تمثل المباحثات غير المباشرة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في الدوحة، محطة جديدة في مسار العلاقة بين الطرفين، لكنها لا تعكس اقتراب تسوية شاملة، حيث لا تزال الملفات الأكثر حساسية لم تحسم بعد، وفي مقدمتها البرنامج النووي ولبنان ومضيق هرمز.

ويرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي سمير التقي خلال حديثه إلى برنامج "الظهيرة" على سكاي نيوز عربية، أن تصريحات وزير الخارجية القطري، التي أكدت عدم وجود اجتماعات رفيعة المستوى، تعني عمليا أن الاتصالات تجري على مستوى الخبراء، حيث يجلس الوفدان الإيراني والأميركي في غرف منفصلة، بينما يتولى كل طرف نقل التعليمات والتوجيهات خلال سير المحادثات.

ويعتبر التقي أن أخطر ما يحيط بالمباحثات هو غياب الوضوح بشأن طبيعة الوعود المتبادلة، سواء تلك التي يقدمها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أو الجانب الإيراني، مشيراً إلى أن ما بدأ يتسرب يتعلق بملفي مضيق هرمز والأصول والأموال الإيرانية.

وبحسب التقي، فإن هذا الواقع يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حالة تناقض، نتيجة اختلاف الرسائل والمواقف الصادرة عن الإدارة الأميركية، وهو ما ينعكس، بحسب وصفه، على أداء الدبلوماسية الأميركية، خصوصا في ظل ما اعتبره إضعافا لدور وزارة الخارجية ووزير الخارجية ماركو روبيو.

وفي المقابل، يرى أن إيران تحاول تقديم عرض يقوم على استمرار مرور السفن عبر مضيق هرمز بشروطها ولمدة محددة، انطلاقاً من اعتقادها بأن لديها حقاً سيادياً في إدارة المضيق، بالتوازي مع السعي للحصول على مليارات الدولارات المجمدة.

ويضيف أن إيران صدرت كميات كبيرة من النفط من دون قيود، وأنها تتقاضى عائداتها ضمن النظام النقدي الأميركي، معتبرا أن ترامب يقدم، من وجهة نظره، مكاسب لإيران قبل الحصول على التزامات ملموسة منها، فيما تعتقد طهران أنه لن يعود إلى الخيار العسكري.

هرمز ولبنان.. عقدتا المرحلة المقبلة

ويرى التقي أن بؤرتي التوتر الرئيسيتين اللتين ستحددان مسار المرحلة المقبلة تتمثلان في مضيق هرمز ولبنان، مؤكدا أن هذين الملفين سيبقيان مصدر اضطراب يصعب ضبط إيقاعه، في ظل تداخل أدوار إسرائيل وإيران واستمرار وجود عوامل قابلة للتفجير.

كما يؤكد أن ترامب يواجه ضغوطا متزايدة داخل الكونغرس بسبب اتهامات بأنه يمنح إيران ما تريده قبل حصوله على أي التزام عملي، مشيراً إلى أن الخلاف لا يقتصر على الرسائل المتناقضة، بل يعكس صراعاً حقيقياً داخل الولايات المتحدة بشأن كيفية إدارة العلاقة مع إيران.

ويشير إلى أن هذا الصراع يتجسد في التباين بين مقاربة ويتكوف، الذي يُتهم بالسعي إلى إعادة منح إيران دورا إقليميا، وبين مقاربة روبيو، الذي يدفع نحو منع استعادة طهران للمكاسب الاستراتيجية التي حصلت عليها سابقاً، مع التشديد على ملفات حرية الملاحة في هرمز، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والأذرع الإقليمية، والبرنامج النووي.

أخبار ذات صلة

كواليس محادثات الدوحة.. ماذا يجري بين واشنطن وطهران؟
وارش يحجم عن تقديم إشارات عن اجتماع المركزي الأميركي المقبل

ويرى التقي أن إبقاء مضيق هرمز مفتوحا وقبول إيران بمستوى من الرقابة على منشآتها النووية يمثلان الهدفين الأساسيين اللذين تسعى إليهما الإدارة الأميركية، لافتاً إلى أن إيران سحبت موافقتها السابقة المتعلقة بحصر التخصيب في موقع واحد، مع تداول تقارير أميركية عن احتمال استئناف التخصيب.

ويضيف أن أي أموال قد تحصل عليها إيران لن تعالج أزمتها الاقتصادية، مرجحاً أن يذهب الجزء الأكبر منها إلى إعادة ترميم المواقع وحفر الأنفاق، بينما لن يستفيد المواطن الإيراني إلا بجزء محدود منها، معتبراً أن تحويل الموارد المالية سيجعل الأموال التي كانت مخصصة لاحتياجات مدنية تُستخدم في مجالات أخرى.

كما يرى أن إيران لم تمنح ترامب حتى الآن أي إنجاز رمزي يستطيع تقديمه، وأنها تمارس ضغوطاً تفاوضية متواصلة عليه.

الداخل الإيراني.. صراع خفي وشراء للوقت

من جانبه، يؤكد الخبير في الشؤون الإيرانية شادي دياب أن المبالغ المالية المتداولة، سواء بلغت 6 أو 12 أو 24 مليار دولار أو أكثر، لن تكون كافية لمعالجة الأزمات الاقتصادية المتجذرة في إيران، لكنها توفر للمفاوض الإيراني مادة يمكن استخدامها في مخاطبة التيار المتشدد داخل البلاد.

ويشير دياب خلال حديثه إلى برنامج "الظهيرة" على سكاي نيوز عربية، إلى وجود صراع داخلي حقيقي، انعكس في مقاطعة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أثناء حديثه عن المفاوضات، موضحاً أن متخذي القرار الحقيقيين في إيران لا يظهرون في الواجهة، بينما يتحمل المفاوضون المسؤولية السياسية عن أي نجاح أو فشل.

ويضيف دياب خلال حديثه أن الداخل الإيراني يشهد حالة احتقان، تجلت في إطلاق شعارات ضد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، معتبراً أن النظام يبحث عن جهة يمكن تحميلها مسؤولية أي تعثر محتمل، فيما يصف المفاوضات الحالية بأنها أقرب إلى تبادل رسائل ضمن سياق حرب مستمرة، وليست مفاوضات تقود إلى تسوية نهائية.

كما يوضح أن النقاشات الجارية في الدوحة تبتعد عن جوهر الصراع المرتبط بلبنان والبرنامج النووي ومضيق هرمز، لافتا إلى أن قاليباف كان يعتبر إبقاء المضيق مفتوحاً أكثر فائدة لإيران من إغلاقه، باعتباره ورقة تفاوضية استراتيجية، قبل أن تتم مقاطعته خلال حديثه عن هذه النقطة.

طهران تناور.. وواشنطن تقلل كلفة المواجهة

ويرى دياب أن إيران سعت إلى نفي وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن الاتصالات فنية وتتم عبر وساطة قطر وباكستان، بما يحرم ترامب، من وجهة نظرها، من إعلان تحقيق نجاح سياسي.

ويضيف أن الإيرانيين يعتبرون أن الخيارات العسكرية والعقوبات السابقة لم تحقق أهدافها المتعلقة بالبرنامج النووي، وأن أي نقاش مستقبلي قد يتناول تفاصيل تخصيب اليورانيوم عبر أطراف ثالثة أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنه يستبعد نجاح هذا المسار، مرجحاً انهياره وعودة التصعيد.

كما يؤكد دياب في الاثناء أن طهران تسعى حالياً إلى شراء الوقت، خصوصا مع اقتراب مراسم التشييع التي تراهن عليها لإرسال رسائل سياسية وأيديولوجية إلى الداخل الإيراني وإلى حلفائها في المنطقة، معتبراً أن الملفات الكبرى جرى تأجيلها لصالح كسب الوقت، وأن الأموال المطروحة تخدم هذا الهدف مرحلياً.

ويخلص دياب إلى أن المنطقة لا تقف أمام خيارين منفصلين بين التفاوض والحرب، بل تعيش، بحسب توصيفه، حرباً تتخللها عمليات تبادل رسائل، فيما تحاول الولايات المتحدة تقليل كلفة المواجهة قبل أن تعود، وفق قراءته، إلى مرحلة تصعيد أوسع ترتبط بالبرنامج النووي واستعادة ما يعتبره هيبة الولايات المتحدة، إلى جانب السعي إلى تحقيق إرث سياسي لإدارة ترامب.

مباحثات الدوحة.. إيران تركز الأموال المجمدة