مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وتصاعد الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، ومحاولات كل من المعسكرين استقطاب المزيد من الدول في فلكهما، قررت مجموعة من الدول النأي بنفسها عن المعسكرين والابتعاد عن سياسة الحرب الباردة.
الآن وفي ظل حالة الاستقطاب الواحدة، أي بوجود حلف شمال الأطلسي "الناتو" وحده بعد انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية برمتها، هل ثمة حاجة إلى كتلة أو حركة عدم الانحياز؟ وهل باتت أهدافها ومبادئها "صالحة" للاستمرار في وقتنا الحالي؟
البدايات
في تلك الفترة الزمنية ومع انهيار النظام الاستعماري، ونضال شعوب إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية من أجل الاستقلال، طرح زعماء أهم ثلاث دول في آسيا وإفريقيا وأوروبا فكرة تأسيس حركة لا تنحاز لهذا المعسكر أو ذاك،
والزعماء الثلاثة هم، رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو والرئيس المصري جمال عبدالناصر ورئيس يوغسلافيا السابقة جوزيف بروز تيتو، من دون إغفال الدور الهام الذي لعبه زعيم استقلال إندونيسيا أحمد سوكارنو في تأسيس هذه الحركة.
وجاءت فكرة التأسيس إثر مؤتمر باندونغ في إندونيسيا في إبريل 1955، الذي حضرته 29 دولة آسيوية وإفريقية كانت قد استقلت حديثا عن الدول الاستعمارية، وقررت انتهاج سياسة دولية مشتركة تجمعها، ووضعت ما يسمى بمبادئ باندونغ العشرة.
وتحكم هذه المبادئ الـ10، العلاقات بين الدول، وكان هدفها الرئيسي "عدم الانحياز" إلى المعسكرين الشرقي والغربي، لتتحول هذه المبادئ لاحقا إلى المعيار الأساسي للعضوية في الحركة التي أعلن عنها في المؤتمر الأول للحركة الذي عقد في العاصمة اليوغسلافية بلغراد في سبتمبر من العام 1961 بمشاركة 25 دولة.
وفي المؤتمر التحضيري للقمة الأولى، الذي عقد في القاهرة عام 1961، أعلن عن الفكرة الأساسية للحركة والتي تمثلت في "صياغة مواقف دول الحركة بطريقة مستقلة بحيث تعكس مواقف الدول الأعضاء وليس القيام بدور سلبي في السياسة الدولية".
وكان من الأهداف الرئيسية للحركة: تأييد حق تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة والسلامة الإقليمية للدول ومعارضة الفصل العنصري وعدم الانتماء لأحلاف وتكتلات عسكرية متعددة الأطراف والابتعاد عن صراعات الدول الكبرى، وغيرها.
المبادئ العشرة لقمة باندونغ:
1- احترام حقوق الإنسان الأساسية، وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
2- احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها.
3- إقرار مبدأ المساواة بين جميع الأجناس، والمساواة بين جميع الدول، كبيرها وصغيرها.
4- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو التعرض لها.
5- احترام حق كل دولة في الدفاع عن نفسها، بطريقة فردية أو جماعية، وفقا لميثاق الأمم المتحدة.
6- وعدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية لتحقيق مصالح خاصة لأي من الدول الكبرى. وعدم قيام أي دولة بممارسة ضغوط على دول أخرى.
7- الامتناع عن القيام، أو التهديد بالقيام، بأي عدوان، والامتناع عن استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
8- الحل السلمي لجميع الصراعات الدولية، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
9- تعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.
10- احترام العدالة والالتزامات الدولية.
ومنذ تأسيسها وحتى الآن، عقدت الحركة، التي تضم 118 دولة و18 دولة مراقبة وعددا من المنظمات، 16 مؤتمر قمة، وآخرها الذي ينتظم حاليا في العاصمة الإيرانية طهران بين 26 و31 أغسطس الجاري.
انحياز عدم الانحياز
رغم الاتفاق على مبادئ باندونغ وعلى فكرة عدم الانحياز إلى أي من الكتلتين المتصارعتين، إلا أن هذا الاتفاق لم يمنع انحياز دول إلى إحدى الكتلتين، أو على الأقل تقارب السياسات بين دول الحركة مع دول وأطراف في الكتلتين.
فقد كانت سياسات الهند ومصر ويوغسلافيا في مرحلة تاريخية على سبيل المثال أقرب إلى سياسات الكتلة الشرقية، في حين أن سياسات باكستان ودولاً أخرى تميل إلى المعسكر الغربي.
نهاية الحرب الباردة
مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين، انهارت الكتلة الشرقية برمتها وتفكك الاتحاد السوفياتي إلى مجموعة من الدول، ما أوجد مناخا جديدا وضع الحركة في مواجهة تحديات كبيرة، ذلك أن نهاية الصراع بين الكتلتين المتعاديتين، قد يعني نهاية الحركة، التي كان ذلك الصراع يشكل جوهر وجودها واسمها ومضمونها.
ورأى البعض في حركة عدم الانحياز مبادئ وأهداف الحركة مازالت تحتفظ بشرعيها وصلاحيتها وقوتها، خصوصاً مع ظهور الهيمنة والقطبية الأحادية، ما يعني أن الشرط الأساسي لعدم الانحياز إلى أي من الكتلتين، لم يفقد شرعيته وصلاحيته بانتهاء الحرب الباردة.
كما رأوا أن انهيار إحدى الكتلتين لا يعني الخلاص من المشكلات الملحة القائمة في العالم، خصوصا مع تعاظم قوة الكتلة الباقية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والحروب في يوغسلافيا السابقة وأفغانستان والعراق.
ومن هنا جاء تأكيد قادة دولة الحركة، أثناء قمتهم الرابعة عشرة في هافانا بكوبا في سبتمبر 2006، على التزامهم بالمثل والمبادئ والأهداف التي قامت عليها الحركة، وبالمبادئ والأهداف المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
وقرر قادة الحركة في تلك القمة ضرورة تدعيم الحركة وإحياءها والتضامن بين جميع دولها والتنسيق فيما بينها لمواجهة التهديدات العالمية الناشئة، إذ إن غياب إحدى الكتلتين المتصارعتين "لا يقلل بأي حال من ضرورة تدعيم الحركة كآلية للتنسيق السياسي بين الدول النامية".