في منعطف دبلوماسي بالغ الخطورة، تزداد الهوة بين واشنطن وطهران اتساعا، حيث لم يعد الأمر مجرد تبادل للرسائل، بل صراع إرادات وجودي.

بين رفض أميركي قاطع وضبابية إيرانية محسوبة، تتجه الأنظار إلى البيت الأبيض الذي يمتلك وحده مفاتيح المرحلة القادمة. فهل تقود "دبلوماسية التغريدة" الواقع إلى حائط مسدود، أم أن صافرة الإنذار العسكري أصبحت الخيار الوحيد لإعادة تشكيل حسابات صناع القرار في طهران؟

هذا التحليل، المستند إلى تصريحات الخبير في الشؤون الإيرانية فراس إلياس لسكاي نيوز عربية، يفكك أبعاد المشهد ويكشف عن مسارات المواجهة الثلاثة التي تنتظرها إدارة ترامب.

ترامب: نراقب النووي الإيراني المخصب تحت الأنقاض

"الرفض ليس رفضا".. استراتيجية الضبابية الإيرانية لابتزاز واشنطن

يؤكد الخبير فراس إلياس أن الرد الإيراني على المقترح الأميركي يحمل في طياته تناقضا جوهريا، فهو لم يقبل المبادرة من حيث المبدأ، ولكنه في الوقت ذاته لم يرفضها بشكل قاطع.

هذه المعادلة التي يصفها إلياس بـ"حالة من الضبابية الدبلوماسية" تحاول إيران من خلالها ترسيخ نهج جديد أمام إدارة ترامب، عبر تقديم تنازلات شكلية مقابل انتزاع تنازلات أمريكية جوهرية.

وكشف التحليل عن فجوة شاسعة بين الطرفين، حيث يتمسك العرض الأميركي بـ"تفكيك المشروع النووي الإيراني بالكامل" و"نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد"، فضلا عن طرح "إدارة جديدة لمضيق هرمز".

في المقابل، تشير قراءة إلياس إلى أن "العرض الإيراني يرفض ذلك" جملة وتفصيلا، مما يعكس فشل طهران في تلبية الحد الأدنى من الشروط الأميركية.

ويعزو إلياس هذا الأداء الإيراني إلى "انقسام داخلي حاد" يعقد عملية صنع القرار، تحديداً حول شكل الصفقة ومدى التنازلات المسموح بتقديمها، وعما إذا كان المسار التفاوضي سيكون "صفقة شاملة" تعالج كل الملفات أم مجرد تفكيك تدريجي لها.

ويخلص المحلل إلى أن غاية الرد الإيراني كانت أساسا "ضرورة أن نرسل رسالة للإدارة الأميركية" دون الالتزام بمضمون جوهري.

صراع داخل إيران.. من يعرقل الاتفاق مع أميركا؟

مدارات القرار الأميركي الثلاثة والمعادلة الإسرائيلية

يرسم فراس إلياس خريطة طريق للقرار الأميركي المرتقب، مشيرا إلى أنه لن يخرج عن 3 مسارات حاسمة.

  • الأول، هو النقاش المحتدم بين المؤسسات الأميركية السيادية، وتحديدا "البنتاغون والخارجية والاستخبارات"، لتقييم الرد الإيراني بشكل نهائي.
  • الثاني يتعلق بموقف إسرائيل ومدى تأثيرها على القرار، إذ أن تقييم تل أبيب للتهديد سيكون عاملا ضاغطا.
  • المسار الثالث، فيتمثل في حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه "الأطراف الضامنة" التي تتحدث بالنيابة عن إيران، وعلى رأسها الصين وروسيا.

وبعد استخلاص هذه المسارات، يرجح إلياس أن "المشهد العسكري قد يفرض نفسه خلال الفترة القادمة"، مشدداً على أن "الخيار العسكري بدأ يقترب بشكل أو بآخر أمام الرئيس ترامب".

ويستند هذا الاستنتاج إلى قناعة مفادها أن "إيران ليست بوارد تقديم التنازلات الجوهرية التي يريدها الرئيس ترامب"، بل تراهن على "فكرة تردد الرئيس ترامب باللجوء إلى الخيار العسكري". وبناء على هذا الرهان، تستنتج طهران أنها ليست مضطرة لتقديم ما يُطلب منها.

"الضربة التأديبية".. سيناريو لإعادة تشكيل عقل الحرس الثوري

في تحليله لشكل التصعيد المحتمل، يقدم إلياس توصيفا دقيقا للخيار العسكري المطروح، موضحا أنه "ليست بالضرورة الضربة القاضية أو القاسمة".

بل يتحدث عن "ضربة قد تهدف إلى إعادة تشكيل مدركات دوائر صنع القرار"، وفي القلب منها "الحرس الثوري" الذي يبدو أنه "لا زال متشددا وغير مضطر لتقديم التنازلات".

واشنطن: ممارسات إيران في هرمز تمثل انتهاكا للقرارات الدولية

ويشير التحليل بوضوح إلى أن الهدف الاستراتيجي لمثل هذه العملية العسكرية المحدودة لا يقتصر على تدمير القدرات فحسب، بل يتعداه إلى تغيير القناعات.

فبحسب رؤية إلياس، "مثل هذه الضربة قد تعيد حسابات قادة الحرس الثوري" وتجبرهم على تقديم "مقترح" جديد أكثر مرونة.

إنها استراتيجية الإكراه عبر الصدمة، التي تهدف إلى كسر جمود الموقف الإيراني بإيصال رسالة مباشرة إلى صانع القرار الحقيقي بأن كلفة المراوغة قد تجاوزت الحدود المسموح بها أميركيا.

سردية الصمود وأسطورة الحصار

يحذر إلياس من أن خيار "الحصار البحري" لوحده هو إجراء غير فعال، معتبرا أنه "لن يؤدي إلى نتيجة مقبولة" نظرا لقدرة إيران على الصمود لأشهر، مستنداً إلى تقارير داخلية تشير إلى "مهلة ثلاثة أشهر".

ويكشف التحليل عن أن طهران وتحديدا الحرس الثوري، يعملون على إنتاج "سردية خاصة من هذه الحرب"، حيث يصورون "الحصار البحري والضغوط الاقتصادية" على أنها مجرد "تكاليف صمود" تدفعها إيران جراء مواقفها الصلبة.

هل يتحول النموذج الفنزويلي إلى سيناريو إيراني

ولكسر هذه السردية، يعرض إلياس خيارات أكثر فعالية، ومنحها "هامش حركة على مستوى العمليات العسكرية" نظرا لكونها "أكثر جرأة من الاستعداد الأميركي".

ويؤكد أن مثل هذه الخيارات هي وحدها القادرة على "إعادة تشكيل الموقف الإيراني من طاولة المحادثات" ودفعها لتقديم التنازلات.

أما دون ذلك، فلا يرى المحلل أي أفق لعودة إيران عن تشددها، طالما أن الإجراءات الأميركية الحالية تبقى في إطار "إجراءات ردعية" فشلت في تغيير قناعات الحرس الثوري، الذي لا يزال متمسكاً بروايته الداخلية القائمة على تحويل الضغوط إلى دليل على صحة نهجه.