تخرج إيران من الحرب مع الولايات المتحدة مثقلة بالعديد من التساؤلات حول حصيلة خسائرها، وما إذا كان التعاون المبكر مع المجتمع الدولي بشأن ملفها النووي كان من شأنه أن يجنبها الدمار الواسع الذي طال بنيتها التحتية واقتصادها وقدراتها العسكرية.

وقبل ساعات، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران التي تقضي بوقف الحرب وفتح مضيق هرمز، في الوقت الذي اتفق الجانبان على بدء المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق نهائي في غضون 60 يوما كحد أقصى، على أن تكون الأولوية لمناقشة الملف النووي الإيراني بعدما أكدت طهران عدم سعيها لـ"حيازة أو تطوير أسلحة نووية".

ويعتقد محللون ومراقبون في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن إيران دفعت "ثمنا باهظا" للحرب على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وأن جزءًا كبيرًا من هذه الخسائر كان يمكن تجنبه لو اختارت طهران في وقت مبكر مسار التفاهم والتعاون مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي.

وبينما يمنح اتفاق وقف الحرب إيران فرصة لالتقاط الأنفاس، أكد المحللون أن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والقدرات العسكرية، وتفاقم الأزمات المعيشية، يجعل مرحلة ما بعد الحرب اختبارًا صعبًا للنظام الإيراني.

ماذا جرى في إيران؟

ألحقت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل أواخر فبراير الماضي، أضرارا بالغة في الداخل الإيراني على مستويات عدة، إذ تعرض أسطولها البحري لضربات مكثفة تسببت في تدمير معظم أصوله وفق تأكيدات أمريكية، فضلًا عن استهداف قواتها الجوية ومنشآت حيوية بالبلاد بما في ذلك مصانع الصلب والمنشآت البتروكيميائية، في الوقت الذي وصفت تقارير غربية اقتصادها بأنه "في حالة يرثى لها".

وكانت الضربة الأكثر قسوة بالنسبة لإيران، هو الحصار الذي فرضته البحرية الأميركية والذي تسبب في منع تصدير النفط الإيراني الذي تعتمد طهران على إيراداته بالأساس لتنشيط اقتصادها، إذ ظلت لسنوات تعتمد على ما يُعرف بـ"أساطيل الظل" للالتفاف على العقوبات الأميركية وبيع نفطها، وكان معظم هذه الصادرات يتجه إلى الصين.

وقبل أسابيع، أعلنت الحكومة الإيرانية أن التقييم الأولي للأضرار الناجمة عن الحرب بلغ 270 مليار دولار.

وتضررت الحياة المعيشية للإيرانيين بشكل فادح جراء هذه الحرب، إذ سجلت معدلات التضخم السنوي البلاد إيران مستوى لم تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، حيث قفز إلى 77.2 في المائة في مايو، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، ما انعكس كذلك على التضخم في الاحتياجات اليومية العامة الذي شهد ارتفاعاً حاداً بلغت نسبته 113.8 في المائة.

وألقت الحرب بظلال ثقيلة على حياة الإيرانيين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أزمات معيشية متفاقمة نتيجة الاضطرابات الاقتصادية التي صاحبت الصراع؛ ما تسبب في ارتفاع الأسعار، بينما فقد الريال الإيراني جزءًا كبيرًا من قيمته، ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

أخبار ذات صلة

رغم مذكرة التفاهم.. هيغسيث يوجه "رسالة تحذير" لإيران
ترامب يهاجم منتقدي التفاهم مع إيران.. "غيارى وأغبياء"

خسائر "متعددة ومؤلمة"

وفي رأي الباحث في الشأن الإيراني، وجدان عبدالرحمن، فإن الخسائر الاستراتيجية التي تكبدتها إيران بعد الحرب "كبيرة ومتعددة ومؤلمة بالنسبة للنظام الإيراني".

واعتبر "عبدالرحمن" في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "من أبرز هذه الخسائر تدمير البحرية الإيرانية بشكل شبه كامل، وكذلك تعرض القوة الجوية الإيرانية لضربات قاسية أفقدتها جزءًا كبيرًا من قدراتها، كما استُهدفت منظومة الدفاعات الجوية التي كانت إيران تعول عليها، إضافة إلى ما تعتبره من أهم ركائز قوتها الاستراتيجية، وهي منظومة الصواريخ".

وأشار إلى "تدمير عدد كبير من الصواريخ، إلى جانب استهداف المنشآت المخصصة لتصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة"، كما لا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي، حيث تعرضت منشآت حيوية لضربات مباشرة، شملت مجمعات البتروكيماويات وبعض المنشآت النفطية، ما ألحق أضرارًا بالاقتصاد الإيراني.

ولا تقتصر الخسائر على ما جرى في الداخل الإيراني، إذ تطرق "عبدالرحمن" إلى "النفوذ الإقليمي"، إذ شهدت إيران خلال مرحلة ما بعد الحرب تراجعًا ملحوظًا في قوة أذرعها بالمنطقة، سواءً في العراق مع تعرض نفوذ الجماعات الموالية لطهران لاهتزاز واضح، أو في لبنان بتراجع قدرات حزب الله نتيجة استهداف عدد من قياداته، وإبعاده عن الحدود مع إسرائيل.

وشدد الباحث في الشأن الإيراني أنه "كان بإمكان إيران، نظريًا، الحفاظ على اقتصادها وتجنب كثير من هذه الخسائر لو اختارت مسارًا مختلفًا، لكنها تحاول اليوم تبني مقاربة أكثر براغماتية في تعاملها مع المجتمع الدولي، خاصة فيما يتعلق بالملف الاقتصادي والانفتاح على الخارج، لكنها في المقابل قد تصبح أكثر تشددًا أمنيًا على الصعيد الداخلي".

وفيما يتعلق بانعكاسات الحرب داخل إيران، أوضح "عبد الرحمن"، أن "إعادة تأهيل وإعمار ما دمرته الحرب ستتطلب أموالًا طائلة، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا أمام الحكومة الإيرانية، التي ستواجه صعوبات في توفير الموارد المالية اللازمة لهذه العملية".

"ضعف استراتيجي"

أما عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مهدي عقبائي، فقال لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "إيران خرجت بعد الحرب أضعف استراتيجياً وأكثر هشاشة داخلياً".

وأضاف عقبائي إنه "إذا قارنا وضع النظام الإيراني قبل الحرب وبعدها، فإن أهم الخسائر الاستراتيجية لا تقتصر على الجانب العسكري أو الأمني، بل تشمل تآكل الأدوات التي اعتمد عليها النظام طوال عقود للبقاء في السلطة؛ فقد تضررت صورته كقوة إقليمية قادرة على فرض معادلاتها، وتراجعت قدرته على استخدام التوترات الخارجية لتغطية أزماته، كما أصبح موقعه التفاوضي أكثر هشاشة من السابق".

وعما إذ النظام الإيراني قادرُا على تجنب هذه الخسائر لو قبل بتسوية مبكرة مع المجتمع الدولي، أوضح عقبائي أنه "يجب النظر إليه من زاوية أعمق؛ فالمشكلة ليست فقط في توقيت الاتفاق، بل في طبيعة النظام نفسه الذي بنى استراتيجيته على 3 أعمدة: القمع في الداخل، وتصدير الأزمات إلى الخارج، واستخدام المشروع النووي والصاروخي كورقة ضغط، وبالتالي فأي اتفاق جدي كان سيضع هذه الركائز موضع اختبار".

وأشار إلى أن "وقف الحرب لم ينه الأزمات الداخلية للنظام، بل كشفتها بصورة أوضح، فبعد تراجع المعارك عادت إلى الواجهة ملفات التضخم والبطالة والاحتجاجات الطلابية والعمالية"، معتبرًا أن "النظام الإيراني كان يستخدم أجواء الحرب كغطاء مؤقت للهروب من مواجهة أزمته الحقيقية".

اتفاق أميركا وإيران.. هل يدفع لبنان الثمن؟