في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تبدو المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وفق قراءة مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية سلطان النعيمي، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية أبعد ما تكون عن اتفاق نهائي شامل، وأقرب إلى تفاهم مرحلي تحكمه ضرورات التهدئة ومنع الانفجار، أكثر مما تحكمه تسويات استراتيجية مستقرة.
فهو يضع المفاوضات في سياق إقليمي وأمني أوسع، يتجاوز الملف النووي إلى معادلات الردع، وأمن المضائق، والسلوك الإيراني في المنطقة، ومستقبل الميليشيات، وحتى شكل التوازنات الداخلية داخل النظام الإيراني نفسه بعد الحرب.
يرى النعيمي أن التوصيف الدقيق لما يجري لا يتعلق بـ"اتفاق نهائي"، بل بتفاهم أو اتفاق مرحلي يقود لاحقا إلى مفاوضات أكثر تعقيدا حول ملفات أوسع.
ويشدد على أن السؤال الجوهري لا يكمن فقط في مضمون الاتفاق، بل في أطرافه أيضا: هل سيكون اتفاقا ثنائيا بين الولايات المتحدة وإيران، أم أن دول الخليج والدول العربية ستكون جزءاً من ترتيباته السياسية والأمنية؟
ويعتبر أن الاتصال الذي جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول العربية يمثل معطى جديدا لم يكن حاضرا في جولات التفاوض السابقة، بما يعكس إدراكا متزايدا بأن أي تفاهم مع طهران لا يمكن عزله عن هواجس دول المنطقة، خصوصا في ما يتعلق بالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، ودعم الميليشيات.
وبحسب النعيمي، فإن التحول الأبرز في المشهد التفاوضي يتمثل في "إزاحة" الملف النووي مؤقتا عن صدارة الطاولة، بعدما كان في السابق المدخل الأول لأي مفاوضات أميركية إيرانية، مباشرة كانت أو غير مباشرة.
وبدلا من ذلك، برزت ملفات جديدة فرضتها الحرب والتصعيد الإقليمي، وفي مقدمتها مضيق هرمز، واحتمالات تمدد التهديد إلى باب المندب والكابلات البحرية.
ويقول إن النظام الإيراني تعامل مع مضيق هرمز باعتباره ورقة استراتيجية تتجاوز في أهميتها أي قنبلة ذرية، محذرا من أن التهديد بإغلاق المضيق، أو استخدامه كورقة ضغط سياسية، قد يتحول إلى سابقة خطيرة إذا لم يواجه بموقف دولي حاسم.
ومن هذا المنطلق، يدعو النعيمي إلى تحرك داخل مجلس الأمن لإصدار قرار أممي واضح يجرم استخدام المضائق البحرية سياسيا، سواء في هرمز أو غيره، محذرا من أن الاكتفاء بتفاهم مرحلي يسمح بفتح المضيق مقابل تخفيف الضغوط والعقوبات سيعني عمليا إعادة تدوير الأزمة، وإبقاء المضيق ورقة تهديد دائمة بيد طهران.
الصواريخ والميليشيات.. الملفات المؤجلة
ورغم وضوح الموقف الأميركي والإسرائيلي، وفق النعيمي، حيال منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلا أنه يرى أن القضايا الأكثر حساسية لا تزال مؤجلة أو غائبة عن التفاهمات الحالية، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي الإيراني.
ويشير إلى أن الحديث المطروح حاليا لا يتناول إنهاء البرنامج الصاروخي، بل يقتصر على مناقشة المخزون الصاروخي الإيراني، ما يعني أن جوهر القدرات العسكرية الإيرانية لا يزال خارج نطاق المعالجة الفعلية.
كما يتساءل عن مصير ملفات الطائرات المسيّرة، والسلوك الإيراني الإقليمي، ودعم الميليشيات، وما إذا كانت واشنطن ستتعامل معها بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع الملف النووي.
وفي هذا السياق، يؤكد أن أزمة الثقة بين دول الخليج وإيران لا يمكن تجاوزها عبر اتفاقات سياسية مؤقتة، بل تحتاج إلى معادلة ردع واضحة.
ومن هنا يطرح فكرة إنشاء برنامج صاروخي خليجي مشترك يحقق الردع بالردع، معتبرا أن بناء الثقة لا يتم إلا عندما يدرك الطرف المقابل وجود قوة موازية قادرة على الرد.
المظلة الدولية وحدود الاعتماد عليها
النعيمي لا يقلل من أهمية وجود ضمانات دولية لأي ترتيبات أمنية مستقبلية، سواء عبر الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا والدول الغربية، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الضمان الحقيقي يجب أن يكون خليجيا بالدرجة الأولى.
ويؤكد أن دول الخليج تمتلك الإمكانات الكفيلة ببناء قوة ردع ذاتية، محذراً من الرهان الكامل على “المظلة الدولية”. ويعتبر أن امتلاك أدوات القوة الإقليمية هو ما يسمح لدول الخليج بأن تكون “حول الطاولة وليس على الطاولة”، في إشارة إلى ضرورة التحول من موقع المتلقي إلى موقع الشريك المؤثر في صناعة التوازنات.
إعادة تسويق إيران
وفي قراءته لمرحلة ما بعد الحرب، يتوقع النعيمي أن يسعى النظام الإيراني إلى تقديم نفسه باعتباره الطرف الذي استطاع وقف الحرب على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، بما يمنحه زخما دعائيا داخل ما يسمى "محور المقاومة".
ويرى أن طهران لن تتخلى عن استراتيجية توسيع محيطها الأمني عبر الميليشيات والأذرع الإقليمية، معتبراً أن هذه الأدوات تشكل جزءاً جوهرياً من عقيدتها الأمنية.
ويستشهد بتصريحات سابقة لقادة في الحرس الثوري تحدثت عن أن أي حرب مع إيران ستبدأ من جنوب لبنان، في إشارة إلى دور حزب الله ضمن هذه الاستراتيجية.
ويطرح النعيمي مسارين لمواجهة هذا النفوذ: الأول تجفيف مصادر التمويل المالي للميليشيات، والثاني تعزيز الدولة الوطنية المركزية في دول المنطقة، مستشهدا بالنموذج السوري بعد تراجع النفوذ الإيراني، ومعتبرا أن استعادة الدولة المركزية القوية في لبنان واليمن وسواهما تمثل المدخل الأساسي لإضعاف أذرع إيران الإقليمية.
إسرائيل وإيران.. مصدران للتهديد
ورغم تركيزه على الخطر الإيراني، يرفض النعيمي تجاهل السلوك الإسرائيلي في المنطقة، معتبراً أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن تحقيقه من دون التعامل مع التهديدين معاً.
ويشير إلى أن بعض السياسات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان تستخدم لتبرير استمرار التوتر والتصعيد، مؤكداً أن الدفع نحو حل الدولتين من شأنه أن يضعف السردية التي تستخدمها إيران وحلفاؤها لتبرير تدخلاتهم الإقليمية، بما في ذلك الهجمات التي ينفذها الحوثيون تحت شعار الدفاع عن القضية الفلسطينية.
ومن هنا يرى أن إدارة ترامب تمتلك فرصة لإحداث إزاحة إيجابية عبر إدخال جميع الملفات إلى طاولة التفاوض دفعة واحدة: البرنامج النووي، الصواريخ، السلوك الإيراني، والسلوك الإسرائيلي، وصولا إلى حل الدولتين باعتباره مدخلاً للاستقرار الأوسع في الشرق الأوسط.
الداخل الإيراني بعد الحرب
وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي الإيراني، يتوقع النعيمي أن تكشف مرحلة ما بعد الحرب عن انقسامات أعمق داخل النظام، خصوصا بين الحرس الثوري والتيار السياسي الرسمي.
ويشير إلى أن الأزمة الاقتصادية الإيرانية كانت متفاقمة حتى قبل الحرب، وأن السؤال الأهم يتعلق بكيفية استخدام الأرصدة والأموال التي قد تفرج عنها العقوبات: هل ستذهب إلى التنمية وتحسين أوضاع الشعب، أم إلى تعزيز الصواريخ والمدن العسكرية تحت الأرض ودعم الميليشيات؟.
كما يحذر من غياب الرقابة على هذه الأموال، مستحضرا تجربة فترة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، التي شهدت – بحسب توصيفه – تدفقات مالية كبيرة إلى إيران من دون رقابة واضحة.
ويخلص النعيمي إلى أن زيادة الانفتاح الاقتصادي والتشابك مع العالم قد يضعف تدريجياً الطابع الأيديولوجي للنظام الإيراني ويعزز حضور المجتمع والقوى السياسية، لكنه يشدد في المقابل على أن الأيديولوجيا لا تزال حاضرة بقوة، وأن مستقبل التوازن داخل النظام الإيراني سيبقى مفتوحاً على احتمالات معقدة وطويلة الأمد.