لم يكن تكليف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بالإشراف على العلاقات مع الصين مجرد قرار إداري عابر، بل جاء محملا بدلالات استراتيجية بالغة العمق، تقرأ في توقيته الدقيق، بعد انتهاء زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصين، رسالة إيرانية مزدوجة: إلى واشنطن التي لم تنل من بكين ما أرادت، وإلى الداخل الذي تقوده أذرع الحرس الثوري بعيدا عن أضواء الدبلوماسية.
خبير العلاقات الدولية عمر كوش فكك في حديثه إلى "سكاي نيوز عربية" هذه المعادلة المركبة بأبعادها كافة.
قاليباف.. من ميادين الحرب إلى دهاليز الدبلوماسية
لا يأتي تصاعد دور قاليباف من فراغ. فهو رجل نشأ في رحم الحرس الثوري، إذ انخرط في الحرب العراقية الإيرانية منذ عام 1980 ضابطا وقائدا لقوات الرضا، وطيارا عينه المرشد علي خامنئي شخصيا قائدا للقوة الجوية للحرس.
وقد أكد كوش أن قاليباف يحظى بعلاقات قوية مع أوساط الحرس الثوري، ولا سيما مع قائده الجديد أحمدي وحيدي. وبهذه الخلفية يكتسب دوره الدبلوماسي الراهن طابعا مغايرا لما قد يبدو عليه في الظاهر.
وأوضح كوش أن قاليباف يجمع اليوم بين 3 أدوار متشابكة:
- رئاسة البرلمان،
- كبير المفاوضين مع الولايات المتحدة،
- والآن الإشراف على العلاقات مع بكين، مما يجعله، بحسب الخبير، أكثر أهمية.
الحرس الثوري.. صاحب القرار الفعلي خلف الواجهات
غير أن كوش لا يتردد في وضع هذا الصعود في سياقه الحقيقي، إذ يؤكد بصراحة أن صاحب القرار الفعلي في إيران هو الحرس الثوري، وأن قاليباف ليس سوى الوجه الدبلوماسي الذي اختاره الحرس لتمثيله في المشهد التفاوضي.
ويكشف كوش أن الحرس الثوري يحظى بدعم المرشد مجتبى خامنئي، مما يمنحه ثقلا مؤسسيا متعاظما.
ويستدل كوش على ذلك بما جرى على أرض الواقع: فالحرس أصدر في مناسبات عدة بيانات مناقضة لمواقف وزير الخارجية، بل وللرئيس نفسه وحتى لقاليباف، فضلا عن تسريبات تحدثت عن إقصائه.
ولذلك يرى كوش أن لا قاليباف ولا وزير الخارجية ولا الرئيس قادرون على إبداء أي مرونة تجاه واشنطن في ظل سلطة أعلى تتحكم بالقرار.
وفي هذا الإطار، يفند كوش الرواية القائلة إن استثناء واشنطن لقاليباف ووزير الخارجية من قوائم الاغتيال كان يهدف إلى دفعهما نحو مواقف أكثر اعتدالا في التفاوض، معتبرا أن سيف الحرس الثوري المسلط فوق رأسيهما يجعل هذا الاحتمال مستبعدا.
الصين.. حليف الضرورة
على الصعيد الصيني، يقرأ كوش المشهد بعمق استراتيجي. فبعد أن خرج ترامب من زيارته للصين دون أن ينال ما طلبه بشأن الملف الإيراني، وبعد أن جاءت التصريحات الصينية مقتضبة تدعو إلى إنهاء الحرب دون تبريرها —وهو ما يلتقي مع الطرح الإيراني— باتت طهران ترى في بكين الحليف الأقرب إليها، حتى أكثر من موسكو.
ويسوق كوش دليلا لافتا على عمق هذا التعاون: فنظام الملاحة والتوجيه الذي تعتمده القوات المسلحة والحرس الثوري الإيراني هو نظام صيني، رفضا للاعتماد على نظام GPS الأميركي.
ويمتد هذا التعاون ليشمل مجالات استخباراتية وعسكرية غير مباشرة، إلى جانب علاقات اقتصادية متينة تتمحور حول النفط وشبكة واسعة من التبادلات التجارية.
بيد أن كوش يستدرك بوضوح: الصين لا تريد التورط أكثر مما تقتضيه مصالحها، فهي حريصة على علاقاتها مع دول المنطقة والولايات المتحدة في آنٍ واحد.
ويخلص إلى أن دعم بكين لطهران ليس حبا في إيران، بل حماية لمصالح اقتصادية وتوازنات إقليمية، في مقدمتها إنهاء التواجد العسكري الأميركي في مضيق هرمز الذي تعتمد عليه الصين في وارداتها النفطية.
بنية النظام لا الأشخاص.. درس الاغتيالات الفاشلة
في معرض تحليله لمنطق النظام الإيراني، يطرح كوش رؤية جوهرية: إن محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل اغتيال قادة إيرانيين لم تجد نفعا، لأن النظام في تركيبته الأيديولوجية ينتج قادة من المعدن ذاته.
ويستشهد بأن من خلفوا المغتالين كانوا في الغالب أكثر تشددا لا أقل، ذلك أن الانتصار يعني في منظور النظام الإيراني استمراره وبقاءه لا الأشخاص.
ويختتم كوش تحليله بنظرة استشرافية، إذ يرى أن هذه الأزمة ستفرز تحولات أمنية عميقة على مستوى المنطقة والعالم، أبرزها إعادة رسم المنظومة الأمنية وبروز تحالفات جديدة. كما يلفت إلى مساعي أكثر من 40 دولة بقيادة بريطانيا وفرنسا لتأمين الملاحة في مضيق هرمز.
ويؤكد كوش أن نهاية هذه الأزمة آتية لا محالة، سواء عبر التفاوض أو التصعيد، لكن إرهاصاتها ستظل تُعيد رسم حسابات دول المنطقة والعالم لسنوات.