تتحرك الولايات المتحدة لتوسيع حضورها العسكري في مدينة بوصاصو الساحلية، بموجب اتفاق مباشر مع سلطات إقليم بونتلاند شبه المستقل، في خطوة تستهدف تنظيم داعش وتأمين الملاحة في خليج عدن، لكنها تثير تساؤلات بشأن تجاوز الحكومة الاتحادية في مقديشو وتعميق انقسامات الصومال.

وكشفت سلطات بونتلاند، مطلع أغسطس، عن توقيع الاتفاق مع قائد العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا، مؤكدة أنه يسمح بتوسيع المنشأة العسكرية الأميركية في بوصاصو، بهدف تحسين عمليات مكافحة الإرهاب ودعم الأمن البحري.

إلا أن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر، كما لم تعلن القيادة الأميركية في أفريقيا "أفريكوم" أو الحكومة الأميركية تفاصيله رسمياً حتى الآن.

وبحسب موقع "ريسبونسبل ستيتكرافت"، جرت التفاهمات من دون مشاركة مباشرة من الحكومة الاتحادية الصومالية، التي تخوض خلافاً ممتداً مع بونتلاند بشأن الدستور وتوزيع السلطات والموارد.

من داعش إلى البحر الأحمر

تقع بوصاصو على الساحل الجنوبي لخليج عدن، في موقع قريب من الطرق البحرية المؤدية إلى باب المندب والبحر الأحمر، مما يمنح المنشأة أهمية تتجاوز العمليات داخل الصومال.

وتخوض قوات بونتلاند منذ أشهر معارك ضد تنظيم داعش في جبال باري، حيث يحتفظ التنظيم بمخابئ وممرات وعناصر أجنبية، بينما كثفت الولايات المتحدة ضرباتها الجوية لمساندة القوات المحلية.

ووفق بيانات أوردها التقرير، نفذت إدارة ترامب 124 ضربة جوية في الصومال خلال العام الماضي، إضافة إلى 78 ضربة منذ بداية 2026، مقارنة بـ51 ضربة خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن.

لكن توقيت الاتفاق يشير إلى هدف أوسع، في ظل اتساع التوترات في البحر الأحمر واستمرار تهديد الحوثيين للسفن. فوجود قوات أميركية في بوصاصو يمنح واشنطن موقعاً متقدماً لمراقبة خليج عدن والتحرك باتجاه الممرات البحرية المقابلة لليمن.

ويقول محللون إن قاعدة بوصاصو قد تمنح القوات الأميركية مرونة تشغيلية لا تتوافر لها في جيبوتي، التي تستضيف قاعدة "كامب ليمونييه"، أكبر منشأة عسكرية أميركية دائمة في أفريقيا.

وكانت جيبوتي قد وضعت قيودا على استخدام أراضيها لتنفيذ هجمات ضد الحوثيين، خشية الانجرار إلى الصراع، مما يزيد القيمة الاستراتيجية لأي موقع بديل على الساحل الصومالي.

أخبار ذات صلة

تضم معدات متنوعة.. الأمم المتحدة تفتح "مزاد الصومال"
100 يوم من الاختطاف.. مصير غامض للبحارة المصريين في الصومال

 شراكة تتجاوز مقديشو

لا يمثل التعاون الأميركي مع بونتلاند تحولاً كاملا في السياسة الأميركية، إذ استخدمت واشنطن الإقليم لسنوات نقطة انطلاق لعمليات مكافحة الإرهاب، وعملت مع قواته الأمنية بصورة مباشرة.

كما تتبع الولايات المتحدة سياسة مزدوجة تقوم على دعم الحكومة الصومالية المعترف بها دوليا، مع بناء علاقات أمنية مع أقاليم مثل بونتلاند وجوبالاند وسلطات محلية أخرى.

لكن الاتفاق الجديد، إذا تحول إلى وجود أميركي أوسع ومستقل، قد ينقل هذه العلاقة من التعاون العملياتي إلى شراكة عسكرية طويلة الأمد، ويمنح بونتلاند قدرة أكبر على التعامل بوصفها طرفاً مستقلاً عن مقديشو.

وتزداد حساسية الخطوة لأن بونتلاند لا تعترف بالتعديلات الدستورية التي دفعت بها الحكومة الاتحادية، وعلقت تعاونها معها في ملفات عدة. كما عقد مسؤولون في "أفريكوم" لقاءات مع قيادة جوبالاند قبل الإعلان عن اتفاق بوصاصو، في وقت تشهد علاقات الإقليمين مع مقديشو توتراً حاداً.

ويرى منتقدون أن التفاوض المباشر مع الأقاليم قد يضعف الحكومة التي تعلن واشنطن دعمها، ويكرس واقعاً تتصرف فيه السلطات المحلية كشركاء سياديين في الاتفاقات الأمنية الخارجية.

في المقابل، يقول مؤيدو الاتفاق إن الحكومة الاتحادية لا تملك حضوراً فعالاً في المناطق الجبلية التي ينشط فيها داعش، وإن قوات بونتلاند هي الطرف الذي يقاتل التنظيم ميدانياً، مما يجعل التعاون معها ضرورة أمنية.

أخبار ذات صلة

تعثر مفاوضات إطلاق سراح البحارة المصريين.. أسرهم تتحدث
وزير في أرض الصومال: لا توجد محادثات لإنشاء قاعدة إسرائيلية

موطئ قدم جديد

تمتلك واشنطن اتفاقا سابقا مع الحكومة الاتحادية لبناء ما يصل إلى خمس منشآت لصالح وحدات الجيش الصومالي، لكن قاعدة بوصاصو تختلف بموقعها وشريكها ووظيفتها المحتملة.

فهي تجمع بين ثلاث مهمات: ملاحقة داعش داخل الصومال، ومراقبة خليج عدن، وتوفير منصة قريبة من المواجهة مع الحوثيين.

وهكذا، قد تمنح بوصاصو الولايات المتحدة موطئ قدم بالغ الأهمية على واحد من أكثر السواحل حساسية في العالم، لكنها تضعها أمام معادلة دقيقة: كيف توسع عملياتها العسكرية من دون أن تساهم في إضعاف الدولة الصومالية التي تقول إنها تريد حمايتها؟.