بعد 5 أيام من تعليق رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ضرباته على إيران، أعلن الجيش الأميركي تصديه لصواريخ باليستية إيرانية استهدفت قواته في الشرق الأوسط.
ووصف الجيش الهجوم بأنه محاولة للمباغتة ما أدى إلى وضع القوات الأميركية في حالة تأهب قصوى.
هذا التطور يعيد أزمة مضيق هرمز إلى الواجهة من بوابة أكثر تعقيدا، وهي رفض إيراني لمقترحات تقاسم إدارة الممر البحري الأهم عالميا، وتمسك بشروط تمنحها نفوذا منفردا عليه، في مقابل تحرك أميركي ودولي متصاعد لضمان حرية الملاحة، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة لصراع أوسع.
فرص ضائعة وحسابات خاطئة
يرى الكاتب والباحث السياسي عايد المناع خلال حديثه إلى برنامج "الظهيرة" على سكاي نيوز عربية أن إيران "تُضيّع الفرص بشكل غريب وعجيب"، رغم يقينها بأن إمكاناتها لا تسمح بتحقيق أهدافها.
ويوضح أن الحديث عن تراجع مخزون الذخيرة الأميركية لا يعدو كونه كلاما عابرا، إذ تملك الولايات المتحدة شركات عملاقة قادرة على التعويض، إضافة إلى حلفاء غربيين مستعدين لتقديم الدعم.
ووفق المناع، فاتت طهران فرصة الاتفاق الإطاري كما فاتتها لاحقا مهلة الأيام التي منحها إياها الرئيس الأميركي، في وقت تسيطر فيه على القرار الفعلي جهات متشددة من رجال الدين والحرس الثوري تقود البلاد، بحسب تعبيره، "إلى الهاوية".
ويشير المناع إلى أن إيران لا تملك حلفاء حقيقيين مستعدين للتضحية بمصالحهم مع واشنطن من أجلها، فلا الصين ولا روسيا مستعدتان لذلك، وأن ما يُشاع عن نقص عسكري أميركي قد يكون إغراء للمتشددين الإيرانيين لمواصلة التحدي، وهو ما قد يفضي إلى عملية حربية مدمرة تطيح بالنظام في نهاية المطاف.
ويعتبر أن أهم ما وقعت فيه طهران هو عدم تنفيذ البند الخامس من الاتفاق الإطاري الذي كان يمنحها رفع الحصار عن موانئها مقابل وقف ملاحقة السفن في مضيق هرمز وإزالة الألغام منه، رغم أنها كانت تملك مهلة 60 يوما لم تصبر خلالها.
تصعيد نحو البنية التحتية الإيرانية
من جهته، يربط الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح إلى أن واشنطن قد تضطر للعودة إلى التصعيد في ظل عدم استجابة إيران للمسار التفاوضي وعدم التزامها بالاتفاقات، مع رهانها المستمر على عامل الزمن رغم خسائرها المادية والبشرية الهائلة.
ويوضح أن تراجع البرنامج النووي والصاروخي الإيراني وكذلك مخزون المسيرات جعل طهران تراهن على مضيق هرمز باعتباره "قنبلة نووية جيوسياسية"، ما يفسر تشددها في رفض أي تنازل بشأنه.
ويشير إلى أن التهديدات الأميركية تطال البنى التحتية الاقتصادية والعسكرية واللوجستية، ومنها مصانع الحديد والصلب المستخدمة في التصنيع العسكري، والجسور والطرق الاستراتيجية والموانئ البرية الرابطة بين إيران وجوارها، ما جعلها عاجزة عن تعويض مضيق هرمز بمنافذ بديلة.
ويقر عبد الفتاح بأن استهداف أعيان مدنية قد يعرّض واشنطن للمساءلة القانونية، إلا أن الإدارة الأميركية تصنفها أهدافا عسكرية مزدوجة الاستخدام.
تنافس الممرات
ويوضح أن الممر العماني ينافس نظيره الإيراني كونه أعمق غاطساً (110 أمتار مقابل 65 للممر الإيراني)، وأقصر مسافة (82 كيلومترا مقابل أكثر من مئة)، وأوسع، ما يجعله الخيار الأنسب للسفن الضخمة، وهو ما يهدد بعزوف الملاحة عن الممر الإيراني الخاضع للرسوم.
ويرى أن واشنطن، بصفتها القوة المهيمنة على النظام الدولي، لا يمكنها القبول بسيطرة إيرانية منفردة، خشية تكرار السيناريو في مضائق حيوية أخرى كباب المندب - حيث بدأ الحوثيون بإيعاز إيراني التلويح بفرض رسوم - وبحر الصين الجنوبي في ظل التنافس مع بكين.
ويشدد عبد الفتاح على أن إيران باتت في مواجهة المجتمع الدولي بأسره لا الولايات المتحدة وإسرائيل فقط، بعدما فقدت دعم دول الخليج التي توسطت لمنعها الحرب، وتغير موقف حلف الناتو الذي أعلن في قمة أنقرة دعمه الضربات الأميركية ومنح أعضاءه حرية المساهمة في فتح المضيق، فيما اشترطت بريطانيا وفرنسا إنهاء العمليات العسكرية لبحث آلية أوروبية مماثلة.
ويضيف أن إيران، رغم عدم مصادقتها على اتفاقية قانون البحار لعام 1982، تبقى ملزمة بموجب المادة 18 من اتفاقية فيينا بعدم العمل ضد مقصد المعاهدات الموقعة.