذ 11 عاما، يجري وصف القضية الفلسطينية بقضية الفلسطينيين المنقسمين، لا أولئك الذين يعانون ظلم وقهر الاحتلال الإسرائيلي.

ومنذ 7 سنوات جاءت تداعيات "الربيع العربي" لتدمغ واقع المنطقة العربية برمتها بوصفها "منطقة صناعة وتصدير الإرهاب الديني للعالم".

ولسوء حظ القضية الفلسطينية جاء صعود "الهوية الدينية" بيد حماس ومثيلاتها علي حساب "الهوية الوطنية"، التي ميزت هذه القضية طوال عمرها، وكأنه يمهد الأرض لصالح التصوير الإسرائيلي للقضية بوصفها على غير الحقيقة، بأنها "قضية إرهاب". 

ولطالما ظل الموقع السامي للقضية الفلسطينية في الضمير الإنساني والعالمي دافعا لانضمام ومساندة شخصيات عالمية رفيعة المستوي من كافة الجنسيات للقضية الوطنية الفلسطينية.

وفِي المقدمة شخصيات يهودية مرموقة حتي داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته، ظلت تجد شرفها الإنساني والأخلاقي في الدفاع عن القضية الفلسطينية والدعوة لتحرر واستقلال الفلسطينيين بل والانضمام إلى صفوف الثورة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

ولو دققت النظر، فربما لن تجد أمثال هؤلاء الآن بعد أن أصبحوا تاريخا، كما صار الموقع السامي للقضية الفلسطينية تاريخا خاصة بين أهلها العرب والفلسطينيين ذاتهم، حتي بلغنا وضعا تحظى فيه مقاطعة المستعمرات الإسرائيلية ومنتجاتها بمبادرة ودعم أوساط أكاديمية أوروبية يغيب العرب أنفسهم عن مساندتها، ناهيك عن الانضمام إليها.

ليس مقصودا بمثل هذا الطرح إيجاد مبررات لرونالدو وأمثاله ممن سقطوا في جريمة مساندة احتلال عنصري، إنما القصد ضرورة العمل على إعادة الاعتبار لوجه القضية الفلسطينية النبيل وموقعها السامي في الضمير الإنساني.

عمل مثل هذا، صار يتطلب جهدا مدنيا فلسطينيا وعربيا من شأنه أن يكون متعدد الجوانب والزوايا الإنسانية والثقافية والفنية، لا يستهدف العالم وشخوصه وهيئاته وضميره العام، إنما أيضا العرب والفلسطينيين أنفسهم، ففاقد الشيء لا يعطيه. أليس كذلك؟