في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عاد ملف المواجهة الأميركية ـ الإيرانية إلى واجهة المشهد الدولي مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اقتراب حسم قراره النهائي بشأن الاتفاق مع طهران، بالتزامن مع حديثه عن رفع الحصار البحري وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة، مقابل تشديده على منع إيران من امتلاك السلاح النووي وعدم الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

وبينما تربط طهران أي اتفاق بوقف ما تصفه بـ"المطالب الأميركية المفرطة"، تتصاعد التساؤلات بشأن ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو اتفاق يخفف حدة التوتر، أم نحو مرحلة جديدة من التصعيد العسكري تحت غطاء التفاوض.

وفي قراءة للمشهد، قدّم الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي، ومحلل الشؤون الأميركية والشرق الأوسط في سكاي نيوز عربية بول سالم، خلال حديثهما إلى برنامج "رادار" مقاربتين تكشفان حجم الضبابية التي تحيط بالمفاوضات، وطبيعة التناقضات بين الخطاب السياسي والتحركات العسكرية الجارية في الكواليس.

حرب تصريحات أم اقتراب من الحسم؟

يرى مهند العزاوي أن المشهد الحالي لا يزال يتحرك ضمن إطار "حرب التصريحات" وإدارة حافة الهاوية بين واشنطن وطهران، معتبراً أن الحديث الأميركي عن "غرفة العمليات" يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز البعد السياسي التقليدي.

ولفت إلى أن استخدام هذا المصطلح يرتبط عادة ببحث سيناريوهات القوة واتخاذ قرارات عسكرية محتملة، خصوصاً مع حضور رئيس هيئة الأركان الأميركية في اجتماعات ترامب الأخيرة.

العزاوي توقف عند تصريحات ترامب بشأن "رفع الحصار" وفتح مضيق هرمز، متسائلاً عمّا إذا كانت هذه التصريحات تعكس تحولاً فعلياً في السياسة الأميركية أم أنها تمثل تمهيداً لمرحلة مختلفة من استخدام القوة.

وأشار إلى أن الحصار يفقد معناه في حال الانتقال إلى عمل عسكري مباشر، ما يجعل التصريحات الأميركية مفتوحة على أكثر من تفسير.

في المقابل، اعتبر بول سالم أن المؤشرات المتسربة من أكثر من عاصمة توحي بإمكانية التوصل إلى "اتفاق محدود" يمتد لنحو 60 يوماً، يقوم أساساً على رفع الولايات المتحدة الحصار عن إيران مقابل فتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

وبحسب سالم، فإن هذا التفاهم المحتمل قد يشكل أساساً لوقف إطلاق نار مؤقت، رغم أن الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها الملف النووي، ستبقى مؤجلة إلى مفاوضات لاحقة وأكثر تعقيداً.

فجوة عميقة بين الخطابين الأميركي والإيراني

العزاوي شدد على وجود فجوة كبيرة بين طريقة تفكير وسلوك الطرف الإيراني من جهة، والطرف الأميركي من جهة أخرى، معتبراً أن الوسطاء، ولا سيما باكستان وقطر، يحاولون تضييق هذه الفجوة عبر أوراق ومقترحات جديدة لتقريب وجهات النظر.

وأشار إلى أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم محمد باقر قاليباف ووحيدي، التي تؤكد أن إيران "تتحدث بلغة الصواريخ وليس الدبلوماسية"، تعكس تمسك طهران بخيار القوة وعدم استعدادها لتقديم تنازلات استراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بمضيق هرمز.

كما لفت إلى أن إيران تركز بصورة أساسية على ملف الأموال المجمدة، وأن الحديث عن 12 مليار دولار يمثل أحد المحاور المركزية في المفاوضات الحالية، في حين لم تظهر حتى الآن مؤشرات عملية بشأن المقترحات المتعلقة بتدمير اليورانيوم الإيراني بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أما بول سالم، فاعتبر أن الاتفاق الإطاري المتوقع، إذا أُعلن، سيتضمن إشارات عامة ترضي الطرفين بشأن الملف النووي، لكن التنفيذ والتفاصيل ستُرحل إلى مفاوضات لاحقة. وأوضح أن ما يتحقق عملياً خلال فترة الستين يوماً سيكون رفع الحصار الأميركي وفتح مضيق هرمز، بينما تبقى القضايا النووية والاستثمارات والأموال المجمدة ملفات مؤجلة.

أخبار ذات صلة

رسالة أميركية "حازمة": اتفاق مع إيران أو عودة للهجمات
إيران: الإفراج الفوري عن 12 مليار دولار أهم جزء بالاتفاق
ترامب: سأجتمع في غرفة العمليات لاتخاذ قرار نهائي بشأن إيران
إلى أي مدى تقترب أميركا وإيران من إنهاء الحرب؟

غرفة العمليات والسيناريو العسكري

أحد أبرز عناصر القلق في قراءة العزاوي يتمثل في الربط بين اجتماعات ترامب العسكرية الأخيرة وحديثه عن "فتح الحصار الآن".

فبحسب تقديره، فإن دخول غرفة العمليات لا يكون عادة في سياق سياسي بحت، بل يرتبط غالباً ببحث استخدام القوة أو عرض سيناريوهات عسكرية محتملة.

وأشار إلى أن تصريحات ترامب حول تفجير الألغام في المضيق باستخدام "الكاسحات العظيمة" تعكس لغة حرب أكثر منها لغة تسوية، مضيفاً أن النوايا التوسعية الإيرانية، وفق وصفه، لا تزال حاضرة في عقلية النظام الإيراني، وأن طهران تفكر بالحرب أكثر مما تفكر بالسلام.

العزاوي اعتبر أيضاً أن إيران تستخدم سياسة كسب الوقت لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية وإعادة تموضع النظام، مستفيداً من إطالة أمد التفاوض، في حين أن الولايات المتحدة، وفق تقديره، لا تخوض الحروب بناء على الانفعالات، بل وفق حسابات مرتبطة بالمردود الاستراتيجي والسياسي لاستخدام القوة.

ترامب بين الضغوط الداخلية والحسابات السياسية

من جهته، رأى بول سالم أن ترامب يسعى إلى تسويق أي اتفاق محتمل داخلياً باعتباره إنجازاً يخفف الضغوط الاقتصادية والسياسية على الإدارة الأميركية، خصوصاً فيما يتعلق بأسعار النفط والتضخم.

وأشار إلى أن الرئيس الأميركي يستطيع تقديم الاتفاق للرأي العام باعتباره أدى إلى فتح مضيق هرمز، وخفض أسعار الطاقة، وتأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات، مع الاحتفاظ بإمكانية العودة إلى استهدافه عسكرياً عند الحاجة.

كما تحدث سالم عن حالة استياء داخلية لدى ترامب بسبب تعثر الحرب مقارنة بما كان يتوقعه من نتائج سريعة، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي كان يعتقد أن المواجهة قد تنتهي خلال أيام، لكنه وجد نفسه أمام أزمة أكثر تعقيداً واستنزافاً.

وفي سياق متصل، كشف سالم عن دخول عنصر جديد إلى النقاشات المتداولة، يتمثل في احتمال إنشاء صندوق استثمار أو دعم لإعادة الإعمار في إيران إذا نجحت المفاوضات وتم حل الأزمة النووية، معتبراً أن بعض الجهات العربية والدولية تحاول دفع القيادة الإيرانية نحو التركيز على الاقتصاد والاستثمارات بدلاً من الصراع المفتوح.

هدنة مؤقتة أم حرب طويلة؟

ورغم الحديث عن اتفاق وشيك، يتفق العزاوي وسالم على أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة. فالعزاوي يرى أن التصريحات المتبادلة لا تزال تعكس “إدارة حافة الهاوية”، وأن الطرفين يتحركان في اتجاهين متعاكسين، بينما يواصل الوسطاء محاولات تقريب المواقف.

أما سالم، فيعتبر أن أي تفاهم محتمل لن يتجاوز في مرحلته الأولى إطار "هدنة مؤقتة"، مشيراً إلى أن حالة الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تنتهِ فعلياً، بل قد تدخل جولات جديدة بأشكال مختلفة، سواء عبر المواجهات العسكرية أو العمليات السيبرانية والاستخباراتية.