أثار إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن حزمة استثمارات ضخمة بقيمة 23 مليار يورو في القارة الأفريقية، نقاشًا واسعًا بشأن استراتيجية باريس تجاه القارة السمراء في ظل التراجع الحاد لنفوذها التقليدي في منطقة الساحل.

وتتضمن الحزمة 14 مليار يورو من التمويل الفرنسي و9 مليارات يورو من الشركاء الأفارقة مع تركيز واضح على قطاعات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والزراعة والطاقة الجديدة في الوقت الذي اعتبر ماكرون هذه المبادرة بأنها تمثل "انتقالًا من المساعدات إلى الاستثمار المشترك" في إشارة إلى سعي بلاده لإعادة تعريف علاقتها بالقارة على أساس الشراكة المتوازنة بدلًا من نموذج المساعدات الذي اعتادت عليه لعقود.

غير أن محللين ومراقبين اعتبروا في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية" قمة "إفريقيا نحو الأمام" بأنها تمثل تحولًا براغماتيًا في السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا، بعد انسحابات عسكرية ودبلوماسية متتالية من دول الساحل مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر حيث واجهت باريس قطيعة مع الحكومات الانتقالية وتصاعدًا ملحوظًا في المشاعر المناهضة للنفوذ الفرنسي التقليدي.

ويرى المراقبون أن هذا التحول يأتي في إطار إعادة تموضع أوسع لفرنسا تقوم على تعويض خسائرها في الفضاء الفرانكفوني عبر التوجه نحو الدول الناطقة بالإنجليزية والبرتغالية خصوصًا في شرق إفريقيا.

رؤية ماكرون لأفريقيا

عند النظر إلى منطقة الساحل تحديدًا تتجه فرنسا إلى ما يمكن وصفه باستراتيجية "العودة عبر الشعوب" بعد القطيعة مع الحكومات العسكرية القائمة إذ تعتمد مقاربتها على الاستثمار المباشر في المجتمعات المحلية خصوصًا فئة الشباب عبر مشاريع تنموية في مجالات الطاقة والزراعة والتكنولوجيا إلى جانب التعاون مع منظمات غير حكومية وشركات خاصة بهدف إعادة بناء الثقة تدريجيًا خارج الأطر الرسمية التقليدية.

وقدرت فرنسا أن هذه الاستثمارات من شأنها خلق أكثر من 250 ألف فرصة عمل مباشرة في كل من فرنسا وإفريقيا بما يعزز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين فرنسا والمجتمعات الإفريقية بدل الاعتماد على العلاقات الحكومية المباشرة.

واعتبر ماكرون في مقابلة مع مجلة "ذا أفريكا ريبورت" أنه منذ عام 2017 لم يقم أي رئيس فرنسي آخر بما فعله هو من حيث "قول الحقائق والاعتراف بها وتهدئة التوترات" رافضًا في الوقت ذاته اختزال أزمات القارة في الإرث الاستعماري فقط.

يراهن ماكرون على أن فرنسا "لا يمكنها تهدئة أزماتها المرتبطة بالهجرة والهوية دون تغيير صورتها الذهنية عن إفريقيا من كونها تهديدًا أو عبئًا إلى كونها فضاء للموهبة والإبداع ورأس المال والمصير المشترك".

وماكرون هو أول رئيس فرنسي وُلد بعد انسحاب فرنسا من معظم مستعمراتها الإفريقية في عام 1960، مؤكدًا أنه رغم السنوات الصعبة، لا يزال تفاؤله قائمًا على منطق واضح: "مصيرنا يمر عبر نجاح إفريقيا" وأن بلاده "ليست مفترسي هذا القرن ربما كان الأوروبيون كذلك يومًا ما لكنهم لم يعودوا كذلك الآن".

وفيما يتعلق بالتدخلات العسكرية شدد ماكرون على أنه "لا يمكن أن تكون إفريقيا ساحة لنفوذ عسكري لطرف أو لآخر أو لحروب بالوكالة هذا ما عشنا آثاره بدرجة ما في الساحل".

أخبار ذات صلة

ماكرون يعلن عن استثمارات في إفريقيا بقيمة 23 مليار يورو
إفريقيا إلى الأمام.. قمة نيروبي تفتح صفحة جديدة مع فرنسا

 تطور استراتيجية باريس

من باريس، اعتبر الأكاديمي الفرنسي وأستاذ العلاقات الدولية فرانك فارنيل، في حديث خاص لموقع "سكاي نيوز عربية" أن قمة "إفريقيا نحو الأمام" تعد مؤشرًا واضحًا على تطور الاستراتيجية الفرنسية في أفريقيا حيث تعطي أولوية للتعاون الاقتصادي والقوة الناعمة بدلًا من الأطر الأمنية والعسكرية التي هيمنت تاريخيًا على العلاقة بين الطرفين.

وأوضح فارنيل أنه "على مدى عقود، ارتبط الوجود الفرنسي في أفريقيا وخاصة في منطقة الساحل بانتشار عسكري واسع وعمليات لمكافحة الإرهاب كانت تشكل جوهر نفوذ باريس غير أن هذا النهج واجه رفضًا متزايدًا، إذ قامت حكومات عسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بطرد القوات الفرنسية والتوجه نحو شركاء بديلين مثل روسيا".

بيد أن فرنسا بدأت تحولًا عن هذا المسار سعيًا إلى إعادة تعريف دورها وتموضعها في القارة، من خلال التركيز على الابتكار والاستثمار والنمو المشترك وفق الأكاديمي الفرنسي الذي قال إن تشديد ماكرون على مفهوم "الشراكات المتكافئة" يعكس إدراكا بأن الجيل الأفريقي الشاب لم يعد يقبل بعلاقات قائمة على هياكل هرمية ذات جذور استعمارية.

وأضاف: "لا يقتصر هذا التحول على كونه رد فعل على إخفاقات الماضي، بل يعكس أيضًا إدراكًا لأهمية أفريقيا المتزايدة جيوسياسيا مع ما تمتلكه من قوة سكانية شابة واقتصادات ديناميكية تجعلها لاعبًا رئيسيًا في النظام الدولي ومن هنا فإن النهج الفرنسي الجديد القائم على الاقتصاد والقوة الناعمة هو محاولة للتكيف مع هذه التحولات وضمان البقاء ضمن معادلة التأثير العالمي".

وبيّن فارنيل أن "التحول الفرنسي نحو أفريقيا الناطقة بالإنجليزية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتراجع نفوذها التاريخي في الدول الفرنكوفونية إذ كشف طرد القوات الفرنسية من دول الساحل إلى جانب تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا عن هشاشة النفوذ التقليدي لباريس في منطقة لطالما اعتُبرت مجالها الحيوي".

وشهدت السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا في الحضور العسكري الفرنسي في دول منطقة الساحل، عقب موجة من التغييرات السياسية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين عامي 2020 و2023، والتي انتهت إلى إنهاء التعاون العسكري مع باريس في تلك الدول.

وفي رأي الأكاديمي الفرنسي، فإن "الأنجلوفونية" تمثل فرصة لإعادة التموضع إذ أن دول مثل كينيا ونيجيريا التي لا تحمل نفس الإرث الاستعماري المباشر مع فرنسا وتوفر أرضية لشراكات جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة بدلًا من العلاقات التاريخية.

فرنسا تقر بانتهاء حقبة النفوذ التقليدي في إفريقيا

 خط فرنسا لـ"إعادة التموضع" الأفريقي

وعن خطة فرنسا لإعادة تموضعها أفريقيا، يرى فارنيل أن "الاعتبارات الاقتصادية تلعب دورًا محوريًا إذ تُعد دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا من أكبر الشركاء التجاريين لفرنسا في القارة وتمثل أسواقًا واعدة وفرصًا استثمارية كبيرة، ومن خلال تعزيز حضورها في هذه الدول تسعى باريس إلى تعويض خسائرها في أفريقيا الفرنكوفونية وفي الوقت نفسه تعزيز موقعها داخل الاقتصاد الأفريقي المتنامي".

كما توظف فرنسا أدوات القوة الناعمة لإعادة بناء صورتها من خلال مبادرات مثل إعادة القطع الأثرية الأفريقية ودعم الصناعات الإبداعية، في محاولة لمعالجة إرث تاريخي مثقل وإظهار احترام للثقافات الأفريقية والانخراط معها على أسس أكثر توازنًا كما ذكر الأكاديمي الفرنسي الذي أشار إلى تقليص الحضور العسكري لبلاده عبر قدمت انسحاباتها باعتبارها استجابة لخيارات الدول المضيفة في محاولة لمعالجة أحد أبرز مصادر التوتر السابقة.

نفوذ فرنسي جديد

من العاصمة نيامي قال الباحث في العلوم السياسية إبراهيم جيرو إن التساؤل حول قدرة فرنسا على استخدام بوابة شرق إفريقيا لبناء نفوذ جديد يمتد لاحقًا نحو منطقة الساحل، يظل مطروحًا بقوة، في ظل ما تشهده العلاقات الفرنسية-الإفريقية من اضطراب عميق بعد القطيعة مع عدد من دول الساحل.

وأوضح جيرو في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية" أن المشهد الحالي لا يمكن قراءته باعتباره قطيعة نهائية أو مكتملة بين باريس ودول الساحل مشيرًا إلى أن "الأمر لا يزال في حالة سيولة سياسية، واحتمالات التعاون لم تُغلق بالكامل رغم التحولات الحادة التي شهدتها السنوات الأخيرة".

وأضاف أن "فرنسا وإن كانت قد فقدت جزءًا مهمًا من نفوذها التقليدي فإنها لا تزال قادرة على طرح نماذج تعاون جديدة تقوم على الاستثمار والشراكات الاقتصادية بدلًا من الأطر التقليدية القائمة على المساعدات أو النفوذ السياسي المباشر" معتبرًا أن قبول هذه النماذج من جانب دول الساحل يظل احتمالًا قائمًا وإن كان غير مضمون.

وفي ما يتعلق بالتوجه الفرنسي نحو شرق إفريقيا، اعتبر الباحث في العلوم السياسية أن مشاركة باريس في قمة "أفريقيا للأمام" تمثل مؤشرًا على استمرار الحضور الفرنسي الفاعل في القارة، بل ورسالة سياسية تفيد بأن فرنسا لم تغادر المشهد الإفريقي رغم التحديات في غرب القارة والساحل تحديدًا.

وأشار إلى أن "هذا التوجه نحو الشرق لا يعني التخلي عن غرب إفريقيا حيث لا تزال لفرنسا علاقات قائمة ومتشعبة مع عدد من الدول مثل بنين وساحل العاج وغانا ونيجيريا والسنغال، لكن باريس تعمل على إعادة تشكيل أدوات حضورها لا إنهائه".

أخبار ذات صلة

ماكرون وبوابة إفريقيا.. فرنسا تسعى لاستعادة نفوذها
فيديو.. ماكرون يمارس الرياضة في شارع بمدينة الإسكندرية

 تحول بارز

أما الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية جبرين عيسى، فقال لـ"سكاي نيوز عربية"، إن التحول الفرنسي نحو أفريقيا الأنجلوفونية يفهم في سياق إدراك باريس المتزايد بأن الدول الفرانكفونية لم تعد ترحب بالوجود الفرنسي خصوصًا العسكري والأمني وهو ما دفعها إلى محاولة إعادة تموضعها عبر الدخول من الأطراف بدلًا من الاعتماد على مركز نفوذها التقليدي.

وأوضح أن هذا التوجه بدأ يتبلور عمليًا عبر نيجيريا باعتبارها أولى نقاط الارتكاز الفرنسية في غرب إفريقيا الناطقة بالإنجليزية حيث شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في التعاون الاقتصادي بين الجانبين شمل اتفاقيات في القطاع المالي والضريبي خلال ديسمبر الماضي، من بينها رقمنة النظام الضريبي في نيجيريا، إلى جانب استثمارات فرنسية في قطاع السياحة وتوقيع اتفاقيات في مجالات التعدين والطاقة في يناير من العام الماضي، فضلًا عن شراكات في الطاقة المتجددة مع شركات فرنسية أخرى.

لكن هذا المسار لا يُعد وليد اللحظة، بل يمكن اعتباره بداية تحول استراتيجي بدأ قبل نحو عامين من نيجيريا رغم أن العلاقات التاريخية بين البلدين لم تكن دائمًا مستقرة حسبما ذكر "عيسى" الذي شدد على أن المزاج العام الإفريقي لم يعد مستعدًا لقبول الوجود الفرنسي بالشكل القديم إلا إذا قدمت باريس ما يطالب به الشارع الإفريقي وفي مقدمته الاعتراف بالماضي الاستعماري وتقديم مقاربة مختلفة تقوم على الدعم التنموي الحقيقي.

وأكد الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية أن استعادة أي حضور فرنسي فاعل تتطلب إعادة بناء الصورة الذهنية لفرنسا في إفريقيا وليس الاكتفاء بالحضور الدبلوماسي أو المشاركة في المؤتمرات.