بينما تستنزف القاعدة وداعش الجيش النيجري في الغرب وتقترب هجماتهما من العاصمة، أعاد المتمرد النيجري محمود صلاح إطلاق تمرده من الشمال الشرقي، مهددا بفتح جبهة مختلفة تستهدف السلطة العسكرية في شريانها الأكثر حساسية وهي "نفط أغاديم".
بعد 3 سنوات على انقلاب يوليو 2023، أعلن رئيس "الجبهة الوطنية للتحرير" محمود صلاح إعادة تنظيم القيادة العسكرية للحركة، ورفع قدراتها العملياتية، وتوسيع التنسيق مع الحركات السياسية والعسكرية المناهضة للمجلس العسكري الحاكم.
ودعا صلاح، في خطاب مصور، المدنيين والعسكريين إلى الانضمام لما وصفه بـ"النضال من أجل تحرير النيجر"، مؤكدا أن المقاومة السلمية والمسلحة يجب أن تتوحد لإسقاط السلطة واستعادة النظام الدستوري.
والجبهة ليست تنظيما حديث التأسيس، إذ ظهرت عقب الإطاحة بالرئيس محمد بازوم في أغسطس 2023. لكن الجديد هو عودة قائدها إلى النشاط بعد أكثر من 15 شهرا من الاحتجاز في ليبيا، وإعلانه الانتقال بالحركة من مرحلة البقاء إلى إعادة بناء ذراعها العسكرية.
حركة سياسية عسكرية
لا تنتمي جبهة محمود صلاح إلى القاعدة أو داعش، ولا ترفع خطابا دينيا متطرفا، بل تقدم نفسها كحركة سياسية عسكرية تهدف إلى إسقاط السلطة العسكرية وإعادة النظام الدستوري.
لكن ظهورها مجددا يضيف تمردا داخليا إلى خريطة أمنية مزدحمة أصلا، تشمل:
- جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة، التي تتوسع من مالي وبوركينا فاسو نحو غرب النيجر.
- تنظيم "داعش في الساحل"، الذي ينشط خصوصا في منطقة تيلابيري والحدود الثلاثية.
- جماعات مرتبطة بـ"بوكو حرام" و"داعش في غرب إفريقيا" في منطقة ديفا وحوض بحيرة تشاد.
- حركات سياسية مسلحة مناهضة للمجلس العسكري، بينها مجلس المقاومة من أجل الجمهورية، والجبهة الوطنية للعدالة، وحركة الحرية والعدالة التي انشقت عن جبهة محمود صلاح.
وتكمن خطورة هذا المشهد في اضطرار الجيش إلى توزيع قواته بين الغرب، حيث القاعدة وداعش، والجنوب الشرقي، حيث جماعات حوض بحيرة تشاد، والشمال الشرقي، حيث تتمركز الحركات المتمردة قرب حقول النفط والحدود الليبية.
رجل يعرف شريان النفط
لا توجد معلومات علنية تثبت أن محمود صلاح شغل منصبا أمنيا يتيح له معرفة مفاصل الدولة كلها، لكن المؤكد أنه يعرف بدقة مفاصل القطاع الأكثر أهمية لمستقبلها الاقتصادي.
وحسب مصادر لموقع "سكاي نيوز عربية"، فصلاح ينحدر من منطقة حوض أغاديم النفطي، وعمل سابقا مسؤولا عن العلاقات مع المجتمعات المحلية لدى الشركة الوطنية الصينية للنفط "CNPC"، التي تتولى استغلال الحقول وتشغيل خط الأنابيب الممتد من النيجر إلى ميناء سيمي في بنين.
وتمنحه هذه الخلفية معرفة عملية بمواقع الإنتاج ومسارات الأنابيب والعمالة المحلية والطرق الصحراوية، فضلا عن المظالم الاجتماعية لدى مجتمعات التبو والبدو المحيطة بالحقول.
وفي يونيو 2024، أعلنت جبهته مسؤوليتها عن تفجير جزء من خط أنابيب النفط، وطالبت الشركة الصينية بإلغاء قرض بقيمة 372 مليون يورو منحته للسلطة العسكرية، كما هدد مسؤول في الحركة حينها قائلا: "لن نسمح بتدفق النفط".
وكان الضرر المباشر للعملية محدودا، بسبب إغلاق السلطات صمامات الخط وقتها على خلفية أزمة مع بنين، لكن الهجوم أثبت قدرة الحركة على الوصول إلى البنية التحتية الأهم في البلاد.
الاقتصاد تحت النار
يمتد خط أغاديم-بنين لنحو ألفي كيلومتر، وينقل النفط من حقول شرق النيجر إلى الساحل الأطلسي، بطاقة تصدير أولية تقارب 90 ألف برميل يوميا وقابلية للارتفاع إلى 110 آلاف برميل.
وبعد بدء التصدير واسع النطاق، قفز نمو اقتصاد النيجر من نحو 2 بالمئة عام 2023 إلى أكثر من 8 بالمئة عام 2024، مدفوعا أساسا بالنفط والمحصول الزراعي.
ويتوقع البنك الدولي نمو الاقتصاد 6.7 بالمئة خلال 2026، شريطة ارتفاع إنتاج النفط إلى 35 مليون برميل، بعدما أصبح القطاع محركا رئيسيا للصادرات والإيرادات العامة.
وبذلك قد تكون حركة محمود صلاح، رغم أن حجمها العسكري أقل من القاعدة وداعش، التهديد الأكثر تخصصا ومباشرة للاقتصاد، إذ يمكنها:
- تعطيل تدفق النفط عبر استهداف نقاط معزولة من خط طويل يصعب تأمينه بالكامل.
- رفع تكلفة الحماية والتأمين والنقل، واستنزاف قوات يحتاجها الجيش في جبهات أخرى.
- زيادة مخاطر الاستثمار بالنسبة للشركات الصينية وغيرها من الشركاء الأجانب.
- استغلال تذمر المجتمعات المحلية من توزيع عائدات النفط والتوظيف والتعويضات.
- استخدام الحدود الصحراوية المفتوحة للانسحاب وإعادة التموضع بعيدا عن سلطة نيامي.
ولا يحتاج المتمردون إلى السيطرة على الحقول لإحداث أزمة؛ فتفجير محدود أو خطف موظفين أو تهديد الشركات قد يكون كافيا لتعطيل الإنتاج ورفع المخاطر وتقليص الإيرادات.
العاصمة لم تعد بعيدة
يتزامن تجدد تمرد محمود صلاح مع تدهور أمني غير مسبوق في غرب النيجر. ففي يناير 2026، هاجم تنظيم داعش مطار نيامي والقاعدة الجوية الملاصقة له، قبل أن تستهدف جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" الموقع نفسه في يونيو، في هجوم أسفر، وفق الحكومة، عن مقتل 11 من أفراد الأمن ومدنيين اثنين.
كما سجلت النيجر في أبريل أول مواجهة مباشرة داخل أراضيها بين فرعي القاعدة وداعش، في مؤشر على انتقال تنافس التنظيمين من مالي وبوركينا فاسو إلى داخل البلاد.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى ارتفاع الحوادث الأمنية في النيجر بنسبة 22 بالمئة والوفيات المرتبطة بها بنسبة 17 بالمئة خلال 2025، فيما يحتاج نحو 2.6 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال 2026.
جبهة قد تشعل الساحل
لا تبدو جبهة محمود صلاح، بقدراتها الحالية، قادرة بمفردها على إسقاط السلطة أو السيطرة على مدن كبرى، كما لا تتوفر تقديرات موثوقة ومحدثة لعدد مقاتليها بعد إعادة تنظيمها.
لكن خطرها يكمن في اختيار الهدف والتوقيت؛ فهي تعود بينما يقاتل الجيش على جبهات متعددة، ويواجه النظام ضغوطا مالية وعزلة إقليمية وتراجعا في التعاون الأمني مع القوى الغربية.
وإذا تمكنت الحركة من توحيد المجموعات المناهضة للسلطة أو استئناف الهجمات على النفط، فقد تتحول من تمرد محدود إلى أداة استنزاف اقتصادي وسياسي، وتدفع النيجر خطوة إضافية نحو النموذج الذي تعانيه مالي: سلطة عسكرية محاصرة، جماعات متطرفة تتمدد، حركات مسلحة تتكاثر، واقتصاد يدفع كلفة حرب بلا نهاية.