حرك رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي ملف المافيا في العالم مجددا بعد دعوته مؤخرا إلى "محاربة جماعات المافيا دون رحمة".
دعوة عززت معانيها حركة رمزية قام بها مونتي من خلال رفع الستار عن لوحة رخامية في ذكرى مقتل أكثر من 200 شخص على يد المافيا، بينهم نقابيون وناشطون ضدها، وذلك في مكان أكثر رمزية وهو "حديقة الذاكرة" التي أقيمت على أرض زراعية صودرت من زعيم المافيا ميكيلي غريكو، المتوفى عام 2008، والذي كان عضواً في قيادة مافيا صقلية "كوزا نوسترا".
للمافيا في العالم، شهادة ميلاد فيها اسمهما وتاريخ نشأتها وأصولها الأولى وما خفي أعظم، فقد كان يطلق على المافيا الإيطالية (الصقلية) عبارة "La Cosa Nostra" باللغة الإيطالية بمعنى "الشيء أو الشأن الخاص بنا".
ويرجع تاريخ كلمة المافيا إلى القرن الثالث عشر مع الغزو الفرنسي لأراضي صقلية عام 1282 ميلادية، حيث تكونت في هذه الجزيرة منظمة سرية لمكافحة الغزاة الفرنسيين كان شعارها "موت الفرنسيين هو صرخة إيطالياMorte Alla Francia Italia Anelia " فجاءت كلمة مافيا " MAFIA" من أول حرف من كلمات الشعار.
ولتاريخ نشأة المافيا أكثر من رواية، حيث يرى بعض زعمائها وعلى رأسهم جوبونانو "أبوعين" أن بداية المافيا كانت تتويجاً للتمرد والعصيان الذي ظهر بصقلية عقب قيام أحد الغزاة الفرنسيين بخطف فتاة في ليلة زفافها عام 1282، ما أشعل نار الانتقام في صدور الإيطاليين، التي امتد لهيبها من مدينة إلى أخرى، فقاموا بقتل عدد كبير من الفرنسيين في ذلك الوقت انتقاما.
ومن أشهر فرق المافيا فرقة جزيرة صقلية بإيطاليا، التي نشأت في منتصف القرن التاسع عشر. وأصبحت بحلول الربع الأخير من القرن التاسع عشر القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المسيطرة في غربي صقلية، وكانت في بادئ الأمر تنشط في عمليات الابتزاز في باليرمو وما حولها من مزارع الليمون والبرتقال.
وقد ضمت هذه المافيا بين طياتها بعضا من أفراد الأرستقراطية الحاكمة، حيث انقسم المجتمع في بداية الدولة الإيطالية الناشئة إلى الساسة، وأصحاب الأراضي، ودخلت المافيا بين هذين الفريقين كما كانت المحرك للعديد من أفراد الحكومة، ورجال الأعمال.
كما يتخذ تنظيم تلك المجموعات تسلسلاً هرمياً، يتمثل بـ رئيس "كابو" أو الرأس، وهو الحاكم الفعلي الوحيد في العائلة، وأقوى أفرادها، ويمثل رأس السلطة الهرمية، وهو منفصل عن العمليات الفعلية بعدة طبقات من السلطة، ويتلقى جزءاً من أرباح كل عملية يقوم بها أفراد الأسرة.
ويختار "الكابو" بنفسه مستشارين اثنين مهمتهما إسداء النصائح القانونية من دون أن تكون لهما أي صفة تقريرية، ويكونان عادة من رجال العصابات غير المشهورين الذين يمكن الوثوق بهم.
ويأتي مساعد الرئيس بعدها، وعادة يعينه الرئيس بنفسه، وهو "الرجل الثاني" في العائلة، ويعدّ الكابتن المسؤول عن بقية "كباتن" العائلة تحت رئاسة الرئيس، ويتقدم للرئاسة في حالة سجن الرئيس.
ويلي الكباتن أعضاء عاملون من ضباط وجنود "مافيوزو"، لا تكون لديهم أي علاقة مباشرة بالرئيس الأعلى، ويمكن أن يكونوا من أصل إيطالي أو صقلي.
ويبدأ الجنود بصفة منتسبين أو مساعدين أثبتوا أنفسهم، وغالباً ما يرشحهم الكابتن ليتم قبولهم لاحقاً في مجموعة الكابتن الذي رشحهم.
وهنالك مجموعة من المساعدين من الخارج، ليسوا أعضاء في العائلة، إنما يقومون بمهام محددة، وبدور الوسيط أحياناً، أو يبيعون المخدرات لدرء الخطر عن الأعضاء الفعليين.
ولا يمكن أن يصل الأعضاء غير الإيطاليين إلى أكثر من ذلك بالنسبة إلى العائلة، ويعمل كل منهم في مكانه من دون أي أمل في الترقية، فيبقى الجندي جندياً، ولا يطمح الملازم في منصب الكابو إلا إذا كان ابناً له فالزعامة وراثية، والمراكز هي لمدى الحياة.
ويقدر المسؤولون عن القانون أن هذه العائلات تكسب حوالي 50 مليار دولار أمريكي سنويا من هذه النشاطات.
ويعتقد أن المافيا أصبحت تمارس كثيراً من الأنشطة الشرعية، بجانب أنشطتها غير القانونية "غسيل الأموال".
وتراعى في المافيا قواعد تسلسل القيادة بشكل حازم، وتدار الأموال بهذا التسلسل وبنسب معينة، ولا يسمح للعضو بأن يتعامل إلا مع القيادات التي تعلوه مباشرة من دون أن يعرف شيئاً بعد ذلك، وكذلك يجهل بقية الضباط، وهذه القيادات تتعامل بدورها مع القيادات الأعلى وهكذا.
بهذه الطريقة يستحيل على سلطات التحقيق أن تتبع خيطا واحدا لتصل إلى كشف القيادات العليا.
ويتبع أفراد المافيا قواعد وقوانين خاصة تشبه إلى حد بعيد التنظيم العسكري دقة وصرامة، على رأس تلك القواعد تأتي (Omertà) أو قاعدة "الصمت" التي تمنع إفادة الشرطة بالجريمة أو مرتكبها.
وبحلول القرن التاسع عشر اتسعت المافيا وتحولت إلى مجتمع قائم على الجريمة لا يحترم أي شكل من أشكال السلطة.
وتنوعت أنشطة جماعات المافيا منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، وشملت إدارة مصانع ومطاعم ومتاجر وشركات تأمين ومصارف وفنادق وملاه كواجهة لأنشطة مربحة غير مشروعة في مجالات القمار وتهريب الخمور والمخدرات والدعارة والإقراض بفوائد والابتزاز والاحتيال وسرقة السيارات، فضلاً عن الخطف والقتل.
وفي الثمانينيات والتسعينيات، أدت سلسلة من حروب العصابات فيما بينهم إلى اغتيال الكثير من أعضاء المافيا البارزين، ما أرسى جيلاً جديداً من رجال المافيا على قاعدة مستحدثة للأنشطة الإجرامية تسمى "بالياقات البيضاء" بعكس الأنشطة الإجرامية التقليدية.
ونتيجة لهذا التغير، قامت الصحافة الإيطالية باستحداث عبارة "La Cosa Nuova" أو "الشيء الجديد"، بدلا من العبارة القديمة التي كان يطلقها المافيا الإيطالية على نفسها وهي La Cosa Nostra في إشارة إلى التجديدات التي طرأت على المنظمة.
ورغم أن العاملين في هذه العصابات يعيشون في قلق دائم بسبب غدرهم لبعضهم البعض فإن رعبهم الحقيقي بدأ حين قتل الرأس الكبير للمافيا وهو سالفاتور مارانزانو مع 40 من رجاله عام 1931.
ومنذ ذلك الحادث تم عقد اجتماع بين رؤساء العصابة في جميع أنحاء العالم، وتم انشاء نقابة يتولاها 12 شخصا ،على أن يكون الأب الروحي لهم كارلو جامينولا.
ومنذ أن تولى كالو العصابة بدأ نشاطها في الاتساع خصوصا في عمليات القتل وبيع المخدرات إلى أن قتل كارلو وهو في فراشه فهدأت المافيا بعد ذلك.
وقد أبلغت الجهات القانونية الرسمية ـ لأول مرة ـ عام 1891عن وجود مافيا في أميركا، ونمت المافيا بالولايات المتحدة الأميركية في بدايات القرن العشرين بهجرة الصقليين.
واليوم تظل المافيا الإيطالية-الأميركية أقوى المنظمات الإجرامية بالولايات المتحدة، وتستخدم هذه المكانة للسيطرة على غالبية أنشطة شيكاغو ونيويورك الإجرامية، كما أنها لا زالت تحتفظ بعلاقات بالمافيا الصقلية التي نشأت منها.
وقد تغيرت الجرائم المنظمة وطبيعتها في الفترة الأخيرة، واتخذت شكلاً في غاية الدقة والتعقيد، بسبب تعقيد النشاط الاقتصادي في العالم بشكل عام، وأصبحت المافيا وعالم الجريمة المنظمة محوراً للعديد من الأعمال السينمائية والأدبية وحيكت حولها الكثير من الحكايات والأساطير.
ورغم كل المحاولات المبذولة للقضاء عليها في الكثير من الدول، لا يزال تأثيرها القوي على الساحة السياسية والاقتصادية العالمية والإيطالية خاصة بشكل يقلق الساسة والشعوب على حد سواء.
واليوم تستخدم كلمة المافيا مجازاً للدلالة على أقصى درجات الإجرام تنظيماً ووحشية مثل المافيا الروسية والمافيا اليابانية "الياكوزا"، ويقدر عدد أفراد المافيا في أميركا فقط يقدر بـ 5000 شخص.
كما تملك هذه الأخيرة نحو 10 آلاف شركة تجارية تقدر عوائدها بحوالي 12 مليار دولار سنويا مما يدل على ثراء هذه العصابة.
فقد أفاد تقرير الرابطة الزراعية الإيطالية أن العائد السنوي للمافيا الزراعية نتيجة تجارة الغذاء المغشوش يقدر بحوالي 12.5 مليار يورو، وهذ يمثل فقط جزءا بسيطا من 220 مليارا تحققها المافيا الإيطالية سنويا كحصاد الجريمة المنظمة بحسب تقديرات المعهد الاقتصادي "إيربيديس".
كل هذه المعطيات وغيرها تجعل من ملف المافيا في العالم كابوسا بكل ما في الكلمة من معنى لأنها تفرخ الخراب وتبذر الموت أينما حلت.