حين يلتقي رئيسان يمثّلان أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، لا يمكن لقاؤهما أن يكون مجرد مجاملة دبلوماسية.

قمة بكين التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ لا تختزل نفسها في الملف التجاري وحده، بل تحمل في طياتها ملفات شائكة متشابكة، في مقدمتها: مستقبل الأزمة الإيرانية، وتوازن الميزان التجاري، وسباق التكنولوجيا والرقائق، فضلا عن مصير مضيق هرمز الذي بات رهينا بالضغوط الجيوسياسية.

ترامب في الصين.. إجراءات أمنية غير مسبوقة

وفي تحليل معمّق لمجريات هذه القمة الاستثنائية، تحدّث الكاتب والباحث السياسي مات ماك كلين ومدير مركز الراي للدراسات والأبحاث صالح العبادي إلى سكاي نيوز عربية، مقدمين قراءة دقيقة للمشهد الدولي في لحظة بالغة الدقة والتعقيد.

يوضح ماك كلين أن إيران ليست ضمن جدول الأعمال الرسمي للقمة، وأن إدارة الرئيس شي تعدها قضية يأملان في تناولها بصورة هامشية.

ويرى الباحث أن هذا الغياب الرسمي لا يعني أن الملف الإيراني لن يطرح، بل سيجد طريقه حتماً إلى نقاشات الكواليس وجلسات العمل الثنائية التي ستجمع وفوداً ضخمة من كلا البلدين.

وفي تقديره، ستتمحور المناقشات المعلنة في المقام الأول حول الملف التجاري والتعريفات الجمركية، فيما قد يُتناول الملف الإيراني في الاجتماعات المغلقة.

ويؤكد الباحث أن التعريفات الجمركية واختلال الميزان التجاري بين واشنطن وبكين تمثل الورقة الأكثر إلحاحا على طاولة المفاوضات. فترامب أوضح مراراً رفضه للاختلال التجاري القائم، مشيراً إلى أن الصين تستورد من الولايات المتحدة أقل مما تصدره إليها.

ويضيف ماك كلين أن النجاح الحقيقي للقمة مرهون بتقديم كل طرف تنازلات حقيقية، في ظل إشارات صينية لا تدعو إلى التفاؤل في هذا الملف حتى الآن.

قمة بكين.. تعاون محتمل وتحذير صيني بشأن تايوان

ويدرج الباحث جملة من الملفات التي ستكون حاضرة على طاولة التفاوض، من بينها: التعريفات الجمركية وعدم التوازن التجاري، والملفات السياسية كإيران وروسيا وأوكرانيا، إضافة إلى أجندات رجال الأعمال ورؤساء الشركات المرافقين للوفد الأميركي الكبير.

ويشير إلى أن واشنطن تطمح في الحصول على وصول أوسع إلى الأسواق الصينية لمنتجاتها، وهو ملف يضغط فيه المزارعون الأميركيون على حكومتهم بشدة.

النفط ومصافي التكرير.. تعقيدات تكنيكية تُربك المعادلة

يستعرض ماك كلين ملف الطاقة بعين الخبير التقني، مؤكداً أن المشهد أكثر تعقيداً مما يبدو. ويُفسّر ذلك بأن أنواع النفط تختلف في تركيبها الكيميائي، وأن مصافي التكرير الصينية مُعدّة في الغالب لاستقبال نوعيات محددة، كالنفط الإيراني الثقيل، لا النفط الأميركي أو الفنزويلي.

وعليه، فإن مضيق هرمز يظل عنصراً استراتيجياً لا غنى عنه في المعادلة الطاقوية الصينية، مما قد يدفع بكين إلى ممارسة ضغوط على طهران لفتح المضيق، باعتباره مسلكاً حيوياً لوارداتها النفطية وصادراتها التجارية.

ويعترف الباحث بعدم يقينه إن كان ملف مضيق هرمز سيدرج رسميا في جدول أعمال القمة، إلا أنه يعتقد أن الصين قد تستخدمه ورقة ضغط على واشنطن لانتزاع التزامات معينة.

ولا يستبعد أن تُمارس الصين دوراً في الضغط على إيران للقبول بالتفاوض، وهو ما رصده ماك كلين في الأيام التي سبقت القمة.

ترامب: مستقبل أميركا والصين سيكون رائعا

الرقائق الإلكترونية.. أمن قومي يُقيّد هامش التفاوض

يتطرق الباحث إلى ملف الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات، معتبراً إياه من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.

ويستشهد بتجربته الشخصية كطيار محترف سابق مع هيئة الطيران الأميركية، حين كانت شركات صينية تنتج طائرات مسيّرة على الأراضي الأميركية قبل أن تُحظر.

ويرى أن ملف الرقائق يمس جوهر الأمن القومي الأميركي مباشرة، مما يجعله ملفاً لا يقبل التسوية السريعة، ويحتاج إلى سنوات من بناء الثقة قبل التوصل إلى أي اتفاق.

ويشير إلى أن الصين تسعى للحصول على الرقائق المتقدمة، في حين تريد الولايات المتحدة الحصول على المعادن النادرة الصينية، مما يخلق معادلة تبادلية بالغة التوتر.

ويتوقع الباحث أن يستأثر هذا الملف بقدر كبير من النقاشات، مع تحديد خارطة طريق أولية دون التوصل إلى حلول جذرية.

الرئيس الصيني: استقرار العلاقات مع واشنطن أمر مفيد للعالم

مضيق هرمز والاقتصاد الصيني.. مصلحة مشتركة

يُحلّل مدير مركز الراي للدراسات والأبحاث صالح العبادي التداعيات الاقتصادية التي تعرّض لها الاقتصاد الصيني جراء الأزمة الإيرانية، مشيراً إلى أن الصين تعتمد بصورة واسعة على النفط الإيراني، وأن إغلاق مضيق هرمز أضرّ بواردات الطاقة الصينية وصادراتها التجارية على حد سواء.

ويؤكد أن الصين، رغم امتلاكها مخزوناً استراتيجياً، لا يمكنها أن تتحمّل تمديد هذا الوضع دون انعكاسات اقتصادية وخيمة.

وعليه، يخلص العبادي إلى أن المصالح المشتركة الأميركية الصينية في رفع الحصار الاقتصادي عن مضيق هرمز ستفرض أجندتها بقوة على هذه المفاوضات.

ويشدد على أن الصين، بينما تنظر إلى مصالحها الاقتصادية مع الدول الخليجية ودول الشرق الأوسط، باتت أمام خيار استراتيجي لا مناص منه: الضغط على إيران للعودة إلى الحوار، أو تحمّل كلفة التصعيد المستمر التي تمسّ الجميع.